الرئيسية / رأي / الصحراء المغربية ومسؤولية المجتمع الدولي

الصحراء المغربية ومسؤولية المجتمع الدولي

بقلم : الأستاذ عبد الله الفردوس //

تعرف القضيــة الوطنيــة،هــذه الأيام، حركــية دبلوماسية واسعــة لا يمكــن إلا أن تحظــى باهتمام وتتبـــع الأوساط السياسيــة والإعــلامية، ســواء منها ما تعلـــق بمنـــاقشات الموضــوع داخل أروقــة الأمم المتحــدة، في الجمعية العامة وفي مجــلس الأمــن، أو ما تعلــق باللقــاءات والمباحثــات الهامة التي أجــراها الوفــد المغربي مــع عــدد كبير مـن المسؤولين والوفود مـن مختلف القارات، بما فــي ذلك الاستقبــال الذي خـص بــه الرئيس الأمريكي، دونالـد ترامـب، وزير الشؤون الخـــارجية والتعاون الدولي ناصر بوريطة.

كما لوحــظ أن الحضور المغربي في انـــطلاقة أشغال الدورة الـ73 للجمعيـة العامة للأمم المتحـدة كـان بوفــد كبيــر تـرأســه، بتكليــف من جـلالة الملـك، السيد رئيس الحكــومة الذي ألقــى كلمــة المغرب في الدورة الحاليــة التي تتــواصل أشغالها بنيويورك.

وطبعا، فكلمة المغرب، بما اتصفت به مـن تركيز، فإنها اهتمـت أساسا بقضيــة الصحراء المغربيــة، حيث أعــادت التأكيــد على المــوقف المبــدئي والثــابت للمغـرب بخصوص هــذه القضيــة، منبهــة إلى الوضعية المأســاوية للمحتـجـزين في مخيمات تنـــدوف، ومناشــدة المجتمع الــدولي للانتباه إلى مخــاطر استمرار التعنت الجزائري وإصرارها على احتضان ودعــم الجماعــة الانفصاليــة وأنشطتها وتحـركاتهـا التخــريبيــة.

ومعروف أن ملــف النزاع المصطنـــع، وبرغـم مساعي وجــهود المنتظــم الأممـي، ظل جــامدا منــذ سنــوات، بل إن جماعة البوليساريــو لا تكــف عن التلويح، من حين إلى آخر، بالعــودة إلى لغــة الســلاح، على أن هــذا الجمود لا يعنــي، من الجانب المغربي، توقف العقــل السياسي الواقعــي، ولذلك، وفــي كل المحطات والظـروف كان للمغرب دائما دوره الفاعــل وموقفــه ورأيــه الوازن الذي يعبــر عنــه بكل اتـزان ومســؤولية وبعيــدا عـن أي تشنج أو أساليب التهــديد والمغالاة، ولكــن أيضا مع كـل ما يستلزمـه الموقف مــن جرأة وحــزم وصـــرامة.

وعلى هــذا النهج، كانت اللقــاءات التي أجراها الوفــد المغربي، داخل أروقــة الأمم المتحــدة، وعلى هامش أشغال الدورة الـ 73 للجمعيــة العامـة.. لقاءات مكثفـــة وهادفـــة، تفيـــد بأن المغـرب حاضر هناك في نيويورك، وأنه وكما فعل في الاتحــاد الإفريقــي لم ولــن يترك الساحــة (فارغة).

وأن يكون التواجــد المغربي مكثـــفا، فمعناه أن المغرب يحرص على محاورة المجتمع الدولــي وعلى تــزويده بالحقائق والمعطيــات الواقعيــة لما يسمى بـ”ملف الصحــراء”، وأيضا، لأن المـغرب لـديه ما يقــدمه للمنتــظم الدولـي من أجــل تجـاوز جمود عمليــة التسـوية والخروج مـن دائــرة المقاربــات العقيــــــمة.

إن مغـرب اليوم، يتقــدم للشركاء والأطراف الدوليــة والجهــوية كقطب يحمل لــواء الرؤيــة الاستراتيجيـة المندمجــة التي جعل منها جــلالة الملـك بمثابة البوصلة التي توجــه سياستـه الخــارجيـة، والتي جاء فـي كلمة المغرب، أمام الجمعية العامة، بشأنها أن جــلالة الملك حرص “على اقتراح تصــور إفريقي لحـل كـل إشكــالية تطــرح على مستـوى الأجندة الدوليــة، من أجــل المساهمـة فـي دعــم الجهــود الإفـريقية والدوليـــة لكســب رهانات السلــم والتنميــة والحكــامة الجيــدة”.

وسواء في مـداخلات الوفد المغــربي أو خلال اتصــالاته بوفود ومسؤولي البلدان المشاركــة في أشغال الجمعيــة العامــة، فإن المغرب لــم يدفــع في اتجــاه التصعيــد أو عرقلــة الجهود الأممية، بل بالعكــس أنه طالب بالتزام جميـــع الأطراف بالمرجعيــة التي اعتمـــدها مجلس الأمن الدولي للوصول إلى حــل سياسي متفــاوض بشــأنه ومقبــول من الجميـــع، داعيا المجتمع الدولي إلى حــث الجزائر على تحمــل مسؤوليتها السياسية والتاريخيــة، والتجــاوب مـع نداءات الأمين العام الأممي، والسماح للمفوضيــة الساميــة لشؤون اللاجئيــن بإحصاء ساكنة مخيــمات لحمـــادة.

