الرئيسية / رأي / الحكامة الجيدة لإنجاح أوراش التنمية

الحكامة الجيدة لإنجاح أوراش التنمية

بقلم: الاستاذ عبدالله الفردوس //

يبــدو أن التقارير الدورية التي ينشــرها المجلس الأعـلى للحسـابات ماتزال تثيــر مجموعـة مـن الأسئلــة، ســواء من حيث وقــع هـذه التقارير ومآلها، أو مـن حيــث عـدد المهام الرقابيــة، أو من جانب واقــع تدبيـر بعــض المؤسسات العموميــة التي شملتها التقارير المنجـزة، وكـذا الأثــر السياسي لعمل ودور المجلـــس وتقــاطعه مــع مســار الإصــلاحات التي تشهــدها البـلاد.
هـذه الأسئلة أو التساؤلات لا تلغي بتاتا جـوانب أخرى عــديدة وذات أهميـــة كبـرى بالنسبة لمراقبـة تدبير وتسييـر المؤسسات العمــومية عن طريق الافتحاص والزيارات الميــدانية وتقييـم بــرامجهــا، وبالنسبة لتحصين المرفق العام والماليــة العموميــة من كل ما يمكن أن يحصـل من تقصير واختـلالات وخـروقات، وهـذا ما تظهره مضاميـن التقرير الجـديد، الذي نقلـته وسائل الإعـلام بــداية الأسبوع المـاضي.
فمن خلال بعض الأرقــام فقط نلمس مجموعة من الخـلاصات الجزئية، حيث يشير التقرير إلى أن المجلس الأعلى للحسابات أنجــز 32 مهمة رقابيــة، فيما قامت المجالس الجهـوية بإنجاز ما مجموعـه 128 مهمة رقابيــة، عـلاوة على إصدار 2089 حكما نهــائيا في مادة التدقيق والبت في الحسـابات، و155 في ميـدان التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون الماليـة. وبرغم أن محدوديـة المعلومات المتوفرة وعــدم الإحاطـة بكامل عناصر الموضوع، لا يسمحـان بإعطاء آراء تقييميــة في الموضــوع، فلابد مـن ملاحظة أن الحــالات التي أحالها المجلس على وزير العـدل (أي التي تستوجب عقوبات جنائيـة) لا تتجاوز أربــع حـالات.
ومحــدودية هــذه الحالات (أربعة فقط) فيـه ما يفيــد بأن طبيعــة الاختلالات والخروقات المسجلــة على مستوى المؤسسات التي تمت مراقبتهــا تتعــلق في المجمل إما بالتقصير وســوء التسييـر، أو بسلوكات أخرى من هــذا القبيــل، هـذا فيما أن الانطباع العام المكــرس لـدى العموم يميل إلى اعتبار تقارير هـذا المجلس وكأنها تتعلــق دائما بجـرائم الاختـلاسات والتــلاعب بالمال العام واستغــلال المنصب والتطاول على حقـــوق الآخريـن.
وربما أن ترسخ هــذا الانطباع يعــود إلى عــدم توفق الحكـومات السابقة في معاركها ضد الرشوة ومحاربــة معضلة الفســاد التي لا تنحصــر في الإدارة والمؤسسات العمـومية، علما بأن عــدة تقارير محلية وأجنبيـة تحـدثت، بدايــة السنة الماضية، عــن كون الفــساد (المتمثل في الرشـوة واستغـلال النفــوذ والإثراء غير المشروع والاختـلاس والوساطة والابتـزاز …)، هـذا الفــساد يكلف المغرب ما يزيد عن 2 بالمائـة من الناتـج الداخلي الإجمالي.
كما أن (الخطة الإستراتيجية الوطنية لمحاربـة الفساد 2015 ـ 2025) لا يبــدو أنهــا أعطت نتائج ملموسة على أرض الواقع أو أنها حققت ما ينبغي تحقيــقه من خطوات، بـل إن هناك الآن تســاؤلات حـول ما إن كــان الانشغـال بـها قــد تراجــع أمام أسبقيـات وأولويات أخـــرى.
وكيفما كان الحــال، ومع قـابلية عمــل كل المؤسسات العمومية للتقيــيم والتثميــن، فإن المجلس الأعلى للحسابات يبقــى مؤسسة وطنيـة دستوريــة، ضمن المؤسسات الدستوريـة الأخــرى، وكأعلى هيئــة رقابيــة للماليـة العموميـــة، ولا ننسـى أن هـذا المجلس هو واحــد مـن مؤسسات الحكــامة التي جــاء بها دستــور 2011 ، الذي ينص في الفصل 147 على أن المجلس ( يتولى ممارسة المراقبـة العليا على تنفيــذ قوانين الماليــة، ويتحـقق من سلامة العمليات المتعلقــة بمداخيــل ومصاريف الأجهـزة الخاضعة لمراقبتــه بمقتضى القانــون، ويقيم كيفيــة تدبيرها لشؤونها، ويتخـذ، عند الاقتــضاء، عقوبات عن كل إخــلال بالقواعـد الساريــة على العمليات المذكـورة).
