الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / تحـديات كبرى ورهانات قـائمة

تحـديات كبرى ورهانات قـائمة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

الحـدث الكبير والأبرز، بدايــة هذا الأسبوع وخلال هـذه الأيام يظــل، بالتأكيد هو حــدث الاحتفــال بعيــد العرش، الذي يخلــد هـذه السنة الذكــرى الـ 19 لاعتــلاء جلالة الملــك محمد السادس عرش أسلافه الميامين.
وعيد العرش بتاريخه المجيـد، وبما تتميـز بـه فعالياتـــه وخصوصياته مـن أنشطة ملكية، واستعراضات واستقبالات، ومهرجانات ثقافية وفنيــة ورياضيـة، هو مناسبــة وطنيـــة كبــرى تتجســـد فيها تعابير الوفـــاء للربــاط الوثيق الذي يجمـع بين العرش والشعب، وهو كــذلك فرصة سنــوية دائمــة يخــاطب فيها ملك البــلاد وأمير المؤمنيـن الشعب المغربي، في كـل ما يهــم حاضره ومستقبلــه، وهي ميزة سياسيـة وتواصليــة سبقــت، بعشرات السنين، ما يصطلح عليه اليوم بعصر المعرفة والاتصــال.
خطاب الذكرى 19 كان بالفعل خطابا من الجيل الجـديد للخطب الملكيــة، في تركيزه، في دقتــه، في موضوعيته وصــراحته، وفي القضايا التي تناولــها والتي هي بالفعــل من القضايا الرئيسية في هذه الظرفيــة.
بهذه الدقــة والتركيــز، تناول الخطاب الملكــي ثــلاثة محــاور، أولها يهـــم واقع المشهـد السياسي أو الحـزبي، والثاني يتعلق بتقويم الشأن الاجتماعي بما له وما عليـه، أما الثالث فيخص مستلزمات إنجــاح الأوراش الكبـرى ودعــم المقاولات الوطنيــــة.
اسـتهل الخطاب بتوطئة قــد تبدو وكأنها (مقدمة) للموضوع، في حين أنها، كما نعتقــد، هي عمــق الموضوع وجوهــره الفاصل. فحين يذكر الخطاب بأن المغرب هو “البيت المشترك لكل المغاربـة، ويجب علينا جميعا أن نحافظ عليه ونساهم في تنميته وتقـدمه”، وبأن الـــوحدة بين أبناء المغرب هي التي تعطي للبلاد مناعتــها، وبأن الـروح الوطنيـــة هي التي ترســخ الوحــدة بين كـــل مكــونات وجهــات الوطن… حينها يحضر معنى تــلازم الحقــوق والواجبات، ويكون الأمر واضحـــا في الفصل بين هـذه القناعة وبيـن مروجي الفتنة والفوضى والإشاعة…
وفي ما يخص النقطـة الأولى المتعلقة بالحقـل الحزبي، فالواضح أن الأحزاب السياسية ومساهماتها، في الحياة السياسية وتدبير الشأن العام، هي من ثمار التجربة الديمقراطية التي خاض المغرب غمارها قبل عقود، وفي هـذا الخطاب، كـما في غيره، ينـــوه جـلالة الملك بمجهودات الأحـزاب السياسيـة التي تبقــى دعامة أساسيـة من دعائـــم الصــرح الديمقراطـي، ونظرا لــدورها الحيــوي، بالذات، فالأحزاب، كــل من موقعــها، مطالبــة دائمـا ليس فقط بأن تكـــون في مســتوى الأحــداث، بــل وأن تكــون فاعلــة ومساهمـة في صنــع الحــدث وفــي استيعاب التطــورات والتأقلـــم معــها على مستوى التأطيــر والتوجيـــه والتكـــوين، وقبل ذلك وبــعده على مستـــوى الحضور بجانب المواطنيــن في كــل ما يتعلــق بالدفاع عــن حقــوقهم ومطالبهــم المشروعــة.
لذلك، فالإشارة الملكيــة إلى أن الأحزاب السياسيــة “يتعيـن عليــها استقطاب نخـب جـديدة، وتعبئـة الشباب للانخــراط في العمـل السياسـي، لأن أبـناء اليوم، هـم الذين يعرفـون مشاكل ومتطلبـات اليـوم. كما يجـب عليهـا العمل على تجــديد أساليب وآليات اشتغــالها” … هـذه الإشارة الهامــة هــي تأكيـد أيضا على ما يجب أن يثمـره عمل الأحـزاب السياسيــة فـي تقــوية مناعـة المغرب وفي توفير المستلزمات السياسية والفكـــرية والبشريــة المطلــوبة للنجــاح في رفــع التحــديات وتحقيق أهــداف وطموحات وانتــظارات المواطنيــن، وتعــزيز صورة المغرب ومـــوقعه ضمــن الـدول الصــاعـدة.
وفي المحور الثاني، أي الشأن الاجتماعي وتحسين مستوى الحيــاة، كان من الطبيعي أن يأخذ حجما أكبر، وذلك بالنظر إلى كون جلالة الملك، وطوال الـ 19 سنة الماضية، خص هذا الموضوع باهتمامه المتواصل، وجعلـه كعنصــر محوري في توجهات البلاد واختياراتها، كما تشهد على ذلك الكثيـر من المحطات والمبــادرات العملية، ومنها على سبيل المثال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ورش الجهوية المتقدمـة المدعـوة للمساهمة في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجاليـة، والدعـوة إلى إعادة النظر في النموذج التنمــوي، والتأكيد على جعل التنمية الاقتصادية متلازمة مع التنمية الاجتماعيـة… إلى غير ذلك مــن القرارات الهادفة إلى بناء العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
