الرئيسية / رأي / عيـد الشبـاب.. محطـة لاستشـراف غـد أفضـل

عيـد الشبـاب.. محطـة لاستشـراف غـد أفضـل

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

في أجواء وطنية ودينية واحتفالية يحل عيد الشباب الذي يصادف كل سنة مناسبة سعيدة هي مناسبة عيد ميلاد جلالة الملك محمد السادس. عيد الشباب، ومنذ عقود، كان وسيظل مناسبة وطنية تستقبل كما هو الشأن هذه السنة في مختلف أوساط الشعب المغربي، وخاصة وسط الشباب، بكل مظاهر الاحتفاء وبالعديد من الأنشطة والمبادرات الثقافية والرياضية والفنية.

وتاريخيا يسجل أن عيد الشباب، منذ إقراره في عهد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، ارتبط بقرارات وتظاهرات سياسية ورياضية واجتماعية كبرى، وبذلك فعيد الشباب، الذي يخلد ذكرى ميلاد جلالة الملك، هو من أبرز المناسبات والأعياد الوطنية التي يحتفي بها المغاربةكل سنة، وهي أعياد ومناسبات تتنوع في عمقها ودلالاتها الوطنية والسياسية والتاريخية، وكلها ترمز لمحطات تاريخية وكفاحات مجيدة، وهي أيضا تعبير حي عن عراقة وأصالة المغرب وعطاء الأمة المغربية الثقافي والحضاري عبر العصور. ومن المحطات والتحولات الحديثة التي تؤرخ لأصالة الدولة والأمة المغربية هي محطة التحول الذي عرفه المغرب، وهو على أبواب الألفية الثالثة، حين كانت أنظار الجهات الدولية والجهوية والإقليمية تتجه نحو المغرب بأسئلتها وتساؤلاتها وترقباتها عما سيسفر عنه حدث انتقالالعرش المغربي إلى ملك جديد .. ملك شاب .. الملك محمد السادس.

وفي ظرف وجيز جاء الجواب والخبر اليقين عن كل التساؤلات والترقبات، عملية الانتقال وتجديد البيعة كانت سلسة وحضارية وبإجماع نخب الأمة، ووفق الأعراف والتقاليد الوطنية، والمساطر الدستورية. وما هي إلا شهور معدودة حتى بدأت بشائر قيادة جلالة الملك الشاب تبهر المتتبعين بما حملته من مبادرات وقرارات ومفاهيم جديدة، في مجال التنمية البشرية، والوضعية الحقوقية، والنهوض بدور وسائل الإعلام ودعم الصحافة، وإنصاف الأمازيغية، ومواجهة ظاهرة الإرهاب،ووضع حد لاقتصاد الريع، وإصلاح القضاء، ومحاربة الفساد، وإقرار المفهوم الجديد للسلطة، الخ .. فكان نجاح الانتقال وسلاسته بمثابة مقدمة لمرحلة أخرى عنوانها القدرة على التصدي لاستحقاقات وانتظارات الظرفية الجديدة المحاطة بجملة من الاستفهامات والتطلعات، وبخطواته التقريرية الأولى أكد حينها الملك الشاب بأنه من طينة الشخصيات القيادية القادرة على وضعبصماتها المميزة على مسار وصفحات رهانات الألفية الثالثة. والاحتفاء بعيد الشباب اليوم، وككل سنة، يعني، من جملة ما يعنيه، استحضار مجموعة من الفعاليات والنجاحات التي راكمتها الطاقات الشبابية في مختلف الميادين الثقافية والرياضية، وفي مجالات الابتكار والانخراط في عالم التكنولوجيات الحديثة، وهو ما تستعرضه، أيضا،الجهات المختصة، والأجهزة الإعلامية، والفعاليات الجمعوية.

وبخصوص موضوع الشباب دائما، وأن عيد الشباب يقترن بعيد ميلاد جلالة الملك، فلابد من الملاحظة بأن الاهتمام الملكي بفئة الشباب لا تقتصر على مناسبة هذا العيد، لأن موضوع الشباب والعناية الملكية به يندرج ضمن القضايا الأساسية، إن لم نقل المصيرية، التي تهم بشكلحاسم مستقبل البلاد ومصيرها. وهذا ما نلمسه في عدة خطب ملكية، ومنها خطاب افتتاح الدورة البرلمانية المنتهية، حيث خصص فقرة مطولة للموضوع، مما جاء فيها: «وقد أكدنا أكثر من مرة، ولاسيما في خطاب 20 غشت 2012، بأن الشباب هو ثروتنا الحقيقية ويجب اعتباره كمحرك للتنمية وليس كعائقأمامها… ورغم المجهودات المبذولة فإن وضعية شبابنا لا ترضينا ولا ترضيهم، فالعديد منهم يعانون من الإقصاء والبطالة ومن عدم استكمال دراستهم وأحيانا حتى من الولوج للخدمات الاجتماعية الأساسية… واعتبارا للارتباط الوثيق بين قضايا الشباب وإشكالية النمو والاستثماروالتشغيل، فإن معالجة أوضاعهم تحتاج إلى ابتكار مبادرات ومشاريع ملموسة تحرر طاقاتهم وتوفر لهم الشغل والدخل القار وتضمن لهم الاستقرار وتمكنهم من المساهمة البناءة في تنمية الوطن…».

