الرئيسية / رأي / أحداث معزولة أم ممنهجة؟

أحداث معزولة أم ممنهجة؟

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

أول أمس الإثنين قامت جماعة من الشبان بإهانة العلم الوطني بالدوس عليه وإحراقه أمام مقر البرلمان، وذلك خلال احتجاجات للتلاميذ على التوقيت المستمر، ناهيك عن التلفظ بعبارات شتم نابية وساقطة وخادشة للحياء العام ومخلة بالأخلاق، وقبل أسبوع من هذا الحدث قامت فئات محسوبة على الجماهير الرياضية المشجعة التي حضرت مباراة بملعب طنجة، وتميزت بأعمال شغب كان أقساها وأشدها استهجانا، إطلاق الصفير لحظة عزف النشيد الوطني، وتلقين المشجعين أناشيد وعبارات مسيئة للبلاد ورموزها، وفي المجمع الرياضي مولاي عبد الله بالرباط رفع مشجعون لافتة بمدرجات الملعب تحمل عبارات تهديدية بالقتل في حق المدرب امحمد فاخر، وظلت اللافتة معلقة ومحمولة طيلة المباراة التي جمعت فريقي الجيش الملكي واتحاد طنجة.

 وقد عرفت الأشهر الماضية في مختلف الفضاءات العمومية من ملاعب وساحات ومحطات، تسجيل مواقف غير وطنية وغير مسبوقة عبر فيها محتجون أو متظاهرون أو مجتمعون أو مشجعون أو ساخطون أو مندسون وسطهم عن مطالب استفزازية غامضة بإسقاط الجنسية أو رفع علم دولة أجنبية، كما وقع في ملعب تطاوين في شتنبر الماضي، وكما وقع في مدرجات ملعب أدرار بأكادير.

 وبتصاعد منسوب هذه الأحداث المؤسفة وارتفاع وتيرتها وتعمد تكرارها والزيادة فيها، ونشرها على أوسع نطاق في مواقع التواصل الاجتماعي، بما يشبه تطبيعا اجتماعيا وسياسيا معها، بات من الضروري والملح والمستعجل اتخاذ كل الإجراءات الممكنة التي يقتضيها الواجب الوطني ويفرضها القانون لحماية مشتركنا الذي يجمعنا ويحتضن اختلافاتنا، ويشكل هويتنا الموحدة، فأي تساهل أو تراخ في ترك الحبل على الغارب لمتآمرين مندسين وسط الجماهير لتحريف مطالبهم الحقوقية والاجتماعية واتخاذها مطية لتفكيك اللحمة الوطنية عبر إهانة رموزها، والتمهيد لتنزيل أجندات تتربص الدوائر بالبلاد والعباد، لا علاقة لها بمشروعية المطالب الاجتماعية وانتظارات الشباب، ما هو إلا إمداد لهذه النار المحرقة بحطب انتشارها في الأخضر واليابس، وتشجيع المتآمرين على مزيد استقطاب واستغلال الاحتقانات والتوترات إلى دائرتهم بما ينذر بعواقب وخيمة على رصيد المغرب من الاستقرار والأمن والحريات، الذي يبدو أن استهدافه بالتآكل من أطرافه، وبأيدي شبابه وسواعد أبنائه، قد اتضحت صورته في الاتجاه مباشرة إلى رموزه الوطنية ومقدساته، مع تخطي المطالب الاجتماعية المشروعة، والذهاب أبعد منها في التنكر للوطن ولمشروعه النهضوي والتنموي السائر في طريق الإرساء والبناء.

 من حق بعض مسؤولينا ومحللينا السياسيين أن يهونوا من هذه الظواهر، وأن يعتبروها أحداثا عابرة ومعزولة، أو تعبيرا عن غضب زاد عن حده، لكن ليس من حقهم ولا من حق أحد أن يقف موقف المتفرج أو المذهول من هذه الأحداث، وهو يرى آثارها المدمرة للأخلاق والقيم الوطنية وحكامتها الأمنية، خصوصا مع ارتفاع حدة نبرات الإهانة والدوس على المشترك في الوطن والعيش الآمن والمستقر.

