الرئيسية / رأي / التجسيد الفعلي لخطاب الانفتاح والتسامح

التجسيد الفعلي لخطاب الانفتاح والتسامح

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

ما كادت تمر بضعة أسابيع على الخطاب التاريخي الذي ألقاه أمير المؤمنين بحضرة بابا الفاتيكان فرنسيس الأول، حيث أكد ” أن القيم الروحانية ليست هدفا في حد ذاتها، بقدر ما تدفعنا إلى القيام بمبادرات ملموسة، فهي تحثنا على محبة الآخر، ومد يد العون له”، حتى بادر جلالته في غضون الأسبوع الذي ودعناه إلى تجسيد هذه الدعوة، عبر تقديم مثال غير مسبوق في القيادة الروحية المسؤولة عن دعم التعايش بين الأديان السماوية الثلاثة، ومد يد العون لجميع المؤمنين بها من أجل ضمان الحفاظ على ممتلكاتهم الرمزية ومعالمهم الدينية، فقد أطلق جلالته ثلاث مبادرات متفرقة ومترابطة في هذا الاتجاه؛ تهم المبادرة الأولى تخصيص منحة مالية للمساهمة في ترميم وتهيئة مرافق داخل المسجد الأقصى المبارك وفي محيطه، وإرسال خيرة المعماريين والصناع التقليديين المغاربة المَهَرَة، للقيام بأعمال الصيانة الفنية والمعمارية لأولى القبلتين وثاني الحرمين الإسلاميين. وتهم المبادرة الثانية إطلاق أشغال بناء متحف للثقافة اليهودية بمدينة فاس، من أجل الحفاظ على الذاكرة الثقافية والروحية لليهود المغاربة، مع توجيه تعليمات لوزير الداخلية قصد تنظيم انتخابات الهيئات التمثيلية للجماعات اليهودية المغربية، واحترام تجديد هذه الهيئات بشكل دوري، تفعيلا لمقتضيات الظهير الشريف الصادر في ماي 1945، في موضوع إعادة تنظيم لجان الجماعات اليهودية. وتهم المبادرة الثالثة تقديم مساهمات مالية لإعادة بناء كاتدرائية نوتردام قلب مدينة باريس، ورمز الملايين من المؤمنين المسيحيين، بعد تعرضها لحريق مهول أتى على معظم معالمها الأثرية.
هذه الالتفاتات الملكية الثلاث تجاه معالم الديانات الإبراهيمية الثلاث، نموذج عملي، ومثال واضح على ربط خطاب التسامح والتعايش والانفتاح واحترام الحق في الاختلاف والتنوع في النسيج الديني للشعوب والأمم والثقافات، بالممارسة الفعلية لهذه القناعة النظرية والفكرية. ولا يوجد أبلغ من المثال العملي المجسد لمثل هذه الخطابات التي يحملها ملايين من البشر دون أن يتقدموا خطوة إلى الأمام لإثباتها في أرض الواقع، فقد قدم ملك المغرب أمير المؤمنين، مثالا من نفسه، بمبادرته الثلاثية الأقطاب، وفي وقت تدعو فيه الحاجة إلى مثل هذه المبادرة المستعجلة لمساعدة المؤمنين من الديانات الثلاث من أجل الحفاظ على رموزهم ومعالمهم الثقافية والحضارية، وعبَّر بذلك على أن إمارة المؤمنين أو القيادة الروحية المسؤولة عن حماية قيم التعايش والسلام والخير في العالم، ليست مجرد شعار أو لقب يُحمل، بل هي عمل ميداني إلى جانب جميع المؤمنين الصادقين من أجل بناء مستقبل أفضل للعيش المشترك في هذه الأرض، والإحساس بمعاناة الآخرين في سبيل البقاء والحفاظ على حرياتهم وثقافاتهم.
ولو كان للتسامح في أعمق دلالاته صورة ملموسة، فلن تكون إلا هذه الصورة المشرقة الرائعة والفريدة التي جسدتها المبادرة الملكية الثلاثية في اتجاه احتضان حقوق المؤمنين من الديانات الثلاث، والجهر بأعمال البناء والتضامن والتعاون على الخير والموصول إلى الجميع بدون استثناء أو إقصاء.
إن عالم اليوم، الذي بدأت مظاهر الكراهية والتطرف والعنف والإقصاء تصبغ علاقات أفراده وجماعاته، هو في أمس الحاجة إلى من يذكره فعليا وعمليا، بالإمكانات الهائلة التي تختزنها ثقافاته وأديانه، في الحث على عمارة الأرض وعدم الإفساد فيها، والدعوة إلى الخير والتساكن والتعايش بين الناس وبين الأديان، ولا يمكن لهذا التذكير أن يحدث وقعا إيجابيا وأثرا طيبا وزكيا في النفوس والعقول، ما لم يتجاوز الإخبار والطلب والنصيحة والموعظة العابرة، إلى التجربة الحية والمعيشة بين الناس، أي إلى تقديم المثل الأعلى المُحَقّق للرهان الحواري الحضاري المنتج والبناء بين الأمم والثقافات، بغض النظر عن انتماءاتها الدينية الخاصة.
ولا يسع أي مؤمن في هذا الوطن، إلا أن يعبر عن مبلغ الاعتزاز والفخر، بالتجسيد الملكي الفعلي للمعنى العميق لإمارة المؤمنين، التي تُظِلُّ الجميع بالحماية والرعاية والمساعدة، ولا تبخل بها مهما كانت الظروف والاستثناءات والإساءات المتبادلة. كما لا يسع أي منصف، مهما اتفق أو اختلف مع الرهانات الحضارية للمغرب، إلا أن يرى في “إمارة المؤمنين”، نموذجا لما يمكن أن تكون عليه صورة التعايش الفعلي بين الديانات في العالم، على مستوى الواقع العملي الميداني المستديم، وليس على مستوى النظر المجرد والخطب المناسباتية.
لقد باتت المخرجات العملية للخطاب الملكي درسا ملهما للقادة والزعماء الدينيين الحقيقيين في عالمنا المعاصر من أجل تقوية روابط الأخوة الإنسانية وتكريس قيم الخير والجمال التي تدعو إليها الديانات والرسالات السماوية، بل هي خير رد على الأعمال الإرهابية التي تتم باسم الدين والتي أزهقت نفوسا وخربت معابد وصوامع وكنائس وبِيَعا، فكلما اتسعت دائرة البناء والتعمير والتقريب بين الناس والتعارف والتراحم والتساكن، كلما أحيينا سنة إلهية في الحياة وأحيينا معها موات الأرض والأنفس. ذلك هو الأفق الذي تستشرفه المبادرة الملكية العملية في ترميم المعالم العمرانية الدينية للإنسانية، بالموازاة مع ترميم العلاقات بين أخوة الإيمان والإنسانية، في مواجهة مشروع الإرهاب والحقد الأعمى. إنه رهان على المستقبل أكثر منه إجابة عن سؤال آني بموعظة حسنة وعابرة، ورهان على التربية على العطاء والبذل والتبرع بما نملك من مشاعر وأحاسيس، وإخراج لزكاة الأنفس أكثر منه تصدقا بمال وثروة مادية، وصناعة نموذج فريد في القدوة والقيادة الروحية التي لا تتهرب من مسؤوليتها في إحياء الأمل في قدرتنا الإنسانية على التعايش والتراحم مهما اختلفت بنا شعائرنا وثقافاتنا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سبتة المحتلة.. توقيف مغربيين هددا الشرطة الوطنية الإسبانية

رسالة24 – رشيد عبود // ...