الرئيسية / رأي / لِجَنُ مواكبة الإصلاح وعقليات المسؤولين

لِجَنُ مواكبة الإصلاح وعقليات المسؤولين

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

 سبق لجلالة الملك أن نبه في خطاب عيد العرش لهذه السنة إلى أن جلالته لا يميل شخصيا إلى إحداث اللجان الخاصة؛ “لأنها أحسن طريقة لدى البعض، لدفن الملفات والمشاكل”، وذلك في معرض الإعلان عن المبادرة الملكية بإحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، وفي سياق تثمين جلالته للنتائج الإيجابية والبناءة لعمل اللجن المحدثة في العديد من القضايا ذات البعد الوطني شديد الحساسية، وهي اللجن التي استطاعت أن تُحَصِّلَ توافقا بشأن هذه القضايا، وأن تنزع فتيل كثير من الاحتقانات، كما في اللجن الخاصة بتعديل الدستور وبمدونة الأسرة والإنصاف والمصالحة، وغيرها.

وسبب التذكير بهذه الإشارة الملكية الدقيقة بشأن إحداث اللجن، هو المصادقة في نهاية الأسبوع الفارط على أول لبنة في تفعيل القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، وتتمثل هذه اللبنة في إحداث اللجنة الوطنية لتتبع ومواكبة إصلاح المنظومة التربوية، والإعلان عن تركيبتها وتحديد اختصاصاتها وتنظيمها وكيفية سير أشغالها، تمهيدا لإحالة مجموعة من التشريعات والوثائق عليها بعد إعدادها وعرضها على أعضاء المجلس الحكومي، وكذا تتبع تنفيذها.

ولأن القانون الإطار للمنظومة التربوية باعتباره تعاقدا ملزما، وباعتباره تجسيدا لالتقاء إرادات مختلف مكونات الأمة دولة ومجتمعا، صار مرجعية تشريعية وتنظيمية لإصلاح هذه المنظومة، قد نص على إحداث لجنة وطنية للتتبع والمواكبة وحدد لها عددا من الاختصاصات، كما نص على إحداث لجن وفرق عمل أخرى تعنى بالتجديد والمناهج التعليمية والتكوينية وغيرها، فإنه لا يسعنا إلا المرور إلى تفعيل وتنزيل مقررات هذا القانون الإطار، بدل إعادة العجلة إلى الوراء لمناقشة جدوى اللجن والهيئات وفرق العمل والتتبع والرصد. يكفي أن نضع نصب أعيننا مقاصد التنبيه الملكي إلى تحويل بعض المسؤولين أمثال هذه اللجن إلى وسيلة لدفن الملفات والمشاكل، مما يعني أن المشكل لا يكمن حقيقة في اللجن والهيئات المحدثة لمباشرة عمليات الإصلاح أو التتبع والتقويم والمراقبة والمواكبة، بل في الغاية من إحداثها، وفي مدى جدية ومصداقية الفاعل السياسي في اعتماد اللجن وسيلة لتحسين الأداء وتطويره، ورفع وتيرة الإصلاح ومنسوبه وإيقاعه، وتنسيق الأعمال وضمان التقائية السياسات العمومية في القضايا التي تتقاطع فيها المسؤوليات، ومتابعة أشغالها، وأخذ حصيلة عمل هذه اللجن وتوصياتها بعين الاعتبار في اتخاذ القرارات الجماعية الملزمة.

