الرئيسية / رأي / قــانون المالية ليـس مجـرد أرقام

قــانون المالية ليـس مجـرد أرقام

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس //

مع نهاية هذا الأسبوع تنتهي المدة التي حددها السيد سعد الدين العثماني لأعضاء حكومته، من أجل إعداد مقترحاتهم المتعلقة بمشروع قانون المالية للسنة المقبلة، وتقديمها إلى مديرية الميزانية لوزارة الاقتصاد والمالية. وهذا بعد أن سبق لرئيس الحكومة أن وجه للوزراء وكتاب الدولة نص الرسالة التي تحدد الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية.
وإلى جانب محطات مناقشة مشروع قانون المالية، المنتظرة ابتداء من الأسبوع المقبل، هناك أيضا مجموعة من المواعيد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، المنتظرة خلال الأيام والأسابيع المقبلة، التي تعد بمثابة عناوين لانتهاء (موسم) العطلة وبداية الدخول الجديد، علما أن أجندة العمل الحكومي قد قلصت من فترة العطل المعتادة، والمهم الآن هو أن (كلمة السر) على كل المستويات، هي: (إلى العمل).
وإن كان مشروع القانون المالي، أو ميزانية الدولة، يعد الوثيقة التي تحظى بالنصيب الأوفر من القراءات والمناقشات التقنية والسياسية والقطاعية، والتي تجتاز مسار المصادقة من الجهاز المكلف والمجلس الحكومي إلى المجلس الوزاري وإلى البرلمان (بغرفتيه).. إن كان كذلك فقانون المالية المطروح للنقاش، برسم سنة 2019، يكاد يكون له طابع خاص من حيث مضمونه وليس من حيث القنوات والمساطر الدستورية لإقراره والمصادقة عليه.
فكما ذهبت كل الترقبات إلى ذلك، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن وثيقة مشروع قانون المالية، كما قدمتها الرسالة التأطيرية التي وقعها رئيس الحكومة، تتناغم كل التناغم مع الأولويات التي جاءت في خطاب العرش، سواء منها ما تعلق بالشأن الاجتماعي أو بالاقتصاد وتحفيز الاستثمار، وبدون شك فإن مثل هذا التناسق والالتقائية إنما يبعث على الإيمان والثقة بتقدم ونجاح البرامج والأوراش والأهداف التي رسمها المغرب لحاضره ومستقبله.
وبخصوص موضوع قانون المالية دائما، وقبل تناول مضمونه، يمكن القول إن من حق المغاربة الرهان على أن تكون أجواء مناقشة هذا المشروع إيجابية، وأن تمكن من الحوار المثمر بين مختلف الفاعلين، وأن يكون دافع هذا التفاعل وغايته هي خدمة المصلحة العليا للوطن والنجاح في بلورة الأهداف المحددة.
إلى جانب ذلك، لابد من الإشارة إلى أن قانون المالية ليس مجرد أرقام أو رصد اعتمادات لهذا القطاع أو ذاك، فهو قبل شيء برنامج لتوجه سياسي واجتماعي، ومن المهم صياغة مشروع قانون المالية بنفس اجتماعي ينشد تلبية حاجيات المواطنين الاجتماعية، لأن تلبية هذه الحاجيات كما قال جلالة الملك في خطابه الأخير ليس امتيازا، بل حق لكل مواطن.
وبالإضافة إلى متطلبات الوفاء بالحاجيات الاجتماعية، فإن وضع ميزانية في مستوى الأهداف الطموحة يتطلب مجهودات كبيرة على أكثر من مستوى، بما في ذلك مواجهة مجموعة من الإكراهات والتحديات الخارجية والداخلية، كاحتمال ارتفاع أسعار النفط، والتعامل مع الموارد الجبائية، ومبادرات تحفيز الاستثمار الخاص، وتعزيز القدرة التنافسية للمقاولة الوطنية، والإكراهات التي تواجه المالية العمومية، الخ ..
وكل هذه الإكراهات والإشكاليات ليست بالبسيطة، ولذلك انطلق البحث والتحضير، للهندسة التأطيرية للقانون المالي، منذ أواخر شهر يوليوز الماضي، باجتماع لهيئة أحزاب الأغلبية، تم خلاله تقديم حصيلة تنفيذ قانون المالية للسنة الجارية والخطوط العريضة لميزانية السنة المقبلة، ومناقشة الموضوع وتوجهاته العامة.
