الرئيسية / رأي / تحـول القررات إلى فعل ملموس

تحـول القررات إلى فعل ملموس

بقلم : الأستاذ عبد الله الفردوس //

شهـد الأسبـوع الماضي مجمــوعة من الأحــداث المتصلــة بحضــور المغرب ومكانتـه المتميـزة في الفضـاءات الاقتصــادية وفي مجـالات التبــادل والتعــاون الدولي والإقليمــي، وصدر بلاغ مشترك عن اللقاء الذي جمع رئيس الحكومة بوفد الاتحاد العام لمقاولات المغرب، كمـا صدرت خــلال الأيام الأخيرة عـدة تقارير ومؤشــرات تخص الحالـة (الصحيـة) للاقتصــاد المغــربي وأفــق تطـوره وقــدرته على الصمود ومواجــهة مختلـف التحـديات.
هذا علما أن هنــاك العـديد مـن القضـايا والملفـات التي تتـزاحم بكـثافة في جـدولة العمـل الحكـومي، وبرامج المؤسسات العمومية الأخرى، في أفق الأيام والشهـور المقبلــة، فنحـن على أبواب الدخــول السياسي والاجتمــاعي، والبرلمان، كغيره من المؤسسات الدستورية، يستعـد للانكباب على ما ينتظره من عمل مكثــف في مجالي التشريع والمراقبة، وعلى واجهة الدبلوماسية البرلمانية والعلاقات الخارجيــة، أما الحكــومة فالمفروض أنها على وعي تام بما ينتظرهـا من عمــل جبار على كــل المستويات وفي العـديد من الميادين، ابتداء من الدخــول المدرسي والجامعي إلى الحوار الاجتماعي، ومن إعادة هيكـلة البرامج والسياسات الوطنية إلى التسريع بتصحيح بعض الاختــلالات الحاصلـة في المجـال الاجتماعــي، وإلى تنزيل الجهويـة المتقـدمة وغيرها مـن مقتضيات الوثيقة الدستوريـة، الخ…
ورغــم أهميــة كل هـذه القـضايا وكثـافتها، فإنها لا ينبغــي أن تغــطي على القضيــة الاقتصاديـة التي تشكـل عصب وعماد كـل بناء تنمــوي ونهوض اجتماعي، ويتذكر الجميــع أن موضوع الاستثمار والمقاولة الوطنيـة ودعــم القطاع الإنتاجي الوطني، كان مـن المهام الأساسية التي سطــرها وألح عليـها جلالة الملك في خطاب العرش.
وبهـذا الخصوص، ينبغي الانتبــاه إلى أن المؤشـرات الأخيرة، ومنها تلك الصادرة عن مكتب الصرف، تفيد بأن الاستثمارات الأجنبية المتـدفقة على المـغرب، خلال الأشهر السبعة الأولى مـن السنة الجاريــة، سجلت تراجـعا بنسبة 25،2 بالمائـة.
كما تفيد معطيــات المصدر ذاته، بأن مبادلات المغرب الخارجية، خلال الفترة نفسها، تميـزت بتفاقـم العجـز التجاري بنسبــة 8،2 بالمائــة، حيث بلغت 118 مليار درهم عند متـم يوليوز الماضي، مقـابل 109 ملايير درهم خلال الفترة نفسها مـن السنة الماضيـة.
ثم هناك عناصر أخرى، سجل بعضها مؤخرا من طرف فريق (الباطرونا) بمجلس المستشارين، ومنهـا بعض الاختلالات في اتفاقيات التبادل الحر، التي فتحت آفاقا واسعة أمام الاقتصاد الوطني ومقاولاته، إلا أن “آثارها ظلت محـدودة بالنسبـة لتنميـة وتنافسية المقاولات المغربيـة وبالنسبة للميزان التجاري”.
ملامسة مثل هــذه المعطيات، وغيرها مـن التقارير والدراسات المتتبعة للشأن الاقتصادي، أمر ضـروري للفاعلين ولكـل الجهات المسؤولة، لأن الموضوع يتـعـلق بمجال يستوجب من الجميـع اليقظــة الدائمة تجــاه كــل التطورات والاحتمالات. وهـذا لا يعني التشكيك أو التنقيــص مـن أهمية الخطوات والنجــاحـات التي حققها المغرب في بنــاء اقتصاد منفتــح ومتنوع، وفــي توسيع إشعاعه ومكانتــه على المستويين الدولي والجهـوي، وهو ما تشهــد بــه الأحداث والأنشطة المشار إليها أعلاه.
ولعل من أبــرز هـذه الأنشطة، التي سجلها الأسبوع الماضي، انعقــاد (منتدى التعـاون الصيني ـ الإفريقي) بمشاركة متميــزة للمغرب الذي عبـر، بالمناسبة ومرة أخرى، عن إيمانه بضرورة تقــوية الشراكات على أساس الربــح المشترك واحترام سيـادة الدول ووحــدتها الترابيــة.
كما كان من نتائج هـذا الحـدث أن عبر الرئيس الصيني عن التزام بلاده “بـدعم قضيـة الوحـدة الترابية للمغرب، سواء في إطار العلاقات الثنائيــة، أو على مستـوى المحافل الدولية”، مؤكــدا على أن “جمهورية الصين الشعبية ستقدم دعمها لمشروع (طنجـة – تيك ) الذي سيوفر 100 ألف فرصة عمـل، وذلك باستثمار يبلغ مليار دولار”.
وخارج الحــدث الصيني ـ المغربي ـ الإفريقي استقبل المغرب بأقاليمه الجنـوبية بعثـة البرلمان الأوروبي، في نطاق استكمــال إجراءات المصادقـة النهائية على تجـديد اتفاقيــة الصيد البحـري بين المغرب والاتحـاد الأوروبي، وهي الاتفاقية التي وقف الوفد الأوروبي على نتائجـها وفوائـدها الإيجابيـة لحياة ساكنـة المنطقـة، والتي ستعــزز الشراكـة الإستراتيجية بين المملكة المغربيـة ومجموعة الاتحاد الأوروبي.