إن التخوف العام من أن تكون اللجن المحدثة مقبرة للقضايا الوطنية الكبرى التي تعجز مؤسسات أو إدارات بمفردها عن مواكبتها أو الحسم فيها، مرده إلى التجارب العديدة المريرة مع ظاهرة إحداث اللجن بجانب المؤسسات والوزارات، بغرض نسيان ملفات بعينها، أو تعليق العمل عليها إلى حين، أو بقصد إحداث انحباس في معالجتها، أو تعويم النقاش وتقاذف المسؤوليات. والحال أن هذا التخوف لن يكون واردا في حال ما إذا ضمن المشرع والفاعل الحكومي لهذه اللجن جميع الشروط والضمانات لاضطلاعها بمسؤولياتها كاملة في تأمين استدامة واستمرارية الفعل الإصلاحي أو التقويمي أو التتبعي المنشود، في حدود اختصاصاتها وأدوارها المحددة بنصوص تنظيمية، وبناء على الآليات والصلاحيات المخولة لها في التدخل لضمان التطبيق السليم للقانون والتنزيل الدقيق والفعال لحزمة الإصلاحات المقررة.

  ينتهي دور اللجنة عند تحقيقها النهائي في نازلة، أو عند إبدائها للرأي الموضوعي والمتجرد، وعند تقديم خلاصاتها الدقيقة، وعند مراجعتها لنسخة من مشروع، وعند تقويمها لتنزيله، وتبقى مسؤولية السلطات التنفيذية في إعطاء المصداقية لالتزامها بتفعيل الملاحظات والتوصيات ومعالجة الاختلالات في حينها، وترتيب الحلول والتدخلات المناسبة للرفع من نجاعة وتيرة العمل أو الإصلاح، وترصيد مكتسباته.

إن على التشكيلة الحكومية الجديدة، بشأن موضوع التعاطي مع إحداث اللجن ونتائج أعمالها، أن تأخذ العبرة والدرس مما أقره جلالة الملك عند مبادرته إلى إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، من أن الأهم هو “التحلي بالحزم والإقدام، وبروح المسؤولية العالية، في تنفيذ الخلاصات والتوصيات الوجيهة، التي سيتم اعتمادها، ولو كانت صعبة أو مكلفة”، إذ ليس سؤال جدوى إحداث لجنة وتشكيلها، هو موضع الحديث والنقاش ومناط النزاع، وإنما موضع النقاش هو مدى استعداد جهات التنفيذ وسلطاته للتفاعل الإيجابي والبناء مع ملاحظات وتوجيهات وتوصيات وخلاصات اللجنة المعتمدة في مواكبة الإصلاح أو تنزيله، بتحمل صعوبات تنزيل التوصيات الإصلاحية والتعديلية والتقويمية وتكلفتها كذلك.

  ليس لنا بعد إحداث اللجنة الوطنية لتتبع ومواكبة إصلاح المنظومة التربوية، كأول لبنة في تنزيل القانون الإطار لإصلاح هذه المنظومة، إلا أن يعمل الجميع دولة ومجتمعا على الوفاء بالالتزامات المشتركة، المجسدة في العقد التربوي الاجتماعي الممثل في القانون الإطار، ولن يتأتى ذلك إلا بالقطيعة التامة مع طرائق التدبير وأساليب التسيير السابقة المطبوعة بالتردد والتحفظ والتلكؤ، وإحداث ثورة حقيقية في العقليات المسؤولة، قطيعة وثورة تتناسبان مع رهانات المرحلة الجديدة التي ينخرط فيها المغرب من أجل التنزيل الأمثل للعديد من القوانين والمشاريع الكبرى للإصلاح، والتي قوامها التحلي بروح المسؤولية العالية، وتوطيد الثقة في اختيارات البلاد وتوجهاتها التنموية والتحديثية، والعمل في إطار من التنسيق والانسجام التامين. بهذا التدبير المسؤول يمكننا أن نعطي اللجن المؤسساتية المحدثة في إطار القانون، مصداقيتها الملموسة في تحسين تنزيل الإصلاحات وتفعيلها ومواكبتها بالتقويم والتسديد إلى أن تحقق غاياتها الكبرى، وعلى رأسها تعزيز الثقة المجتمعية في الإصلاح نفسه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إنفانتينو يعرب عن خيبة الأمل لإقامة مباراة الكوريتين بدون جمهور وبث مباشر

أعرب رئيس الاتحاد الدولي لكرة ...