الرئيسية / رأي / الحكومة وحصار الأمازيغية

الحكومة وحصار الأمازيغية

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس //

بقدر ما أثار توسع المجتمع المدني المغربي في إبراز مظاهر الاحتفال بالسنة الأمازيغية، مشاعر الفرح والسعادة الغامرة لدى عموم المواطنين بانخراط المكون الأمازيغي للهوية الحضارية للمغرب في تعزيز اللحمة الوطنية بين أبنائه سواء بتبادل التهاني والأماني، وإحياء الحفلات والعادات والتقاليد المغربية العريقة والمتجذرة في الاحتفال بالموسم الفلاحي الذي يؤرخ لهذه السنة، أو الاعتزاز بالانتماء لهذه الأرض المعطاء، بقدر ما أثار مشاعر الاستياء من التدبير الحكومي اللامبالي والمتلكئ والسيئ لعدد من الاستحقاقات الوطنية الكبرى التي ارتبطت بالمسألة الأمازيغية، والموكل إلى الحكومة بموجب الدستور تفعيل الشق القانوني والمؤسستي لها.
لقد مضى أزيد من إثنتي عشرة سنة على الخطاب الملكي التاريخي بأجدير، وأزيد من سبع سنوات على ترسيم دستور 2011 للغة الأمازيغية، وتنصيصه على أن قانونا تنظيميا سيحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة “وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية”، ومضى أزيد من سنتين على الإعداد الحكومي السريع والمتعجل على أبواب إنهاء الولاية الحكومية السابقة، دون أن يحظى بما يلزم من مروره عبر مراحل الإعداد السليم والمشاورات اللازمة والمناقشة في البرلمان، قبل المصادقة عليه، ليمر إلى التنفيذ والتفعيل.
لقد استنفدت الحكومة السابقة فترة ولايتها دون أن يرى هذا القانون التنظيمي الحيوي النور، وها هي الحكومة الحالية قد أمضت نصف ولايتها ولا أثر يذكر عن مصير هذا القانون، بعد أن جرى تقديمه في يوليوز 2017 أمام لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، ليتيه في دواليب التدبير الارتجالي دون إتمام إجراءات مناقشته أو تعديله أو إغنائه أو المصادقة عليه. مع أن منطوق دستور المملكة ينص على أنه ” تُعرض مشاريع القوانين التنظيمية المنصوص عليها في هذا الدستور وجوبا قصد المصادقة عليها من قبل البرلمان، في أجل لا يتعدى مدة الولاية التشريعية الأولى التي تلي صدور الأمر بتنفيذ هذا الدستور”، لا علم لأحد عن أسباب هذا التأخير والتماطل، مع ما أضيف إليه من مستملحات الغموض والالتباس في التصريحات والتصريحات المضادة لمسؤولين حكوميين سابقين، بين من صرح بأن مشروع القانون تم إعداده وإحالته على آخر دورة برلمانية أي في “الوقت الميت”، ومن صرح بأن البرلمان أقفل أبوابه دون أن يتوصل رسميا من الحكومة بعدد من مشاريع القوانين المتأخرة، وبين من صرح أن مسودة القانون التنظيمي المذكور تم تهريبها ولم تناقش أصلا في أي مجلس حكومي سابق، وهكذا تضيع الحقيقة ومعها مصالح البلاد، ويستمر التماطل والتقاذف والعبث بموضوع وطني محسوم دستوريا، وهو على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية، في التعبئة الحقوقية والثقافية والاجتماعية والسياسية للنهوض بالإصلاحات الوطنية الكبرى.
لم تقدم الحكومة السابقة ولا الحكومة الحالية أي جواب تبريري مقنع عن هذه المخالفة الخطيرة لمنطوق الدستور في إلزامه وجوبا بتنزيل القوانين التنظيمية في وقتها المحدد بالولاية الحكومية التي تَلَت إقرار الدستور، بل المصادقة عليها في الولاية التشريعية الأولى؟؟
من حقنا، بعد كل هذا الانتظار والصمت غير المبررين، أن نعبر عن القلق وعدم الاطمئنان والرضى، والاستياء من تدبير الحكومة لملف تنزيل القانون التنظيمي للأمازيغية، ومن حق غيرنا أن يبدي شكوكا في النوايا الحكومية تجاه القضية الأمازيغية برمتها، كما من حقه أن يؤكد وجود مقاومة من داخل الحكومة لتنزيل هذا الالتزام الدستوري. ومهما كانت صورة الاستنكار والقلق، فإن التحاكم إلى المرجعية الدستورية، وليس إلى أية مرجعية إيديولوجية أخرى، يطوق أعناقنا بمسؤوليات إهدار كل هذا الوقت والفرص المتاحة والضائعة، التي تعيدنا إلى نقطة الصفر ونقطة ما قبل الدستور في جدل عقيم ومحسوم نهائيا، لصالح قضية الأمازيغية التي ليست قضية حزب أو طائفة، بل قضية وطن ودولة وشعب، ورصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء، وبدون أية مزايدة.
فماذا تنتظر الحكومة، بعد الحسم الدستوري، وبعد تبين الخلل والمخالفة للدستور، للعمل على تنزيل المقتضيات الترسيمية الخاصة بإضفاء الطابع القانوني والمؤسسي على الأمازيغية، والحال أنه ليس أمامها إلا خياران: القيام بهذا الأمر على الوجه الإيجابي والسليم والفوري الذي يعزز اللحمة الوطنية وينصف الأمازيغية ومعها هويتنا الثقافية والحضارية من هذا الغبن التاريخي، إنصافا غير قابل للتأخير أو التأجيل، وينتصر لدستور المملكة، أو استمرار العبث بمصير هذا الملف، وزيادة التوتر والاحتقان والضغط والتشكيك في النوايا والإرادات السياسية، مع ما يترتب عن ذلك من تسميم المناخ السياسي الوطني بافتعال مشاكل طائفية وإيديولوجية تعيد القضية الأمازيغية إلى مربع الممانعة والمزايدة، بعد التسوية الدستورية لها، ومراكمة مكتسبات حقوقية حولها.
إن أقل ما يطلب من الفاعل الحكومي هو أن يتواصل مع المواطنين في شأن مصير القانون التنظيمي للأمازيغية، وأن يزيل الغموض بشأن قناعاته حول هذا القانون، وأن يوضح أسباب التأخر وإخلاف مواعيد كثيرة في تنزيله وتفعيله، وأن ينأى بنفسه عن الحسابات السياسوية والإيديولوجية الضيقة في مقاربة قضية مصيرية ومشتركة للأمة، يفترض أن تكون القوانين المنظمة والممأسِسة لها هي وحدها التعبير الأسمى عن إرادة الأمة في النهوض بها وحمايتها وتنميتها وتطويرها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“G7” تربك حركة المغاربة بالحدود الإسبانية الفرنسية

رسالة 24 – رشيد عبود ...