الرئيسية / رأي / مِن موريتانيا إلى موسكو

مِن موريتانيا إلى موسكو

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

يستعد مجلس الأمن الدولي لإعلان قرار جديد بخصوص النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، في نهاية الشهر الجاري، وتجري مشاورات مكثفة بخصوص التوافقات بين الدول الراعية للسلام وأعضاء مجلس الأمن الدولي، من أجل التمديد من جديد لولاية أخرى للبعثة الأممية المدعوة اختصارا بالمينورسو، وذلك حتى تتاح الفرصة لاستئناف مفاوضات الحل السياسي في جنيف بين أطراف النزاع، برعاية من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، وبهدف التوصل إلى تسوية سياسية يأمل المنتظم الأممي أن تشكل إطارا واقعيا وعمليا وجديا لإنهاء نزاع طال أمده في ظل تعنت الطرف المعادي للوحدة الترابية للمملكة، ورفضه التقدم بمقترحات بديلة عن أطروحة الانفصال التي لم تعد تقنع أحدا بمشروعيتها ومصداقيتها. واستباقا لهذا الحدث في مسار قضية الوحدة الترابية للمملكة، في ارتباطه بالتسوية الأممية، شهدت الساحة الدولية تحركات للديبلوماسية المغربية من أجل التصدي للحملات الدعائية والاستعدائية للعصابة الانفصالية، التي فاجأتها كثير من المتغيرات الإقليمية والدولية الدافعة في اتجاه دعم حل ينزع فتيل الغلو والتطرف والتعنت الذي تُغرق فيه الصنيعة الجزائرية ملف الصحراء، وبات مؤكدا من المعطيات المتوفرة لدى الفاعلين الدوليين أن خيار الانفصال أقرب إلى الاستحالة منه إلى الحل القابل للتفاوض، وأن مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب خطوة كبيرة في اتجاه تحقيق رغبة صناع القرار الدولي في إنهاء هذا النزاع، لما يتمتع به من شرعية دولية ومن واقعية ومصداقية وجدية كما وصفه به أكثر من تقرير للمنتظم الأممي، وأكثر من تصريح لقادة دول المعمور، في إشارة إلى عدم التوفر على سقف أعلى منه في تحقيق الوساطة والتوازن والاعتدال في المطالب، ولم يؤثَر عن العصابة التي تخضع لإملاءات المؤسسة العسكرية الجزائرية، اقتراح متقدِّم يماثل الاقتراح المغربي، للخروج من ورطة النزاع المفتعل بأقل الخسائر الممكنة، التي تنهي عقودا من معاناة المحتجزين بمخيمات تيندوف، والتي تتفاعل مع الرغبة الأممية في تقدم المفاوضات خارج سياسة البحث عن الغالب والمغلوب.
لقد كان التصريح الأخير لرئيس الجمهورية الموريتانية، التي تعد طرفا في مائدة مفاوضات الحل السياسي التوافقي، صادما للعصابة الانفصالية رغم كل محاولاتها التقليل من أهميته، فمع أن التصريح لا يحمل جديدا بتقريره لواقع رفض الدول الغربية النافدة بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية خلق دولة تفصل بين الحدود المغربية والموريتانية، إلا أن سياقه الإقليمي والدولي المرتبط بالتحولات التي تشهدها المنطقة المغاربية، وتسارع وتيرة تطورات ملف الصحراء في المنتظم الإفريقي والأممي، يكشف عن وجود قناعة تتسع من يوم إلى آخر، تتمثل ليس في ما أشار إليه الرئيس الموريتاني من ضغط للغرب لمنع قيام دويلة على الحدود المغربية الموريتانية، بل بعدم شرعية الإنفصال في حد ذاته. ليس الغرب وحده من لم يقتنع بأطروحة الدويلة الوهم، في ظاهر تصريح الرئيس الموريتاني، بل إن موريتانيا