وبتزامن مع الحــدثين، وعلى مستوى البحث والتفكير في قضايا التنمية والتعاون بين إفريقيا وأوروبا، عقدت مؤسسة (أورو ميدا) نـدوة فكرية بمقر البرلمان الأوروبي ببروكسيل، تم خـلالها إبراز دور المغرب ومساهمته في الارتقاء بالشراكة الأوروـ متوسطيـة، وكصلة وصل وتواصل بين الضفـة الجنوبيـة للمتوسط والفــضاء الأوروبي، كما تم التأكيد على ضرورة إطلاق دينامية جديدة للحوار بين الشمال والجنوب، ولاسيما في أفق المؤتمر الدولي حول الهجرة الذي سيحتضنه المغرب قـريبا.
هـذا، ومن جهة ثانيــة، وفي سياق استعراض هـذه النماذج من الأحداث والمعطيات الاقتصادية، قــد يبادر السؤال القائل… ولماذا الربط بين هـذه الحركية والأحداث الإيجابية وتلك التعثرات التي تخـص مجال الاستثمار والميزان التجاري أو مناخ الأعمال؟.
أما الجواب المباشر، فيتلخص في كون النظرة الشمولية والنقــدية مفروض أن تمتد نحــو كل العناصر الموضوعية والواقعية للصورة، سواء تعلق الأمر بالوضعية الاقتصادية أو غـيرها مـن المجـالات السياسية والاجتماعيـة، فالإيجابيـات والنجاحات لا ينبغي أن تغــطي على النقائص أو أن تدفع نحو الغرور و(الرضى عن النفس)، كما أن ما يمكن ملاحظته من تعثرات واختلالات لا ينبغي أن يحبط العـزائم…
ولا مـراء في أن الإنجــازات الهامة التي حققها المغرب والتحديات التي رفعها، خلال السنوات الأخيرة، تجعله اليوم مؤهلا أكثر، وفي موقع أقوى، لرفع تحــديات جديدة ولربــح رهانات أكبر وفي مستــوى التطورات التكنولوجيــة الحاصلة، وبما يتجـاوب وتطلعات المغاربة في الوصول إلى مكــانته المستحقــة ضمن البلدان الناهضة والأمم المتقــدمة.
طبـعا، المهام متعــددة، وضمن تلك التي تحتل المكانــة المركزية في جـدول الأعمال، توجـد مهام تخص الميدان الاقتصادي والأنشطة الإنتاجية، وقد جــاءت فــي خـطاب العرش بهـذا الترتيب:
* أولا، إصدار ميثاق اللا تمركز الإداري، داخل أجل لا يتعـدى نهايـة شهر أكتوبر المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين، اتخاذ القرارات، وتنفيــذ برامج التنمية الاقتصاديـة والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهـوية المتقـدمة.
* ثانيـا، الإسراع بإخراج الميثاق الجـديد للاستثمار، وبتفعيـل إصلاح المراكز الجهـوية للاستثمـار، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيـام بدورها… وتجميع كل اللجن المعنيـة بالاستثمار في لجنة جهـوية موحدة، وذلك لوضع حـد للعراقيل والتبريرات التي تدفـع بها بعض القطاعات الوزاريــة.
ويكفي الانتبــاه إلى السرعة والملحاحية التي تطرح بها هــذه الإصلاحات، للتيقن من الطابع الحاسم للانكباب على حاجيات تقويــة النسيج الاقتصادي على أسس التوازن والتكامــل بين القطاعين العام والخــاص، وجعــل العنصر البشــري في قلب العمــل التنمـوي.
وفي هـذا الاتجــاه، يبدو أن البلاغ الصادر عــن أول لقاء يجمع الحكومة بهيئة أرباب العمل، يستحق كل تثميــن في ما أسفر عنـه مـن “اتفاق الطرفين على آليات العمـل المشترك للدفع بالنمو الاقتصادي وتفعيل التدابير الكفيلــة بتعزيـز جو الثقــة لدى الفاعليـن الاقتصادييــن في البلاد”.
والمؤمل الآن هو أن يحرص الجميـع، كل من موقعـه، على تحــويل الأقوال والمقررات إلى فعـل وعمل ملموس، بــدءا بتنفيــذ وإنجـاز خطة الأولويات الواردة في خطاب العرش، وإلى مواصلة الجهـد والابتكــار من أجل تقوية المكاسب والعناصر الإيجابيـــة في بنيـة الاقتصاد المغربي، وما يستوجبه ذلك مــن:
* تصحيح الاختـلالات التي يشكو منها النموذج الاقتــصادي الحالـي.
* تعـزيز البنيات التحتية الضرورية لإطلاق دينامية اقتصادية جـديدة وفي مستوى الطموح المغربي.
* مــلاءمة أنظمة التربية والتكـــوين مع واقع وحاجيات ســوق الشغل.
* تحفيز الاستثمار ودعم المقاولة الوطنية، وبناء علاقات شراكة إيجابية بين مختلف القطاعات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مليلية المحتلة.. حقوقيون يستنكرون إحياء ذكرى احتلال المدينة

رسالة24 – رشيد عبود // ...