الرئيسية / رأي / صفقة القرن.. تنكيس السلام وتكريس الاستسلام

صفقة القرن.. تنكيس السلام وتكريس الاستسلام

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

تُلَوِّحُ الإدارة الأمريكية عبر التسريبات الإعلامية المتواترة، بقرب الإعلان رسميا، بعد انقضاء شهر رمضان، عن خطة السلام الجديدة لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، والمسماة بـ”صفقة القرن”، ومن خلال ما كشفته العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية خاصة، عن بنود هذه الصفقة، نتبين أنها أقرب إلى التفاف مفضوح على القرارات الدولية وعلى كل مبادرات السلام العربية والأممية المتعلقة بحل القضية الفلسطينية، وأقرب إلى الضغط على الدول العربية والإسلامية وابتزازها لقبول الأمر الواقع الذي تفرضه قوات الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك تكريس تهويد مدينة القدس وفرضها عاصمة أبدية لإسرائيل، وإنهاء حلم الدولة الفلسطينية، واستبعاد حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، أي باختصار شديد إنهاء النزاع لصالح الاستيطان الإسرائيلي، ولصالح ضمان أمن إسرائيل بدون مقابل أو ثمن أو تنازل منها عن حق اغتصبته وأقرت به للشعب الفلسطيني في مفاوضات السلام التي امتدت على مدى ربع قرن، وتحت الرعاية الأممية وبإشراف الإدارة الأمريكية نفسها منذ اتفاقيات “أوسلو” إلى غاية اليوم، والتي انتهت كلها إلى قبول حل الدولتين، هذا الحل الذي صار اليوم، مع الفوضى العربية الخلاقة، ومع مشروع “صفقة القرن”، أقرب إلى السراب والطي والإزاحة النهائية، بفعل تشرذم الصف العربي الإسلامي وانقسامه ودخوله في مرحلة التفكك والتمزق والانهيار، حتى أنه ما عادت القمم العربية والإسلامية تجدي في إسماع الصوت العربي والإسلامي الموحد والمتضامن، فبالأحرى نصرة الشعب الفلسطيني الأعزل وحمايته في مواجهته للآلة العدوانية الإسرائيلية التي تزداد شراسة وتدميرا وقتلا مع كل مبادرة سلام أو اتفاقية تهدئة، أو صك تنازل وتراجع.
لقد اختارت الإدارة الأمريكية الجديدة الوقت المناسب في نظرها وفي نظر دولة الاحتلال الإسرائيلي، لفرض الإملاءات واتفاقيات الاستسلام والسيطرة، وكأن الحرب والمفاوضات وضعت أوزارها بهزيمة القضية الفلسطينية وفقدان كل أمل في استرداد الأراضي المغتصبة، ولم يبق إلا المرور إلى تسليم ما تبقى من جبهات القتال والثغور الصامدة بدون مقاومة ولا انتفاضة ولا مفاوضة غير مجدية.
هكذا يتم ضمنيا تصوير نهاية الصراع العربي الإسرائيلي، وكأنه وصل إلى أقصى انتظاراته ورهاناته وتوازناته، وهي ميل كفة الصراع لصالح دولة إسرائيل وسقوط حق الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وضم الجولان.
والحال أن القضية العادلة للشعب الفلسطيني ستظل رغم انتصار منطق القوة والغلبة الإسرائيلية، ورغم الضعف العربي والإسلامي، قضية إنسانية قبل أن تكون قضية العرب والمسلمين والفلسطينيين، هزيمتها أو الإطاحة بها هي هزيمة للقيم الإنسانية المشتركة، وإطاحة بالعدل وحقوق الإنسان وكل ما في معناهما من رفض للظلم والعدوان واحتلال الأرض واستعباد الشعوب.
