الرئيسية / رأي / الهجرة.. معضلة تستلزم حلولا سريعة

الهجرة.. معضلة تستلزم حلولا سريعة

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس //

قفــز موضوع الهجــرة، خلال الأيام الأخيرة، إلى واجهــة الأحداث، فتــركزت متابعــات وســائل الإعلام على تصريحــات وردود الفعــل الأوروبية، وعلى رسائلهــا الموجهــة إلى المغــرب وغيـره من البلـــدان الإفريقية، كما عكســت الصحافة المغربيــة اهتمــام الرأي العام الوطـني بعــودة شبكــات الاتجار بالهجرة السريــة والمهاجــرين إلى الـزيادة في حجـم نشاطــها، بما في ذلــك بعض الحـالات المؤلمة التي عرفتها الشواطئ المغربيــة، وكانت التقارير الأخيرة للأمم المتحــدة ومنظمــة العفو الدولية مـن العناصر التي ســـاهمت في شــد الانتــباه مجــددا لهذا المـوضوع.
وبطبيعــة الحال، فإن المغــرب والمغاربــة لهــم كــل الأسباب التي تجعلـــهم يتتبعـــون ملف الهجــرة ويهتمــون بتطــوراتــه، ليس فقط لكــون المغـرب كــان دائما بلــد هجــرة، أو لكــون بعض عائلاته عانت مـن مخاطر ومغامرات الهجرة السرية، ولكــن أيضا لعــدة أسبـــاب أخــرى (ليست كلها سلبيــة)، ومـنـها بالخصـــوص:
* أن المغرب لــم يعــد بلد عبــور، بل أصبح منذ بضع سنوات بلــد استقبال لجاليــة مهمة من البلـدان الإفريقية جنوب الصحراء، وتأسيـسا على مقاربتــه الإنسانية لمجال الهجـرة، وضع آلياتـه المـؤسساتية والقانــونية لاحترام حقــوق وكــرامة المهاجرين النظامييــن.
* أن المغرب، وفي إطار موقعـه الإقليمـي والدولي، يعــد طرفا رئيسيــا في الجهــود الدولية مـن أجل معالجــة إشكاليات وتعقيـــدات قضايا الهجــرة، كما أنه يعد من البلدان الرئيسيـة التي تتحمــل تداعيات أنشطة شبكات التهجير السري.
* أن المغرب، وفي شخص جلالة الملــك، الذي هو رائــد الاتحـاد الإفريقي فــي مـوضوع الهجــرة، يضطلــع الآن أساسيا، برسم السياسة الإفريقية للهجـــرة، وفي العمل من أجل دفع الأطراف الدولية الأخــرى إلى وضع تصور جديد لقضية الهجـرة.
إنــها ثلاثــة عناصــر، وطنية، قــارية ودولــية، تجعل المغرب في قلــب معادلات الهجــرة وإشكالياتـها، وبالتالي تتطلــب منــه مواصلة العــمل والجهــد مـن أجل التصــدي الفعلــي والفعـال لبعــض التطورات والتحــولات التي تضــع أكثر مـن علامـة استفهام أمام إمكــانيـة المعالجــة السليمــة والمستدامـة لظاهرة الهجـــرة، لاسيما وأن هــذه التطورات فيــها مـن المــؤشـرات ما يبعــث على القـلق والتخــوف.
ومن الأرقــام الدالة على هــذه المؤشرات، تلك التي تكشف عـنها تقارير منظمـة الهجــرة الدولية، التابعـة للأمم المتحـدة، والتي تقـــول بأن المغاربــة يأتون في مقــدمة المهاجرين السرييــن الذين وصلــوا بحـرا إلى الشواطئ الأوروبية بأزيد من 6 آلاف مهاجر سري، متبوعين بالغينييـن 4800، والمالييـن 4150، كما يفيد تصريح الناطق الرسمي باسم الحكــومـة، عقب اجتماع مجلسهـا الأسبوع الماضي، أن عــدد العمليات التي تــم إحباطــها ارتفــع، خلال سنة، من 39 ألفا إلى 54 ألفا فــي حدود الشهر الجاري، فيما أن عمليات شبكــات التهجير السري تواصل ضغطــها وتدفقــاتها على المغــرب، ممـا اضطر معه هـذا الأخير إلى اتخــاذ بعض الإجراءات التي تحــدثت عنـها الصحافـة، وتتعلق بترحيــل مجموعات من المهاجرين غير النظاميين (قدرت بـ 6500) من المناطق الشمالية إلى مدن وسط البلاد وجنوبها، وهو إجراء يبدو أن الهدف منــه هو تخفيف الضغط عــلى مدن وقرى الشمال المغربي، ولا يستبعــد أن تستغلــه بعض الجهات في حملاتها ضد المغرب.
ومـن ضغط قوافــل الجنوب إلى مناشــدات آتية من بلــدان الشمال، حيث خــلصت أشغال المجلس الأوروبي إلى طلب (يـــد العون) مـن المجموعة الإفريقية مــن أجل تجــاوز ما اعتبره (أزمة الهجـــرة)، وتزامنت المناشــدة الصادرة عــن المجلس الأوروبي مـع الدعــوة التي أطلقها وزير الداخليــة الفرنسـي والتي دعـا فيــها إلى تقــديم مساعدات لكل مـن المغرب والجـزائر بالنظر إلى كونهما بلــدي عبور، معتبــرا أن البلديــن مستــعدان للتعاون في هذا المجال، غير أن تأمين الحـدود مسألة معقــدة وتتطلب مساعدتهـما.