نفسها التي ترتبط بمصالح قوية مع الغرب ومع المغرب بالذات، لا مصلحة لها في زرع كيان انفصالي لا يتوفر على مقومات الدولة ومقومات شرعية تمثيل الساكنة الصحراوية، وعلى المؤسسات الديمقراطية والتمثيلية لمطالب واقعية وتاريخية في الصحراء المغربية. لقد حاولت العصابة الانفصالية وصناعها في الجزائر التأثير على القرار السياسي الحيادي الموريتاني بشأن النزاع في الصحراء ، ودفع العلاقات المغربية الموريتانية إلى الصدام والمواجهة، لابتزاز موريتانيا في مواقفها وحسن جوارها، لكن حكمة البلدين ظلت تستبعد الخيار العدائي الذي تدفع إليه الديبلوماسية الجزائرية. ولعل تصريح الرئيس الموريتاني، وإن أورده على لسان الغرب، هو نصيحة للعصابة الانفصالية قبل أن يكون تقريرا لأمر واقع، مفادها استحالة تحقيق حلم الدويلة الوهم في خريطة المنطقة، ودعوة للعصابة للتعامل مع مستجدات الساحة الدولية، والإسهام في بناء الثقة في مفاوضات الحل السياسي على أسس جديدة تستبعد خيار الانفصال ومسلسل الاستفتاء المقبور.
ما عبر عنه الرئيس الموريتاني ناسبا له إلى الغرب وأمريكا، في صيغة نصيحة، هو قريب مما واجهت به الديبلوماسية الروسية، عصابة الانفصال في زيارة وفد منها إلى موسكو، طلبا لدعم الأطروحة الانفصالية، حيث أكدت الخارجية الروسية موقف بلادها الداعم للمسلسل الأممي ولقرارات الأمم المتحدة بشأن النزاع حول الصحراء، في إشارة منها للعصابة الانفصالية بضرورة الالتزام بمسارات التسوية السياسية الأممية وطلب الممكن، وعدم المغامرة في المساندة المطلقة للوهم وللمستحيل. لقد كان أمل الوفد الإنفصالي في لعب الورقة الروسية الضاغطة في مواجهة احتمال الضغط الأمريكي في اتجاه إجبار العصابة الانفصالية على التقدم في اتجاه بحث خيارات الحل السياسي الواقعي والجدي.
تعود وفود البوليساريو التي تستجدي المواقف الدولية، إلى المخيمات بخطابات موجهة إلى الساكنة الغاضبة والمحتقنة، بوعود فيها من التصعيد والتهديد والانفعال أكثر من التطمين والتهدئة والإيمان بقضية. والحال أن استشعار الخطر على الأطروحة الانفصالية من متغيرات التعقيدات السياسية الإقليمية والدولية، يفرض على من يسمون أنفسهم قادة وزعماء للحركة الانفصالية، أن يكونوا أقرب إلى الواقعية وأن يكونوا أكثر استعدادا لسيناريو الانقلاب على الانفصال، سواء من داخل المخيمات أو من داخل المحافل الدولية أو من داخل المنطقة المغاربية والقارة الإفريقية التي يبدو أنها لم تعد تسعف هؤلاء الانفصاليين كخلفية للإقناع بشرعية ومصداقية أطروحتهم.
إن ما يعتبر اليوم إشارات إقليمية ودولية تنبيهية ومرموزة موجهة للعصابة الحالمة بدولة وهمية، لالتقاطها في الوقت المناسب، سيكون غدا كلمة حاسمة وصريحة وبالواضح مفادها أن لا مجال لإقامة كيان عدواني في العمق والامتداد الإفريقي للمغرب، وأن استقرار المنطقة رهين باحترام سيادة دولها ووحدتها الترابية، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. نقطة وانتهى الكلام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الجزء الرابع من ملف الزميل عبد الحق العضيمي المتوج بالجائزة الوطنية الكبرى للصحافة الفلاحية والقروية المكتوبة والإليكترونية

نواصل اليوم، نشر ملف الزميل ...