وداخل الفضــاء الأممـي الآن، تتحــدث البعثات الإعـــلامية عـن تــداول مقترحات ومشـــاريع تخص البعثــة الأممــية (المينورسو)، وإمكانيــة استئناف المفاوضــات المباشرة لتســوية (نــزاع الصحراء) بين المغرب وجبهـة البوليساريو، وبهــذا الشــأن تبـــرز الملاحــظات التاليـــة:

* أولا، في ما يخص موضوع (المينورسو)، فالأمر مطروح من خلال ورقة المشروع المقــدم لمجلس الأمن، من لدن الولايات المتحـدة الأمريكيـة، في إطار مناقشة حصيلــة بعثـــة (المينورسو)، حيث يؤكــد المشروع على تسريع إنــهاء مــهمة هـذه البعثـــة أو إيجاد بــديل لاستمرارها على النحو الذي اعتبرتــه واشنطن غير مجـــدٍ، لاسيما بالنظر إلى تكلفتـــه المالية، حسب إدارة الرئيـس ترامــب.

وفي سياق ضرورة البحث عن الحلول، يجب أن لا تنحصر داخل دائرة المنظـور المالي، سيما أن بعثات حفـظ الأمن لا تقتصر على المنطقة، والمغرب نفســـه كان دائما، ولا يــزال، مشاركا وحاضرا في مثل هــذه البعثات، ثم لابد من الانتــباه إلى أن مهمة (المينورسو) جاءت كإجراء للسهر على احترام اتفاق وقف إطـلاق النار، وأن إنهاء هـذه المهمة ينطوي على مخاطر فتح المجال للمخططات الإرهابية المرحب بها من طرف جماعـة البوليساريـو، مما سيجعل المغرب، في كل الأحوال، مضطرا لحــماية أمنــه والدفاع عن وحــدته الترابية بكل الوسائـــل.

* ثانيا، وبخصوص إمكانية استئناف عمليــة إحيــاء مفاوضات التسوية السلميـة، فقد سبق للمبعوث الأممي، السيد كوهلـر، منذ بداية شهر غشت الماضي، أن كشف عن عزمه على توجيه الدعـوة إلى المغرب وجماعـة البوليساريو لإجراء جولة جـديدة من المفاوضات قبل نهايــة شهر أكتوبر الحالي، وفي نفس الآن كان الدبلوماسي البريطاني جوناثان، الذي تولى الرئاسة البريطانية لمجلس الأمــن، قــد أكد أن جميع الأعضاء الخمسة عشر ” شــددوا على أهمية التشاور مـع الجميـع” ، وربما أن اللقاءات التي أجراها المبعوث الأممي السيد كوهلـر، طوال الأسبوع الماضي بنيويورك، تكون آخـر محــاولة لجمــع الأطراف المعنيــة، لاسيما أن تقرير مجلس الأمن الصادر شهر أبريل الماضي، ركز على ضرورة (البحث عن حل سياسي واقعي وعملي ومستـدام)، كما أن التصريحات الصادرة عن الوفد المغربي، عـقب اللقاء مع كوهلر نهاية الأسبوع الماضي، تؤكد أن أرضية البحث عن الحل السياسي لا يمكن حصرها في المخططات السابقة، وأن المغرب تقــدم بمقترحات عملية وواقعيـــة تعــد الآن مــن (الثوابت المغربية).

وعمــوما، يمكن القــول إن التحــرك الدبلوماسي للمغرب، على هــذا المستوى، كان ضــروريا، وكانت لـه نتائجــه السياسيــة التي تمكـــن من تعــزيز الجهــود اللازمــة في هـذا الملف، وهــذا ما برز في الأجــواء التي جــرت فيها فعاليات هــذا التحرك وفي التصريحات التي أعقبتها، سيما مــع دول القوى العظمى أو تلك القريبة من الملف، ويمكن الإشارة هنا إلى الموقف الذي عبر عنــه رئيس الوزراء الإسباني، الذي قال إن بــلاده “تدافع عن الدور المركزي للأمم المتحـدة لحــل هذا النزاع “، وكذا تأكيد وزير خارجية موريتانيـا على أن هــذه الأخيــرة “تتابــع عن كثب قضية الصحراء وتدعم جهــود الأمم المتحـدة لإيجاد تسـوية ترضي الأطراف المعنية وتسهــم في ترسيـخ الاندماج والتكامل الاقتصادي لدول اتحاد المغرب العـربي”، وهناك أيضا حصيلة اللقاءات مع الإدارة الأمريكيـة التي جددت التأكيد عـلى أن المقترح المغربي، أي الحكم الذاتي، “جــدي وذو مصداقية وواقعي” .

على أنـه ينبغي الوعي بأن معركة الدفاع عــن القضية الوطنيــة ماتزال مستمـرة، وأمامهـا محطات وتحــديات أخــرى تستوجب مواصلة التعبئــة واليقظــة، ولا يغيب عــن البال أن المغرب، ومن خــلال خطاب جلالة الملك (في ذكرى المسيرة الخضراء السنة الماضية)، رفع تحـــدي إقناع المجتمع الدولي بضرورة إخراج (ملف الصحراء) من دائرة المقاربة المتجاوزة أو الانحراف بـــه… تحـدي اختيار مبادرة الحكـم الذاتي، ورفض أي حل خارج سيادة المغرب على صحرائه، واحترام مهمـة مجلس الأمن باعتباره الهيئــة الدولية الوحيــدة المكلفـة برعايــة مسار التســـوية.

وبــديهي أن التحــديات الوطنيــة من هــذا الحجــم، وبما لــها من أبعاد مصيريــة، لا تتــرك أي مجـال للتــردد، وبالعزم والعزيمة، وبالتفاؤل الواقعي والمسنود بالعمــل والتعبئة الموحـدة والمتواصلة، يكــون الانتصار مضمــونا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

البيضاء.. العثور على جثة رجل متحللة داخل منزل بحي مولاي رشيد

رسالة24- ابتسام اعبيبي // عثر ...