إن جميع الدول الديموقراطية في العالم، التي تحترم نفسها وتسهر على تطبيق القانون، لا تسمح بتاتا وقطعا بالمساس بأدنى سلوك برموزها الوطنية التي تقرها دساتيرها وتوافقاتها وتعاقداتها المشتركة، وتضرب بيد من حديد المحاسبة القانونية كل من سولت له نفسه أن يهين علمها، أو يحتقر نشيدها الوطني أو يرفع شعارات مناهضة للحريات أو داعية للفوضى والإرهاب، أو قاذفة ومجدفة في حق الرموز الوطنية أو في الأشخاص مهما علوا أو سفلوا لا مكانة في الديموقراطية ومنظومة حقوق الإنسان وحريات التعبير للسباب والقذف والشتم والتخريب وطعن الوطن وغدره. وحينما نخلط بين الحقوق والحريات المكفولة والحق في التخريب والعدوان على الوطن، سنكون قد فتحنا باب الفوضى على مصراعيه لإيقاف النقاش الديموقراطي الوطني، وتفخيخ الفضاء العمومي، وتخريب كل مكتسباتنا في التعايش والتفاهم.

يلزمنا عقل عصفور لنصدق بأن ما يحدث من مظاهر الانحراف والانجرار إلى خطاب التيئيس والتسييس للرياضة والتوقيت المدرسي وغيرها، وإهانة المقدسات الوطنية، هي مجرد عمل فتيان وصبيان طائشين ومجرد حماقات شباب غاضب، ومجرد حالات معزولة وهامشية، والحال أنها إجرامية متصاعدة لا تخفى على عاقل أنها عمليات مدروسة ومؤطرة وممنهجة، يساق إليها شبابنا سوقا، في إطار استغلال قضاياهم والركوب على مطالبهم وتلغيمها ضد بلادهم.

 لابد للقانون أن يأخذ مجراه في معاقبة كل من قام باستغلال انفتاح بلادنا، والحريات المكفولة فيها وعلى رأسها الحق في التعبير، لإهانة العلم الوطني ورموزنا المشتركة، وتهديد سلمنا الاجتماعي وممارسة العنف اللفظي والمادي، الذي يرقى إلى درجة الإرهاب، وترتيب أقصى العقوبات على من ثبت في حقه قيامه بهذه الجرائم أو تحريضه على ارتكابها. فإن لم يُفَعَّل القانون في دولة الحق والقانون في مواجهة هذه الأعمال الخطيرة، وإحالة مرتكبيها على القضاء، فما فائدته وما قيمته المضافة في الحد من الجرائم والأعمال المخزية، والمساعدة على الضبط والتحكم في الخروقات والانحرافات والتطاولات؟.

ليس هذا وقت للبكاء على طيش شباب ضائع ضحية دعايات مغرضة، ولا وقت تبرير والتماس للأعذار، واعتبار الحالات المسجلة المتصاعدة وغير المسبوقة في إهانة العلم الوطني والاستخفاف بالنشيد الوطني وتبخيس المواطنة والوطنية ورموزها، مجرد حالات معزولة، بل زمن اليقظة والإدانة الشاملة لمقترفي هذه الجرائم المخزية، التي ترقى إلى تهديد أمن الوطن والمواطنين والتحريض على الإرهاب، ومواجهتها بصرامة قانونية وحزم أمني يقطعان دابرها ويكشفان أقنعة المتأبطين شرا من المبتزين والمتمترسين والواقفين وراءها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيديو.. حاجي: ما كاينش سبق البت في قضية حامي الدين ويجب متابعة من ينشرون المغالطات

رسالة 24 –