هـذا الحرص والاهتمام بالشأن الاجتماعــي والتنموي يتأكد مجــددا في خطاب العرش لهـذه السنة، حيث دعا جلالة الملـك إلى “إعادة هيكــلة شاملــة وعميقـة، للبرامج والسياسات الوطنيـة، في مجـال الدعـم والحماية الاجتماعيــة، وكـذا رفع اقتراحات بشأن تقييمــها”، مـع الأخذ، في نفس الوقت بمنهجيــة التدقيق والتركيــز، من خلال التركيـز على المبادرات المستعجلة الأربعـة التالية:
* إعطاء دفعة قــوية لبرامج دعـم التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي ابتداء مـن الدخول المدرسي المقبل .. وذلك من أجل التخفيف من التكاليف التي تتحملـها الأسر.
* إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنيـة للتنميـة البشرية .. ودعـم الفئات في وضعيــة صعبة، وإطلاق جيـل جديد مـن المبادرات المدرة للدخـل ولفـرص الشغل .
* تصحيح الاختلالات التي يعرفها برنامج التغطية الصحية (راميد)، بموازاة مع إعادة النظر، بشكل جذري، في المنظومة الوطنية للصحة التي تعرف تفاوتات صارخـة، وضعفا في التدبير.
* الإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي، ودعوة كل الفرقاء الاجتماعيين إلى التحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستــدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائيـة للطبقة الشغيلـة، بالقطاعين العام والخاص.
هكذا نكون أمام نماذج جــديدة أو متجددة من المبادرات والقرارات والتوجيهات الملكية في المجال الاجتماعــي، والتي تبرز المكانــة المركزية التي يحتلها الشأن الاجتماعي فـي اهتمامات جلالتـه، وإذ يمكن القول، وبدون أية مبالغة، أنها تضــع إلى جانب لقب (ملك الفقـراء) لقبا آخر هو (ملك التنمية المتوازنة والعدالة الاجتماعيــة) .
وتناول خطاب العرش أهم مشاغل وقضايا الساعة يعني أيضا ملامسـة الشأن الاقتصادي، وما تفرضه الوضعية مـن تدابير وقرارات مستعجلــة. وهنا يورد الخطاب الملكي، وبالصراحة والدقة المعهــودة، إجراءات دالــة على الحاجـة إلى بلورة مجموعة مـن الإصلاحات الجــديدة، التي من شأنها تنشيــط الحياة الاقتصاديـة وإنعـــاش الاستثمــار حيث يتعيــن، على الخصوص، إنجــاح ثلاثــة أوراش، وهـــي:
* إصدار ميثاق اللا تمركز الإداري، داخل أجل لا يتعدى نهايـة شهر أكتوبر المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحلييـن، اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنميــة الاقتصادية والاجتماعيـة، في انسجام وتكامل مع الجهـوية المتقـدمة.
* الإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وبتفعيل إصلاح المراكز الجهويـة للاستثمار، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها..
* اعتماد مقتضيات قانونية تنص على تحديد أجل أقصاه شهر للإدارات المعنية للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، وعلى أن لا تطلب أية إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات تتوفر لـدى إدارة عمومية أخرى …
هكــذا، وبكل مضامينه الهامة الأخرى، يكون خطاب الذكرى 19 لاعتـلاء جلالة الملك عرش أسلافه المنعمين، قد أعـطى انتعاشــة جـديدة للحياة السياسية الوطنيـة، وكان لــه مــن الأصــداء والوقــع، ما يبعـث على الثقــة في قدرة المغرب على كسب رهانــاته في مختلف المجــالات، وأيضا ما يحفــز على المزيد من العمل الجــاد والمثابر.
وإن كانت مجموعة من المهـام التي تطرق إليها الخطاب تندرج ضمن الأوراش المفتـوحة، فإن في ذلك ما يعيد طرح ســؤال الحكامة ومسؤولية الإســراع في الإنجــاز والتنفيـــذ، سيما وأن هناك مواعيــد مضبوطة وحاجيات مستعجلــة.
ولابد أيـضا من الانتبــاه إلى أن قــضايا متعددة وأساسية مطلوب فيـــها اعتمــاد المنهجيــة التشـاركية التي تحتم بالضرورة المقاربــة التشاركيــة والعمــل الجماعي، وبالتالي التنسيق والتكامل بيــن جهود مختلف المتدخليــن.
هي بالفعل تحـديات كبــرى ورهانات قــائمة.. قضايا حيويــة وأهـداف سامية تستوجب بالفعل حضـور الروح الوطنية والغيرة الوطنيــة والحماســة الوطنية التي ينبغي أن تكـــون هي المحــرك لكل الجهــود والموحـدة لكل الطاقات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الحوز..القبض على مبحوث عنه متلبسا بمحاولة سرقة دراجة نارية

رسالة 24- رشيد أيلال // ...