الرئيسية / رأي / 20 غشت.. الوفاء للقيم الوطنية

20 غشت.. الوفاء للقيم الوطنية

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

 

20 غــشت 1953، تاريخ منقــوش في ذاكرة المغاربـــة… تاريخ يحيــل على الكثيــر مـن المعاني والعبــر والقيـــم:
* ثورة ملــك وشعب تبــادلا الوفــاء بالوفـــاء.
* ثورة تحــد وشجــاعة وصمـــود في مواجهـة المؤامـرة.
* ثــورة العــزة والكــرامة والسيـــادة الوطنية.
* ثـورة لا، لا للإذلال، لا للمس بمقــدسـات البلاد ووحدة شعـبها، لا لمنطق القوة والإملاءات الاستعمارية.
* ثـورة وحــدت كل مكــونات الأمـــة المغربية وراء شعار : (بن يــوسف إلى عــرشه) .
* ثــورة تاريخية أرغمـت سلطات الاستعمار على التراجع عن غيـها والاعتراف باستقلال المغرب وحــريته…
لكل ذلـك وغيره، كان مــن الطبيعي أن يحافــظ المغرب، بكل مكوناته الرسمية والشعبيــة، وبكـل مناطقه وأقاليمــه، بتخليــد ذكــرى هــذا اليوم الذي أرادتــه الإدارة الاستعمارية أن يسجـل تنفيــذ مـؤامراتهـا على العــرش المغربي، وعلى الوطـن المغربي، بإقدامها على محـاولة خـــلع جلالة الملك محمد الخامــس، فإذا بــه يسجــل أروع ملحمــة نضاليـة وثوريـــة ضــد الوجــود الاستعمــاري الذي طالما فرض نفســه بمبرر معاهدة (الحمايــة) المزعومــة، وهي الملحمــة التي شكلـت بـداية النهـــاية للاحتــلال الأجنبي فــي المغرب.
كانت المؤامرة التي دبرها دهاقنــة الاستعمار وأذنابهم كبيرة وخسيسة وجهنميــة، كانت تهدف إلى إزاحة الملك الشرعي وبسط كامل سيطرتهـم على البلاد، وكان هذا هو جوهر سياساتهــم مـن الماريشال اليوطي إلى الجنرال جوان، ومــن اتفاقيـة الجزيـرة الخضراء 1906 إلى معاهـدة فـــاس، 30 مارس 1912، التي فـرضت الحمايــة.
وبعــد مواجهـة طويلـــة وحازمــة لسيناريوهات هـذه السياسة الاستعماريــة، وفي حقبة مليئــة بأحداث سياسية واقتصادية وعسكريــة كبــرى، أمكن للمغرب الفوز في معــركة الحريـة والاستقــلال وأن يتجــاوز محنــه القاسية، وكان (الســر) في ذلك مــا عبر عنه المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، في كتاب (التحـدي)، بقـــوله : “إن المشاكـل السياسية والاقتصاديــة التي اعترضت سبيـلنـا والتي كـان لزاما عليـنا أن نفــض معضلاتــها جسيمــة أفـدح ما تكــون الجسامـة، وإذا كـان التوفيــق قـد حالفنا حتى تغلبــنا عليها، فإن مــرد هـذا التوفيـق يعـــود إلى أن شعبنــا اهتـــدى إلى طريـق المحـافظة على الإيمـان برجل كــان رمـزا للإيمان بأتم معانيــه، ذلــك الرجل هـو أبـي ..” أي المغفـور له جلالة الملك محمد الخامس .
هـذا المقتطف من مـؤلف (التحــدي) يختصر الكثير مـن دروس معركة الاستقلال ومحـطة 20 غشت بالذات التي لا يمكن الإحاطة بها في حيز كهـذا، على أنه ربما الأهم، في مرحلة اليوم، هو الاستفــادة مـن دروس وعبر المحطات السابقة لتوفير مستلزمات التصـدي لمهــام وتحــديات مغـرب اليـوم، وهي بالتأكيد تحـــديات ضخمــة ومعقـــدة وتمتـــد على كــل الجبهـات الداخليـة والخارجيـة، وعلى رأسها قضية الدفاع عـن حق المغرب في استرجاع أقاليمه الصحراوية التي سبق لجلالـة الملك محمد السادس أن قال بشأنها (في خطاب ذكرى المسيرة 2015) : “إن قضية الصحراء ليست أول مشكل واجهه المغرب في تاريخه، فقد عرف أيام (السيبة) والفوضى، وعاش تحت الحمايـة والاحتلال، كما شهد صراعات وخلافات ما بعد الاستقلال، بخصوص بناء الدولة الحــديثة، لكنه دائما يتجـاوز الظروف الصعبة ويخـرج منها موحـدا قويا مرفــوع الرأس، وذلك بفضل إيمان الشعب المغــربي بوحـدة مصيره، ودفاعـه عن مقـدساته ووحـدة ترابـه، وتلاحمــه الوثيق مـع عرشـه”.
إنه بفضل القيــم والخصال المترسخة لدى الشعب المغربي، والتي شكـلت الحصانة المبـدئية لمسار بناء دولتـه الحديثة والصاعـدة، نجـح مغرب ما بعـد الاستقــلال، وبقيادة المغفور له جلالة الملك الباني الحسن الثاني، في قطــع أشواط كبيـرة في الرقــي بأوضاع البــلاد وظــروف عيش المواطنين ووضـع القواعــد الأساسية لتطــوير مختلف المجــالات الإنتاجية والتنمــوية.