ولا يمكــن لهذه الأصوات والتحركــات الأوروبية إلا أن تتقـــاطع مع استحضار دور المغرب على صعيـد القارة السمراء، باعتبار أن المغرب لم يتردد في مكاشفة الشركــاء الأوروبيين بخصوص كـل ما يهــم مشاكل الهجـرة، وما تتطلبــه من حــوار رصين وهادئ، والبحث عن تصور جــديد مشترك للمعالجـة الممكنــة، ولعــل كل الجهات المعنيــة تتذكـــر جيــدا ما جاء في خطاب جلالة الملك إلى القمة الخامسة للاتحاد الإفريقي ـ الاتحاد الأوروبي بأبيدجان (نهاية دجنبر 2017)، حيث أوضح أن “التضامن بين أوروبا وإفريقـيا ليس مفهوما فارغـا، ولا يعني وجــود علاقـة ترتكــز على العمل الخيــري الإنساني مـن جانب واحـد، فالتضامن المقصــود هنا يقـوم على المسؤوليــة المشتركـة، وترابـط المصـالح بين الطرفيـن على حــد ســواء”.
على مفهــوم المسؤولية المشتركــة هــذا، أظهـر المغرب، بمجرد عـودته إلى مؤسسات الاتحـاد الإفريقي، قــدرته على الدفاع عن المصالح الإفريقية وحمــاية حقــوق وكرامة المهاجرين الأفارقة، وذلــك مـن خلال مبادرات خلاقــة وحلول عمليـــة مشتركــة تعطـي للتعاون بيــن المجموعتيـن، الإفريقية والأوروبية، في مجــال الهجرة وغيره، مدلوله الحيــوي.
وفي هــذا الاتجــاه، ومن هــذا المنطلـق، كــان الخـطاب الملكــي صريـحا لما أضــاف قـــائلا : “مـن هذا المنطلــق، فالشراكــة بيــن الاتحـاد الأوروبي وإفريقيا مطـالبـة بالتطـور، والارتقــاء بـها إلى مستــوى ميثــاق مشترك. إن الأمــر يتطلب من القارتيــن الإفريقية والأوروبية العمـل سـويا، على مـواجهـة التحــديات المطروحـة، وذلـك من خــلال تطـوير تنافسيــة مشتركـة، وتوطيــن المقاولات المنتجــة بكــلا القارتيـن وضمـان حركيــة منظمــة، لتنقــل الأشخاص، وتعـزيز التــبادل الثقــافي المثمــر”.
وبمثل هـذه الاقتراحات وهذه الأفكار العملية والجـــدية، يعــطي المغرب بذلك كـل التفسيرات المقنعــة لموقفه الرافــض للتصــورات الجامـدة والمعالجــات الجــزئية، كما هو الشـأن لما تقترحـه بعض دول الاتحـاد الأوروبي من إقامة (مراكز الاستقبال) في بلدان العبــور، أو ما ذهب إليــه الرئيـس الأمريكي ترامـب الذي اقتــرح على إسبانيا، الأسبوع الماضي، بـناء جــدار في الصحــراء جنوب الدول المغاربيــة ( للحيلــولة دون تـدفق الهجــرة مـن بلدن جنوب الصحراء)، زيادة على أن الموقف الصارم والجــريء الذي عبر عنــه المغرب في أكثــر من محطة ومحفــل، هو برهان واضـح عـن ميل بــلادنا إلى احترام حقــوق الإنسان، والى اتبــاع المقاربة الإنسانية التي تضمن حقــوق وكــرامـة المهاجـــر.
وبطبيعــة الحال، فإن التزاماتـه وانشغالاتــه بالموضوع على المستوى الإفريقي، ومع الشــركاء فـي الاتحــاد الأوروبي، لا ينبغــي أن ينسى المغرب الاهتمــام بالمــوضوع على المستـوى الداخلـي، إذ أن الأجواء المسجلة خلال الأيام الأخيرة، وخاصة في بعض مناطق الشمال، تعيــد التأكيــد على أن ظـاهرة الهجــرة السـرية ماتزال تشــكل معضلة اجتماعيـــة، وهنــا كذلــك لا مجــال للحلـول الطوباويــة أو المعالجــات الوهميـــة، لاسيما وأن الواقع ينطــق بأرقام وحــالات ومعــطيات تضــع قضية الهجــرة وتكــوين وتشغيــل الشباب ضمن أولوية الأولويات.
لقــد لا حظ الجميع كيف كانت شجاعـة القراءة النقــدية لمجموعة من أوراشــه وبرامجــه التنمـوية والاجتماعيــة، وتبلورت هـذه الشجاعة بكل تجلياتــه في الخطب الملكيــة الأخيرة التي دعـت إلى المـراجعة الشاملة لبعض البرامـج، وسطرت في الوقــت نفسه المــهام اللازمـة للتغلب على الصعاب وتجــاوز الاخــتلالات.
هـذه المراجعات أسفرت عن تحــديد خارطة الطريق لتصحيح وتعـزيز المسار الإصلاحي، وتقــوية البناء الديمقـراطي والتنمية الاقتصادية والاجتماعيـــة، وتركزت بالخصوص على ما يهــم منظومة التربية والتكــوين، وإدماج الشباب وفتح أبواب الشغل أمامهم، وإطلاق المرحلة الثالــثة من المبادرة الوطنية للتنميــة البشرية، وإصدار ميثاق اللاتمركز الإداري، الخ …
وتحــديد هذه المهــام وانطــلاق الأشغال بها هو بـــداية الطريق لبلــورة تأثيـرها الإيجــابي على مجـمل القضـايا والمشاكل الاجتماعيــة، بما فيها بطالة الشباب ومعضلــة الهجــرة، والتحـدي الكبير الآن يتمثل في تسريع الخــطوات على هــذا الطريق بنفس القــوى وبالدقــة والحكــامة الجيــدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الخروج من النفق

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس ...