الرئيسية / رأي / انتصار بطعم التحرير

انتصار بطعم التحرير

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

يبدو لأي متتبع غير ملم بضراوة الحرب المعلنة على المغرب من قبل اللوبي الجزائري والانفصالي، بخصوص النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، أن الارتياح الكبير الذي عبرت عنه الأوساط الديبلوماسية والسياسية والإعلامية المغربية بعد مصادقة البرلمان الأوروبي على الاتفاق الفلاحي واتفاق الصيد البحري مع المغرب، وبأغلبية واسعة وكاسحة، هو ارتياح من نجاح مفاوضات تجارية واقتصادية بين شريكين يعززان تعاونهما وتبادلهما للمصالح والمنافع المادية، كأي اتفاقيات تحصل بين الدول، وتتوج مسلسل مفاوضات تجارية وأخذ ورد بشأن العائدات المالية، وضمان الأرباح، وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعاملين في المجالات المشمولة بالاتفاقيات، وزيادة فرص التنمية. والحقيقة أن الارتياح المغربي الغامر بالمصادقة على الاتفاقيتين مع المجموعة الأوروبية، يتجاوز في عمقه وسياقه التاريخي والجيو- سياسي مجرد هذه المكتسبات التنموية الإيجابية والمطلوبة في بنود الاتفاقيتين، إلى مكتسب سياسي وسيادي للمغرب، لا يمكن لغير المغاربة أن يدرك حجمه وأثره في مستقبل ملف يواجه فيه المغرب خصوما أنفقوا أضعاف مضاعفة من أموالهم ومساعيهم وعتادهم العسكري وصداقاتهم القارية والدولية، وأحلام وكوابيس ومناورات تنوء بها الجبال في سبيل أن لا تنجح الاتفاقيتان المغربية الأوروبية، لأن هذا النجاح لا يعنيهم منه الشق الاقتصادي الذي يعود على المغرب بالنفع والفائدة، بقدر ما يعنيهم منه نجاح المغرب في الإقناع بفساد أطروحتهم الانفصالية، وتأكيد المجموعة الأوروبية بهاتين الاتفاقيتن على السيادة المغربية على مجموع التراب الوطني، ومجموع المياه الإقليمية الوطنية، بما في ذلك تراب الأقاليم الصحراوية الجنوبية ومياهها البحرية.
إن ما ألحقته الديبلوماسية المغربية في ملف اتفاقيتي الفلاحة والصيد البحري، من هزيمة بالأطروحة الانفصالية، على الساحة الأوروبية، بعد شمول الاتفاقيتين منتجات وخيرات الأقاليم الصحراوية الجنوبية، ليس بالأمر الهين، إذ لا توازي الهزيمة الجزائرية والانفصالية في هذه المعركة الديبلوماسية، إلا هزيمة فلولهما أمام القوات المسلحة الملكية في معارك الردع ورد العدوان وحماية التراب الوطني.
ولا بأس أن نذكر بأن الاتفاقيتين المذكورتين، قبل المصادقة النهائية عليهما، مرتا بمحطات كلها معارك وضغوط وتشويش وتوعد واستعداء وتجييش من قبل خصوم الوحدة الترابية للمملكة، استعملت فيها أبشع أسلحة الدعاية والتشهير، واستعين فيها بمنظمات المجتمع المدني الدولية وأحزاب سياسية ومؤسسات أوروبية، ولوبيات الدعم والضغط، من أجل استثناء الأقاليم الصحراوية المغربية من الاتفاقيتين، تارة باسم عدم تقرير مصيرها، وتارة باسم حقوق الإنسان في الصحراء، وتارة بالحفاظ على مواردها الطبيعية، وتارة بعدم الاعتراف بالسيادة المغربية عليها، الأمر الذي لا يسمح للمغرب بأن يدمجها في ترابه الذي يتفاوض على منتجاته، وتارة بوجود تمثيلية لساكنة الصحراء تتكون من قادة العصابة الانفصالية التي تزعم أنها وحدها التي لها شرعية التفاوض على الثروات والموارد الطبيعية للأقاليم الصحراوية.
