الرئيسية / رأي / استفزازات خطيرة

استفزازات خطيرة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

مع قرب الإعلان عن صفقة القرن، وفي خطوة تصعيدية خطيرة قامت عناصر من قوات الاحتلال الإسرائيلي، وعدد كبير من المستوطنين باقتحامات للمسجد الأقصى في العشر الأواخر من رمضان، بلغت ذروتها يوم الأحد الماضي، بالهجوم على المصلين والمعتكفين وطردهم ومطاردتهم في باحات المسجد الأقصى واعتقال عدد منهم، تمهيدا للاحتفال بضم القدس الشرقية، واستجابة للضغوطات التي تقوم بها جمعيات وهيئات إسرائيلية، وعلى رأسها جمعية أمناء الهيكل، لإنهاء التواجد الإسلامي بهذه البقعة، واستفزاز الفلسطينيين في مقدساتهم وشعائرهم ومشاعرهم الدينية، ومنعهم من أداء صلاة العيد بالمسجد، ومن ثمة فرض واقع الاحتلال وتكريسه على المدينة المقدسة، من خلال قيام قوات الاحتلال بدعم هجمات المستوطنين المتطرفين وتشجيعهم على الاعتداء على المصلين رجالا ونساء وأطفالا وشيوخا، وتأمين ممارستهم طقوسهم التلمودية داخل الحرم القدسي الشريف وحراستهم، وتمهيد الطريق أمامهم لتعريض المسجد الأقصى لصنوف من الاعتداءات المتواصلة بدءا بإفراغه من عنصره البشري الذي يؤمه، وانتهاء بطمس معالمه العمرانية وتشويهها ومحوها.
إن التصعيد الخطير للهجمات الإسرائيلية على المسجد الأقصى، خصوصا في مناسبة دينية عظيمة عند المسلمين، هي العشر الأواخر من شهر رمضان، والتي تعرف إقبالا متزايدا وكبيرا على المساجد وأماكن العبادة، تعتبر استفزازا كبيرا ليس فحسب للمشاعر الدينية والوطنية للفلسطينيين، وإنما لمشاعر جميع المسلمين في العالم، الذين يراد منهم أن يبتلعوا ألسنتهم، وأن يضعوا مشاعرهم وأحاسيسهم في ثلاجة، بل وأن يسعوا إلى تمويل مخططات الاحتلال ودعمها وإقامة المحاضرات والمؤتمرات للترويج لصفقاتها، والتي نشهد اليوم صورة بئيسة عنها متمثلة في تشجيع العدوان الشامل على الأراضي المحتلة بإباحة التصرف المطلق فيها، واستباحة معالمها ومحارمها.
إن تسريع قوات الاحتلال الإسرائيلي وتيرة العدوان على المقدسات الإسلامية، وتعمد اختيار مناسبات دينية إسلامية لتصعيد الاستفزازات ضد المسلمين أمام الصمت الدولي المطبق تجاه الجرائم الإسرائيلية المطردة، ما هو إلا تشجيعٌ تام لهذا الكيان على التملص من كل الالتزامات الأخلاقية والسياسية الدولية بشأن عمليات السلام واتفاقاتها ومساراتها، بكل شعاراتها: من الأرض مقابل السلام، إلى حل الدولتين، وإظهارٌ لما ستكون عليه صورة صفقة القرن في ضماناتها المنعدمة، وفي وعودها الكاذبة مسبقا. وهاهو الاحتلال الإسرائيلي يؤكد بهذه الاستفزازات المتصاعدة، أنه غير جاد في أي اتفاق سياسي أو صفقة اقتصادية، لا تضمن استحواذه على كل الامتيازات.
لا يمكن تفسير الصمت الدولي المطبق على ما تقوم به قوات الاحتلال من حماية ودعم هجمات المستوطنين على المساكن وعلى الممتلكات وعلى المساجد والمعابد، إلا بكونه إضفاء للشرعية التامة على الاحتلال الإسرائيلي، بل بكونه هو صفقة القرن نفسها: الصمت مقابل السلام.
صورة الجيش الإسرائيلي وهو يتقدم صفوف الحاخامات والمستوطنين لتأمين اقتحامهم لباحات المسجد الأقصى والهجوم على المصلين المقدسيين بكل وحشية وقسوة وطردهم، وفرض إقامة عبادات وطقوس دينية مغايرة داخل الحرم القدسي، صورة ناطقة عن طبيعة ديمقراطية دولة الاحتلال ومدى إنسانيتها واحترامها للتعدد في النسيج الديني للمدينة المقدسة!!! صورة تؤكد مرة أخرى أن الإيديولوجيا الصهيونية لدولة الاحتلال الإسرائيلي لا يمكنها أن تكون في أي يوم محط ثقة وأمانة في راعياتها للحقوق الدينية لساكنة الأراضي المحتلة، ولا يمكنها أن تقبل بالاختلاف والتعدد والتعايش على الأرض التي تحتلها، وأنها ليست أهلا لإعطاء الدروس في الحريات والحقوق والديمقراطية والعدل، وهي أكبر منتهكيها وأشد المجرمين فتكا بها، خلافا للصورة السياحية والإعلامية الافتراضية والوهمية التي يسوقها الكيان الصهيوني عن دولته؛ أرض التعايش والسلام والديانات.
وعلى إيقاع هذه الاستفزازات الإسرائيلية المتواصلة للمقدسيين، والمرشحة للتصعيد يوم عيد الفطر وفي الأيام بعده، فإن ثمة حقيقة تتأكد للعالم يوما بعد يوم، وهي أن السلام في الأراضي المقدسة لا يمكنه أن يتحقق ومدينة القدس في قبضة الهيمنة الأحادية للقوات الصهيونية، التي تصر على تفجير النسيج الديني والسكاني والعمراني للمدينة، وتهويد رموزها وآثارها وروحها. فعلى العالم أن يعي أن سقف “نداء القدس” الذي أطلقه كل من أمير المؤمنين الملك محمد السادس وبابا الفاتيكان فرنسيس الأول هو القاعدة الإنسانية الذهبية التي يمكن الاحتكام إليها في تصريف الحياة الدينية والاجتماعية بهذه المدينة المقدسة المفتوحة على جميع الأديان، والتي ترزح تحت نيران احتلال غاشم، تلك القاعدة التي تتحول معها كل الصفقات الوهمية والظالمة إلى صفقة إنسانية وروحية تجسد مدينة القدس الشريف بوصفها تراثا مشتركا للإنسانية، وأرضا للقاء وللتعايش السلمي بالنسبة لأتباع الديانات التوحيدية الثلاث، ومركزا لقيم الاحترام المتبادل. فهل تفهم الإيديولوجيا الصهيونية الإرهابية، هذا الخطاب الإنساني الحضاري الرفيع؟ وهل من تكتل دولي قادر على رفع تحدي تفعيل نداء الضمير الإنساني، وإلزام قوات الاحتلال باحترام تعايش التاريخ والأرض والإنسان داخل هذه المدينة المقدسة التي تتأفف من صنيع جحافل المستوطنين وجنودهم؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سطات.. مسيرة تضامنية تطالب بإعدام قاتل أستاذة الانجليزية وبتوفير الأمن

رسالة 24- مصطفى العلوة // ...