وهذا معناه أن الأمر يتعلق بصرح مـؤسساتي يندرج ضمــن سياق الإصلاحات الهيـكلية الكبــرى التي دشنهـا المغرب في عهــده الجديد، والعبرة في وضــع مثــل هـذه المؤسسات تكمــن في تفعيلــها وفي القيــام بالأدوار المنوطـة بها. ولذلك، وفي إطار حرص جلالة الملك على التطبيــق الكامل لمقتضيات الدستور، وإعمال مبـدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ألح جلالتـه، في خطاب افتتاح الدورة البرلمانيـة، على مهمـة هـذا المجلس في التتبع والمراقبة، حيث قال جلالته:”كما نوجه المجلس الأعلـى للحسابات، للقيــام بمهامه في تتبــع وتقييـم المشاريع العمـومية، بمختلف جهـات المملكـة” .
وبالفعل، وبالإضافة إلى الحالات (4) المحالة على وزير العـدل، فإن التقــرير الأخير يتضمن ولأول مرة خلاصة أولية لتنفيـذ ميزانية 2016، وينبــه إلى أن رقم العجز الصادر عن وزارة الاقتصاد والمالية لا يتضمن كل الديون المستحقــة على الدولة خلال نفس السنة.
ويورد التقرير كذلك، أن النواب البرلمانيين للولاية الحالية قاموا جميعهم بإيداع التصريح بممتلكاتهم وبدون تأخر، بخلاف ما كان عليه الأمر في الولاية السابقة، كما حذر التقرير نفسه من تراجع إنتاجية بعض القطاعات وإلى الحاجـة لإعادة النظر في استراتيجياتها .
ومما سبق، يتبين أن الحرص على الانضباط للدستور، وللجدية والصرامة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، لابــد أن يعطــي نتائجــه، على أن هــذه النتائــج يجب أن تظهر في تطـويق جميـع أشكـال الاختـلالات والانحـرافات، وليس فقط فـي تلك التي تستوجب المتابعــة الجنائيــة، إن وجـود مؤسسات الرقابــة والحكــامة الجيــدة يعنــي أن مغـرب اليوم مصــمم على تحصيــن نفســه وإداراتـه العمــومية، ومجتمعــه ككل، مـن جميع الأمـراض والسلوكــات المخـربـة للحيــاة العامــة وللاقتــصاد الوطـني.
صحيح أن المغرب عرف خلال الحقـب السابقة حالات متعــددة من التجـاوزات والتلاعبات المشينــة، بما فيها تلك التي حصلت على مستويات حكومية، وكان من شأن ذلك أن تضررت صورة البلاد وسمعتـها، مع حــالة الغضب والاستنكــار والاحتقــان التي تخلفهــا مثل هـذه السلوكات المنافية لأخلاقيات المسؤولية والمواطنـة، ولذلك ليس مــن باب الصدف أن خــصص دستور مغرب اليـوم حيـزا هاما من مواده ومقتضياته لموضوع الحكامــة، ومن التجــربة والممارســة مجموعة مـن الخلاصات، ومنـها تلــك التي تشيــر إلى ضــرورة:
* تفعيــل بقيــة مؤسسات الحكـامة المحــدثة والمنصوص عليها في دستور البلاد، ومنهـا مجلس المنافسـة المكلف بضمان الشفافية والإنصـاف في العلاقــات الاقتصاديــة، والهيئـة الوطنيــة للنزاهـة والوقاية مـن الرشـوة ومحاربتهــا.
* السهـر على تكامل وتنــاسق جهــود ومبادرات مختلــف الهيئــات المعنيــة بموضوع الحكـامة الجيـدة والتخليــق، ومن أجل ضمـان حسن سيــر المرفق العــام، وسيادة مبادئ ومعاييــر النزاهـة والشفافيــة وروح المســؤولية.
* أن يتصـف عمل هيئات الحكــامة نفسها، بكل المصداقية والجودة والنزاهة والتجــرد، مما يمكنها من أن تحظــى باحتـرام ودعـم المجتمع وثقتــه، لا أن يرى فيهـا البعض خصما.
* ترسيـخ قيـم الحــداثة والثقافــة النقــدية الإيجــابية المنطلقــة من الغيرة على المصلحـة الوطنيـة، والمنسجمـة مع مبـدأ تقــديم الحساب عـن مسؤوليات تـدبير المرافق العامة.
إن كــل هذه القيــم والمبادئ هي اليوم ضرورة ملحـة في حياتنا العامــة وفي تعاملنا مـع الشأن العـام، فالطموحات والانتظــارات التي يتطــلع إليها المواطن المغـربي لا يمكــن بلوغـها إلا عبــر الالتــزام بهــذه القيـم، وعبـر العمل الجــدي في نطــاق قواعـد الحكامة الجيدة والشفافيــة، وربط المسؤولية بالمحـاسبـة على كل الأصـعدة.
كما أن ضمان النجــاح للكثيــر من الأوراش والبرامج التنمـوية المفتوحة يتوقف على حسن التدبير والترشيـد، وهو ما يتطلب أيـضا توفر الاستعـداد والمقــدرة على تحـديث وتطوير أساليب وآليات تسيير وتـدبير المـرافق والمؤسسات العمــومية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قضية بوعشرين هذه وجهات نظر دفاع المشتكيات.. والضحايا يعتزمن مقاضاة وسيطة من المصرحات

رسالة 24 – حميد الكمالي ...