الرئيسية / رأي / مشـــروع مجتمعــي متكــامل

مشـــروع مجتمعــي متكــامل

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

تميــز الاجتماع الأخيــر لمجلس الحكــومة بكــونه الأول مــن نوعــه، بعـد الخطاب الملكــي بمناسبـة عيــد العرش، وبكـــونه شكــل لحظــة الشروع في تنزيــل التوجيهات والقــرارات التي تضمنها خــطاب العرش، كمـا كان مـن مميــزات اجتماع مجلس الحكــومة أن الأخيــرة أعلنــت، على لسان رئيسها والناطق الرسمي باسمها، أنه “ليس هناك عطلـــة للحكــومة، وأن العمل الحكــومي سيستمــر”، بل ولوحظ أن الاجتماع نفســـه أسفــر عـن المصادقــة على مشروع القانــون المتعلــق بإصلاح المراكــز الجهـوية للاستثمـار.
ومع ذلك، يبدو أن هناك ســؤالا (وهو سؤال بريء بالطبع) يفرض نفســه، على مجموعـة مـن المستويات، ويتلخص فــي مــدى توفر حظـــوظ النجــاح للبرامـج والمهــــام المطروحة باستعجال، وبــداية، لابد من القــول بأن المفروض، في كل من يطرح مثل هـذا السؤال، هو التطلع بصـدق وإلحــاح للنجــاح وتحقيق الفــوز لكل المطامـح والأهــداف التي تعــود بالنفع على الوطن والمواطنيـن. وبالنظـر إلى (المقدمـات) المتوفرة، لا يمكن إلا التفــاؤل بالنجــاح فـي كسب رهــان هــذه المهـام وتنــزيلها على أرض الواقــع، والتفاؤل هــنا لـه عناصره ومرتكــزاته الواقعيـة والموضــوعية، ومنــها بالخصـوص:
* أن خــارطة الطريق التي رسمها الخطـاب الملكي، قـد حــددت بوضوح الإطـار العـام وتوجيهــاته الخاصة بالقضـايا الأساسيــة التي ينبغــي التركــيز عليها والعـمل على بلورتـها في الأجل المنظور.
* أن بــوادر التعبئة المطلـوبة ظهـرت في حينـه، ولاسيما مع الاستقبالات الملكيـة بالحسيمة وبطنجــة، ومنها بالطبـع الاجتماع الذي ترأسه جلالة الملـك، يوم الأحـد 29 يوليوز، والذي خصص للوقوف على تنفيذ التدابير التي تضمنها خطاب عيد العرش لهذه السنة.
* أن مختلــف المؤسسات والجهات المعنيــة سارعت إلى الإعــلان عن التزامها وتجــاوبها التام مـع توجيهات خطاب العرش وترحيبها بما تضمنتـه، بما في ذلك الأحزاب السياسية، في الأغلبيـة وفي المعارضــة، التي عبرت عـن انخراطها ودعمها لمسيرة مواصلة الإصلاح والبنـاء.
* مبادرة الحكومة بعقد اجتماع، يوم عيد العرش، خاص بالقطاعات المعنيــة بالاستحقاقات الواردة فـي الخطاب الملكي، حيث تقرر وضع برنامج تنفيــذي في غضون ثــلاثة أسابيــع، على أن يتــم رفـع تقارير منتظمــة إلى صاحب الجلالة حــول سير العمل التطبيقــي.
ومــع أهميــة كل هـذه المقـدمات الإيجابيـة، وما تشكله من بواعــث ثقــة وتحفيـز، يبقى كـذلك أن التفــاؤل لا ينبغي، في كل الأحــوال، أن يحول دون الانتبــاه إلى كل ما يمكـن أن يكون هناك مــن اختلالات ونقائص، أو تعثرات ومشاكل في هــذا القطاع أو ذاك، فالبلاد مقبلة الآن عـلى وضـــع قانون الماليــة للسنة المقبلــة، واللقــاءات أو المشاورات الأولية، التي جرت حول الموضوع، لا تنفــي وجود إكراهات وصعاب قــد تواجــه الاقتصاد الوطني والماليـة العموميــة خلال العام الــقادم، كــما أن وسائل الإعلام تحـدثت قبل أيام عــن وجود تناقضات في المعلومات الرسمية بخصــوص المؤشرات الماكـرو- اقتصادية، وحول مستوى عجـز الميزانيـة، علاوة على الاختلاف الذي يظهر في التقــديرات والتقييمات بين كل من المصالح الحكوميــة من جهة والمنـدوبية الساميـة للتخطيط من جهــة ثانيـــة.
ثـم هناك التطور المقلــق لمعضلة البطالة وســوق الشغل، حيــث تقارير وأرقام بنك المغرب تتحــدث عــن ارتفــاع نسبة العـطالة إلى 10،2 بالمائة إجمالا، وبشكل خاص في صفوف الشباب بالوسط الحضـري، إذ تصل النسبة إلى أكثر من 40 بالمائـــة.
فمثل هـذه الإشكالات لا ينبغي الإغـفال عنها مهما بــدت (عـادية) في أوضاع انتقاليــة كالتي يعبرها المغرب، ولابــد من اليقظـة تجــاه كل ما يمكن أن يحصل مـن (فراغــات) قـد تستغلها الجهات المناوئة للطموح المغربــي في زرع بــذور الشك والتشكيــك والإحباط، وهو، في كل الأحوال، ما لن يسمح بــه المغـاربة، كما جاء في خــطاب العــرش، حيث قال جـلالة الملـك: “إن المغـاربة الأحرار لـن يسمحــوا لــدعاة السلبيـة والعـدميـة وبائعــي الأوهـام باستغلال بعض الاختـلالات لتبخيس منجــزات المغـرب”.