كانت كل هذه الاعتراضات والاحتجاجات تتعاظم وتتقوى في كل المحطات والقنوات التي مر منها ـ خلال سنة 2018 ـ التفاوض المغربي الأوروبي، على الاتفاقيتين، بدءا من تبادل الرسائل مع المفوضية الأوروبية لإدماج الصحراء المغربية في التفاهمات والاتفاقات، وإرسال بعثات الاتحاد الأوروبي إلى الصحراء المغربية لفتح مشاورات واسعة مع ممثلي الساكنة ومنتخبيهم وشيوخ القبائل بهذه الأقاليم، وكذا مع هيئات مدنية وجمعوية، وتم إيفاد بعثات ولجان إلى الصحراء لزيارة مشاريع للتنمية في العيون والداخلة، وتبادلت “مجموعة المراقبة” بالاتحاد الأوروبي مع المنتخبين بالصحراء وجهات النظر، انتهت جميعها إلى تقرير أن ساكنة الإقليم تستفيد من عائدات وثمرات وثروات التنمية في الصحراء، بما فيها منتوجات الفلاحة والصيد البحري، فنزعت المفوضية الأوروبية بذلك أول شوكة الانفصاليين في دعواهم تمثيلية ساكنة الإقليم، ودعواهم إهدار ثروات الصحراء في غير ما يعود على أبناء الإقليم بفائدة. ثم انتقلت المفاوضات المغربية الأوروبية بعد ذلك، وفي سياق حرب ضروس أخرى قادتها الجزائر وجماعتها الانفصالية خارج أروقة مجلس الاتحاد الأوروبي، بقصف مكثف استبق الإعلان عن مناقشة الاتفاقيتين، وانتهى ذلك كله إلى تمسك الاتحاد الأوروبي بإبرام الاتفاقيتين مع شريك استراتيجي وذي مصداقية في التعبير عن مواقفه، والإقناع بشرعية سيادته.
وحين استجماع جميع المعطيات الموضوعية المتعلقة بالنزاع بشأن ضم الأقاليم الصحراوية إلى الاتفاقات التجارية والاقتصادية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، وسط الضغط الجزائري والانفصالي الشديد على البرلمان الأوروبي، والتهديد والوعيد من جبهات حقوقية وأحزاب ولوبيات معادية للوحدة الترابية للمغرب، لم يكن أمام البرلمان الأوروبي، وهو المحطة النهائية التقريرية بشأن الاتفاقيتين الفلاحية والبحرية، إلا أن يصادق في جلستين مشهودتين، وبشبه إجماع على اعتماد الاتفاقيتين، وإنهاء الجدل لصالح المغرب، ولصالح أبناء الأقاليم الصحراوية، ولصالح الشرعية الدولية المعززة لعدم اعتراف المجموعة الأوروبية بأي سيادة أخرى لغير المغرب على هذه الأقاليم، راسمة بذلك الحدود الجغرافية السيادية للمغرب من البوغاز إلى الصحراء.
وبمرور الاتفاقيتين إلى حيز التطبيق يكون المغرب، عبر ديبلوماسيته التي ناضلت ورابطت على هذا الثغر، الذي تسللت إليه الآلة الحربية الدعائية الجزائرية والانفصالية بكل ما أوتيت من قوة وترهيب وترغيب واستدرار للتعاطف الإنساني، قد حقق نصرا مؤزا، طوى مرحلة من الجدل المفتعل على ثروات الصحراء المغربية وسيادة المغرب على أرضه وبحره وجوه.
وإذ يتوجه المغرب اليوم إلى الأمين العام للمنتظم الأممي وأعضاء مجلس الأمن لإبلاغهم اعتماد البرلمان الأوروبي للاتفاقات الاقتصادية المبرمة مع المغرب والشاملة للصحراء المغربية، فلأن التصويت البرلماني الأوروبي الديموقراطي الإيجابي على وثيقة هذه الاتفاقات، هي أكبر من تصويت على اتفاق اقتصادي، إذ التصويت عليها تصويت سياسي على مغربية الصحراء وعلى السيادة المغربية عليها وغير القابلة لأي تفاوض أو تجزيء، وهذا ما يفسر النكسة الشديدة التي أصابت ديبلوماسية الجزائر والجماعة الانفصالية بعد ظهور نتائج التصويت.
إن انتصار المغرب في هذه المعركة الديبلوماسية الشرسة، انتصار للشرعية الدولية والقانونية، هو أشبه بالنصر في تحرير الأرض من المستعمر الغاصب، وعودة الصحراء إلى مغربها غير منقوصة ولا مقصية من الاتفاقات التي تشمل الأرض المغربية كلها ترابا وبحرا وجوا وساكنة وثروات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدار البيضاء.. شرطي يشهر السلاح لتوقيف شخص حاول تعريض عائلته لاعتداء خطير

اضطر مفتش شرطة ممتاز يعمل ...