والآن، وبعد الاطلاع على مضامين الرسالة التأطيرية التي وجهها رئيس الحكومة إلى أعضاء حكومته، وبالإضافة إلى الإكراهات المشار إليها.. يتبين أن المشروع له ميزة أخرى، وتتمثل في ارتباط أو ترابط مجموعة من مؤشراته الرقمية ببلورة بعض الإصلاحات المندرجة ضمن الأوراش المفتوحة، سواء في مجال تنزيل الجهوية المتقدمة، أو ما يهم تحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية المقاولة الوطنية، أو تصحيح أداء آليات الدعم الاجتماعي، وعلى سبيل المثل نشير هنا إلى:
* أن وضع ميثاق جديد للاستثمار بكل أهميته، وبالإضافة إلى موضوع التحفيزات الممكن تقديمها للمستثمرين، هناك ما يتعلق بدور ومسؤولية الإدارة، وبإنجاز الإصلاح الكامل للمراكز الجهوية للاستثمار، كما أن التوازن بين الجهات في حجم الاستثمارات يقتضي أيضا القيام بالتدابير التي تمكن من إبراز الفرص المتاحة في الجهات ومن تعبئة الطاقات والنخب المحلية…
* أن التراجع المسجل مؤخرا في الاستثمارات الأجنبية يؤكد ملحاحية اتخاذ إجراءات جريئة من أجل استثمار نعمة الاستقرار والمصداقية التي يتميز بها المغرب، والقيام بمبادرات عملية لتشجيع وتعزيز مناخ الثقة أمام المستثمرين ومختلف المقاولين، ومواصلة المجهود الجبائي ومعالجة إشكاليات الديون…
* أن وثيقة الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية، تقترح إحداث 15 ألف منصب مالي، لكن تحقيق النتائج المنشودة يبقى مرهونا بالإصلاحات الأخرى التي تنتظرها منظومة التربية والتكوين والسياسة التعليمية ككل.
* من المرتقب حسب الوثيقة أن يتم ضخ حصة من مداخيل الضريبة على الشركات والضريبة على الدخل إلى الجهات، لكن من الواضح أن تنزيل الجهوية المتقدمة، بشكل فعلي وفعال، يتطلب اليوم تجاوز حالة (التردد) الملحوظة، والعمل، وفق أحكام الدستور، على تجسيد مؤسسات الجهة على أرض الواقع وبإشراك ومشاركة الفعاليات المحلية.
وإلى هذه القضايا تنضاف المهام الواردة في بلاغ الديوان الملكي، كما صادق عليها المجلس الوزاري الأخير، والتي تدعو إلى “تكريس قواعد الحكامة الجيدة في قيادة مسلسل اللا تمركز الإداري، من خلال وضع مخططات مرجعية في مجال تحديد الاختصاصات والوسائل التي سيتم نقلها للمصالح اللا ممركزة للقطاعات الوزارية، والالتزامات المترتبة عن ذلك، وكذا وضع آليات لقيادة وتنسيق ومتابعة وتقييم تطبيق هذا الورش الهيكلي”.
من هنا نلمس بأن رهانات تحضير قانون المالية للسنة القادمة، لا تقف فقط عند هواجس الموارد المالية وتوفير الاعتمادات المطلوبة لكل القطاعات، أو فقط عند إكراهات الظرفية الاقتصادية، وإنما تتقاطع أيضا مع الرهانات الأخرى التي تمتد نحو الإطار العام للأوراش الإصلاحية والتنموية، وكون الحكومة مطالبة بإحالة المشروع على البرلمان داخل الآجال القانونية (أي قبل 20 أكتوبر)، فإن الأنظار ستتوجه كذلك نحو المحطة البرلمانية حيث من الفروض، في هذه الأخيرة، أن تكون شديدة الحرص على القيام بدورها كاملا في مناقشة وإغناء مضامين المشروع، وذلك في أجواء من الصراحة والموضوعية وبمحدداتها القائمة على وضع مصلحة المواطن فوق كل الاعتبارات.
وبالطبع، فإن مناقشة ميزانية الدولة، كغيرها من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، ليست من احتكار الحكومة ولا البرلمان، فعلاوة على السلطة التشريعية والتنفيذية، وفي زمن الديمقراطية التشاركية، فالنقاش العمومي والمنتديات واللقاءات التي تنظمها الأحزاب السياسية والفعاليات والهيئات الأخرى، هي تعبير عن حيوية المجتمع، وعن أهمية الوعي بروح المواطنة والمشاركة الإيجابية.
كيف لا وأن موضوع قانون المالية مطروح اليوم في ظرف خاص، وفي سياق لا مناص معه من تعبئة واعية لكل طاقات وكفاءات البلاد، سياق البرامج التنموية ورفع التحديات الكبرى، سياق يحتم العمل .. ثم العمل والتنفيذ والإنجاز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مليلية المحتلة.. حقوقيون يستنكرون إحياء ذكرى احتلال المدينة

رسالة24 – رشيد عبود // ...