وبنفس العزم، وبعـزيمة أقوى وأكبـر، انتقل المغرب، في عهده الجديد بقيادة جلالة الملك محمد السادس، إلى مراحل متقـدمة على طريق استكمال بناء الدولة الديمقراطية القوية بمؤسساتها وتشريعاتها وخياراتها القائمة على العــدالة الاجتماعيــة والنجاعــة الاقتصـادية، فتعزز اقتصاده الوطني بقطاعات جــديدة كتركيب السيارات، وخدمات الطائرات، وأصبح في المراتب الأولى في مجـال إنتاج الطاقات المتجــددة، وتحسنت مردوديته الفـلاحية، وتحسنت مواقعه كوجهــة للاستثمارات الأجنبية.
وإلى جانب ذلك، وبموازاة معـه، توالت الأوراش الكبرى في ميــدان توسيع وتشييــد الموانئ والطرق والسكك الحـديدية، وتأهيل العالم القـروي، والتركيز على التنميــة المستدامـة وعلى ســلامة ونظـافــة البيئــة.
والطموح المغــربي المنخرط في العصر، بأفقه الاستراتيجــي، لا تحــده النتائج المحصلة أو المنجـزة، ولذلك، وكما يلاحـظ كل متتبـع، كانت خطب جلالة الملك، وأنشطته الفعلية على واجـهات متعددة، تلـــح وتـؤكد على المــزيد من العمــل والاجتهاد والابتكـار من أجل ضمان النجــاح التــام للأوراش الإصلاحية والتنمـوية التي فتــحها المغـرب، معتبــرا بأنه لا يكفــي أن تكون الاختيــارات الكبـرى سليمة وصائبـة، بــل لابـد من المواكبـة والتتبــع والمراقبــة لسيـر العمل ولنجــاعة التدبيــر وإنجــاز المخططات والمشاريــع المبرمجـة، ومـن منطلــق هــذا الانشغــال ذهب جــلالة الملك، في خـطاب عيد العرش الأخيـر، إلى دعــوة الحكومة، وكل الفاعليــن المعنيين، إلى “إعادة هيكلــة شاملــة وعميقـة للبرامـج والسياسات الوطنية في مجــال الدعـم والحمايـة الاجتماعيـة”.
وعـلى ضوء منهجيــة اليقظة والحكامــة هاته، كان لابــد مـن اتخــاذ مجموعة من التدابيـر والإصلاحات التي من شأنها وقايــة مسار المغـرب وتحصينـه من كــل أشكال التقصيـر والاختـلالات والتجاوزات الممكن أن تحصــل، وكان من بينهــا تلك التي تخـــص “بلورة رؤيــة منــدمجــة للنموذج السياسي والاقتصـادي والاجتماعــي ولمنظومــة الحكامة المركزيـة والترابيـة فــي كـل أبعادها، ومعالجة نقاط الضعف والاختلالات التي أبانت عنــها التجربـة…”.
ويمكن القـول إن هـذه التدابير والقرارات كانت مـؤطرة بالنص الدستوري حــول ( ربـط المسؤولية بالمحاسبــة)، والتطبيق الدقيق والكامـل لأحكــام الوثيقـة الدستوريـة، وكل ذلك يشكـل مفخـرة لمغرب اليوم لأن الإصـلاحات المنجـزة والأوراش المفتــوحة تنسجــم كل الانسجــام مـع مطامـح مغرب 20 غشت، بــل إنها تعتبر امتدادا وانتمــاء شرعــيا للأمجــاد والتضحيات والملاحـم البطوليـة التي هــزت أركان الوجود الاستعماري ووضعت البلاد في مقــدمة الدول التي فتحت طريق التحرر والانعتـاق أمام قارتنا الإفريقيـــة.
واليوم، وبعد مضي 65 سنة على ثورة الملك والشعب، ونحن ننظر إلى الحاضر والمستقبل، فإن فضيلـة الوفاء تقتضي أن تتجــدد، وأن تعيش بينـنـا وفي سلوكنا، تلك القيــم التي حركت هـذه الثورة وألهمتــها، وروح الـوفاء هنا ليست مجرد عـواطف واستعراض الأحـداث، فالوفاء الإيجابي المطلــوب الآن، يجب أن يكــون هو جعـل مغرب اليوم في مستـوى تحـديات العصر، وأن يكسب رهانات مرحلة الحاضر، كما نجح في كسب رهان معركة الحريـة والاستقلال.
والقضايا المفــروض أن تتمحــور حولها جهــود الأوفياء للوطن وللمقــدسات والثوابت الوطنيـة، هـي قضايا متنوعة ومتعـددة، تشمل أهداف استكمال البنـاء الديمقراطي في مختلف المجالات، وكنماذج نكتفي بالإشارة إلى ثلاثة منها:
* دعــم تأهيل الاقتصاد الوطني وتطويره والرفع من قــدرته التنافسيــة، وتحسين مناخ الأعمال بما يحفز الاستثمار، مع النهــوض بوضعية التشغيل وخلق فــرص الشغل المنتجــة للخيرات.
* تعـزيز البرامج والقرارات الإصلاحية، سواء في مجال التعليم والتكـوين المهني، أو في ما يهم ورش إصلاح وتحديث الإدارة، أو محاربة الفساد ودعم الشفافية وتكافؤ الفرص.
* خلق دينامية جــديدة في الحقــل السياسي، والرفع من أداء الأحزاب ومن دورها ووزنها في الحياة السياسية وارتباطها بقضايا المواطنين وإشراكهم في الاهتمام بالشأن العام.
والاضطلاع بمثل هـذه المهام هو التجسيد الفعلي للوفاء للمثل الوطنية، وهو، في نفس الآن، ما يبرهن على أن المغرب والمغاربـة أكبر مـن أية مناورة أو مؤامرة تحــاك ضدهم من طرف أي كان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مليلية المحتلة.. حقوقيون يستنكرون إحياء ذكرى احتلال المدينة

رسالة24 – رشيد عبود // ...