بهذه النظرة الاستراتيجية الثاقبة تناول جلالة الملك موضوع وضعية الشباب ومكانته وحضوره في عملية تطور المجتمع. وبعد مدة لا تتجاوز أربعة أشهر، يعود جلالته للموضوع، في رسالته إلى اجتماع المنتدى البرلماني الدولي الثالث (بمقر مجلس المستشارين) ، حيث يلح على«كافة الفاعلين الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات المجتمعية التي يعرفها المغرب، وذلك عبر وضع مسألة الشباب في صلب النموذج التنموي المنشود، والتفكير في أنجع السبل من أجل النهوض بأحوال الشباب، باعتبارهم الرأسمال الحقيقي للمغرب وثروته التي لا تنضب».

وبنفس النظرة والأهمية تناول جلالة الملك الرصيد الديمغرافي الذي يشكله الشباب على الصعيد الإفريقي أيضا، حيث ألح مرارا على أن مستقبل إفريقيا يبقى رهينا بشبابها، مشيرا إلى أن انتهاج سياسة إرادية موجهة نحو الشباب من شأنه تركيز الطاقات على التنمية، إذ أن 600مليون إفريقي وإفريقية هم من الشباب، مما يتيح للقارة الاستفادة من يد عاملة شابة ومتعلمة. والعناية الملكية بالشباب وبقضاياه تعطي للاحتفال بعيد الشباب طابعه الخاص والمتميز كمحطة للاحتفاء بشباب الأمة وعطاءاته وإبداعاته، كما يشكل هذا العيد فرصة لتثمين أدوار شاباتنا وشبابنا وما يختزنونه من حيوية وقدرات وطاقات خلاقة في مختلف المجالات. المناسبة تعني أيضا أن تثمين هذا الرأسمال البشري يحتم على الجميع التعامل معه بروح عالية من المسؤولية كأمانة ينبغي أن تحاط بكل ما تستوجبه من اهتمام وتقدير، ومن حسن التدبير حتى تعطي قيمتها المضافة كجسر للعبور نحو المستقبل الأكثر تقدما ورخاء. وهذا ما يحيلعلى العمل والجهد اللازم بذله لربح رهان تأهيل وتعبئة طاقاته وكفاءاته .. الأمر واضح : الحاجة إلى توفير متطلبات تأطير الشباب عبر سياسة إرادية مندمجة، وتفعيل وتطوير الآليات التي تعنى بإشكالات وتطلعات الشباب ذكورا وإناثا، وتعبئة الاستثمارات اللازمة والمستدامة فيمجالات التعليم والتأهيل والتكوين المهني، وفي ميادين الشغل والعناية الصحية، وبالعودة إلى خطاب عيد العرش الأخير، يمكن اختصار الموضوع في تفعيل المبادرات المستعجلة التي جاءت في الخطاب الملكي.

وسيلاحظ الجميع أن الخطاب وضع ما يخص الشباب والطلبة والتلاميذ في مقدمة التدابير الاجتماعية المرحلية، التي دعا الحكومة إلى الانكباب عليها، وهي: «إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج(تيسير) للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين».

ولا تنحصر العناية الملكية بالشباب في مجالات الدراسة والتكوين، إذ في نفس خطاب العرش يدعو جلالة الملك إلى (إقحام) الشباب في العمل السياسي، لما دعا الأحزاب السياسية إلى «استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفونمشاكل ومتطلبات اليوم «. وهذه الدعوة تروم، ولاشك، إلى جعل الشباب عنصرا فاعلا ومؤثرا في المجتمع، وفي نفس الآن توسيع وتعزيز وتطوير الفعل الحزبي كدعامة اساسية للبناء الديمقراطي وللممارسة السياسية الفاعلة. هكذا، وإذا كان عيد الشباب محطة متميزة لاستحضار أهمية إدماج الشباب وفتح مجال تحمل المسؤولية أمامه، فهو بذلك عيد أيضا لكل المغاربة والمغربيات.. وإليهم جميعا تهانينا وأجمل متمنياتنا بالمزيد من النجاحات على طريق خدمة الوطن وإرضاء المواطن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قضية بوعشرين هذه وجهات نظر دفاع المشتكيات.. والضحايا يعتزمن مقاضاة وسيطة من المصرحات

رسالة 24 – حميد الكمالي ...