ولأن البنود المسربة من هذه الصفقة بتغييبها لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وهو جوهر الصراع، لا يمكن اعتبارها أرضية حقيقية لتحقيق سلام عادل ودائم وشامل، فإن ما تَعِدُ به من صفقات مالية كبرى وتمويلات وخدمات تقنية ورواج اقتصادي، هي مجرد تفاصيل زائدة ومقحمة، لا يمكنها أن تغير شيئا من أصل المشكل والحل: وهو الأرض مقابل السلام، إذ مبادلة السلام تقتضي تنازلات متبادلة بين طرفي الصراع وهي تنازلات تحققت في اتفاقيات سلام سابقة على رأسها اتفاقية أوسلو، التي شكلت بالفعل أرضية سلام مقبولة من الجميع، من طرفي النزاع ومن المنتظم الأممي، ومن الدول المانحة والراعية للسلام، فأين هذه الأرضية من أرضية صفقة القرن، الخارجة من الجبة الإسرائيلية ومن منطق القوة والهيمنة والحرب، وفروض الطاعة والاستسلام. فكيف يمكن لصفقة تجارية تدار من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب بمنطق مقاولاتي، أن تحل محل الحل السياسي التفاوضي، وكأن الشعب الفلسطيني إنما كان يستجدي في صراعه التاريخي الطويل الأمد، لقمة عيش وبيتا يأويه في أي مكان، ودريهمات أو صدقات ومساعدات للحفاظ على بقاء أفراده وإن ذابوا في مجتمعات وهويات أخرى.
أقصى وعود مشروع صفقة القرن، الحفاظ على الوضع الإسرائيلي القائم والمفروض، وهو مزيد من ضم الأراضي الفلسطينية وتقسيمها وتمزيقها وزرع المستوطنات في مفاصيلها، ودعم اللاءات الإسرائيلية الثلاث: لا للقدس العربية، لا لعودة النازحين واللاجئين الفلسطينيين، لا للدولة الفلسطينية.
وفي انتظار اتضاح مسارات الإعلان الأمريكي الرسمي عن هذه الصفقة وتفاصيلها، أو طيها نهائيا بعد جس نبض الشارع العربي والإسلامي والفلسطيني، الذي يرفض مبدئيا مدخل الصفقات التجارية الأحادية الجانب في معاملة قضيته القومية والإنسانية المقدسة، فإن الموقف المغربي الملتزم بإطار الحل السياسي الذي رعته اتفاقات ومعاهدات السلام الأممية، وبحل الدولتين المتضمن لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وبرفض مخططات تهويد مدينة القدس وفرضها عاصمة لدولة الاحتلال، يظل هو الموقف المبدئي المنسجم مع جميع القرارات الدولية الشرعية الصادرة سواء عن المنتظم الأممي أو عن مفاوضات السلام السابقة، أو عن مبادرات السلام العربية، أو عن توصيات مؤتمرات القمة العربية والإسلامية التي انعقدت في أرضه أو في مختلف الدول العربية والإسلامية، أو عن أعمال لجنة القدس التي يرأسها جلالة الملك، أو عن نداءات القدس الشريف التي أطلقها المغرب، وعلى رأسها نداء القدس التاريخي الأخير الذي وقعه كل من جلالة الملك محمد السادس أمير المؤمنين وقداسة البابا فرانسيس الثاني لدعم صمود مدينة القدس كأرض لتعايش الديانات، ولمواجهة كل الإجراءات الرامية إلى تغيير وضعها وطابعها التاريخي ووجهها الإنساني الذي يسمو على مؤامرات تهويدها وتكبيلها برسوم الاحتلال والعسكرة الإسرائيلية.
وإذا كان المجتمع الدولي لم يضمن ـ باتفاقات ومعاهدات السلام العادلة والمتوازنة، التي وقعتها إسرائيل تحت أنظار العالم، ثم تحللت منها قبل أن يجف مدادها ـ وَقْفَ العدوان الإسرائيلي المتواصل على الحق الفلسطيني، فكيف سيَضمن السلامَ بصفقة قرن، التي وإن فُرضت وأُكرهت الدول العربية على قبولها وتمريرها بل وتمويلها، فإنه لا توجد ضمانات تفرض على إسرائيل أن تلتزم بمقتضياتها ومخرجاتها، وهي التي عودت العالم على التملص من كل الالتزامات وتخريبها، والالتفاف عليها بمناوراتها المتأصلة، وتحويلها لصالح تكريس التوسع والتهويد والاحتلال للأراضي العربية، ومزيد إقصاء للحق الفلسطيني المعلق بأحذية الدوس العسكري الدائم، وبحمامات الدم والرصاص المصبوب وعناقيد الغضب، وبالعنف والرعب والتطرف والإرهاب العاصف بكل الآمال الإنسانية النبيلة في إقامة السلام العادل والدائم والشامل، وبناء الثقة في قدراتنا الإنسانية الخلاقة على التعايش والتسامح والتفاهم ونبذ نوازع الشر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إسبانيا.. أزيد من 279 ألف من المغاربة مسجلين في الضمان الاجتماعي

قالت وزارة العمل والهجرة والضمان ...