وفي نفــس السياق، لابـــد كذلك مـن الالتـــفات إلى أحد الأعمــدة الأساسية واللازمــة لإنجاح كل مجهــود يبذل في مجال تدبير الشأن العام، ونعني بــه مسألة التواصل مـع المواطنين المستهــدفين ومع كـل شرائح المجتمـع وفئــاته وفي كــل المناطــق، فالعمل التنمــوي، بمخططاته وبرامجـه المرحلية والاستراتيجيــة، محتاج دائــما لدعــم المــواطنين ولوعيهــم بأهميــة أهـدافه، وبما يسعـى إليــه من تمكيـــن جميع المواطنين مـن الحياة الكريمة والعـدالة الاجتماعيـــة.
فوعي المواطن وقناعته بصواب الاختيار هو حجـر الزاوية فــي حشــد الدعم والإسناد الضروري للعمل والتنفيـذ والإنجــاز، ومن هنا تأتي قيمــة التواصل كآلية لاجتذاب اهتمام المواطنين ودفعــهم، عبر كل جسور التواصل، نحــو المشاركـة والانخـــراط في أجـــواء التعبئــة الجماعيــة المطلــوبة لإنجاح خارطة الطريق أو الخطــة التي أطلقها جلالة الملك بمناسبة عيد العرش.
فالخطة الملكيــة تروم القيام بإعادة هيكلــة شاملـة للبرامج والسياسـات الوطنية في المجال الاجتماعـي والتنمـوي، وخطة بهـذا الحجم وبهذه الأهميــة، وبكل ما لها من أبعاد سياسية واجتماعية واقتصاديـة، مفــروض أن يكـون الجميــع على وعي تام بما يجب أن تحــاط به مــن:
* برامـج إعلاميــة منسقـــة تعتمـد الأساليب الملائمة والمناسبة حسب مختلف شرائح المجتمع، وجعلها عنصرا فاعــلا في التعريف بها واستيعابهــا.
* تنظيــم لقــاءات ونقــاشات عموميـــة تؤطرها كفـــاءات سياسيــة ومتخصصة في قضايا ومواضيع أوراش الإصــلاح التي تركز عليها الخــطة.
* مساهمة الإعــلام العمـومي في تتبـــع سيــر العمل المبرمج في هــذه الأوراش وتقـريب المواطـن مـن تفاصيله وما يعرفه من إنجازات، وما يمكن أن يحصل من صعاب إن كانت هناك صعاب.
وعلى مستوى برمجــة العمـل والسهر على الإنجـــاز، فقد صــرح رئيس الحكومـة، خلال المجلس الحكــومـي بأن جلالة الملـك حــدد للحكومة مسـؤولية محــددة، ومن دون شــك أنها مسـؤوليات تفــرض الحرص، كل الحـرص، على الاضطلاع بهذه المسؤولية وإنجــاز أهــدافها بنجــاح كــامل، وكمقــدمة لذلك بادرت الحكومة بعقد اجتماع خاص للقطاعات المعنيــة وقررت وضع برامج تنفيـذية لأهــدافها، وإحـداث لجنة مركزيــة لتتبــع تنزيل الخطة الملكيـة، كما التزمت الحكومــة بالعــودة إلى تقــديم أو عرض برنامج العمل المدقق بهــذا الشأن، وذلك في أفــق الدخـول المقبل.
والدخول السياسي والاجتماعي المقبــل يعني أيضا الدخول في مرحلــة جـديدة قـــوامها العمل المثابر من أجــل تحقيق التطابـــق والانسجــام المطلوب في مســار الإصــلاحات التي عرفهــا المغرب، ولاسيما بجعــل حصيلتــه الاجتماعية والتنمــوية في مستـــوى ما تحقــق من خـطوات كبيــرة على المستوى السياسي والبنـاء المـــؤسساتي.
وهـذا الهدف، الذي رسمتــه التوجيهات الملكيــة، لابــد له من شروط سياسية وتنظيميــة ومجتمعيــة لخلــق مناخ التعبئــة الضرورية ليكون الأداء فعلا في مستــوى الرهان، ولعل البـداية تكــون من إعــادة ترتيب أوراق مختلف الفاعليــن في الساحة السياسيــة، وفتــح حـوار وطني غايتــه حــشد كل الطاقات الوطنيـة وتوفير المستلزمات التي تمكــن بــلادنا مــن إنجـاز مهـام وأهــداف هـــذه المرحلــة، ثم تفعيـل مقتضيات الدستور وما توفره في مجــال الديمقراطية التشاركيـة من فرص التعبئـة والمشاركة الواسعـة لإمكانيات وكفــاءات البلاد، من مـؤسسات وهيئات وفعاليات المجتمــع، مـع ترشيد المجهـود والحكامة في إسناد المسؤوليات.
ولاشك أن أنظار المواطنيــن والمتتبعين ستتركــز، مـن الآن، على حركيــة القادم مـن الأيام والشهـور وما ستعملـه المواعيد والمحطات القادمـة لأن الطمـوح كبيـر والمهام عـديدة، ولأن الأمــر يتعلق بإنجــاز مشروع مجتمعــي متكـــامل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مراكش.. افتتاح أشغال المؤتمر الحكومي الدولي لاعتماد الاتفاق العالمي للهجرة

افتتحت اليوم الاثنين بمراكش، أشغال ...