الرئيسية / رأي / مسؤولية الطبقة السياسية

مسؤولية الطبقة السياسية

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

بإجراء التعديل الحكومي وفق المواصفات التي حددها الخطاب الملكي السامي لعيد العرش، وافتتاح الدورة البرلمانية الجديدة، بالخطاب الملكي الذي أعلن عن أن المرحلة الجديدة دخلت ابتداء من الآن حيز التنفيذ بحزمة من الإصلاحات الهيكلية التي تواكب تنزيل عدد من المشاريع المهيكلة، وفي ارتقاب تنصيب اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد، تكون الطبقة السياسية بالبلاد، حكومة وبرلمانا وأحزابا سياسية أمام مسؤولياتها التاريخية في إحداث القطيعة مع الأساليب العتيقة والجامدة في تدبير الاستحقاقات السياسية والتنموية الكبرى للبلاد، وعدم إهدار ما تبقى من الولاية الحكومية والتشريعية في المناطحات الانتخابوية الضيقة وغير المثمرة والفارغة التي سممت الحياة السياسية والحزبية ببلادنا، وأنهكت الجسد الحكومي في تدبير الخلافات المتناسلة وإطفاء الحرائق المندلعة، وأسلمته في النهاية إلى قاعة الإنعاش، حيث خرج منها بتعديل وإعادة تقويم وتوجيه، لم يعد ممكنا معه المضي في استعمال الأسباب نفسها التي توصل إلى الباب المسدود وإلى النتائج نفسها المرفوضة.
إن التزامات المرحلة الجديدة، التي حددتها الخطب الملكية بمناسبة عيد العرش المجيد، وبمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، وبمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الجديدة، تضع الطبقة السياسية المغربية في تحدي كسب رهان التنافس على خدمة الصالح العام، بدل التفرغ لخدمة مصالح انتخابية خاصة، يمكن تأجيلها إلى حينها، فالوقت المتبقي من عمر الولاية الحالية التي انتصفت بالدخول السياسي الجديد لا يسمح بتكرار السيناريوهات السلبية التي عشنا جميعا مشاهدها المؤسفة في توقيف مسارات المشاريع، وتعطيل الحوار الاجتماعي، وتبادل القصف والاتهامات والهروب من المسؤوليات. فالزمن زمن تدارك الخصاص وحل المشاكل والمعضلات التنموية، وبذل الجهد من أجل رفع مؤشرات النهوض بقضايا التشغيل والحد من البطالة وتوفير العيش الكريم للمواطنين، وتحسين شروط الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، والتقليص من حدة الفوارق الفئوية والمجالية، والتنزيل الأمثل للجهوية الموسعة والمتقدمة، والاستثمار في الرأسمال البشري تعليما وصحة وفرصا للعمل والإنتاج.
كل هذه القضايا المستعجلة والملحة تتمتع بأولوية في المشاريع الكبرى التي يحيطها جلالة الملك برعايته وتتبعه، وعلى الطبقة السياسية أن تضعها في برامج عملها للمرحلة الجديدة، وأن تحدد موقع مساهمتها فيها بحسب اختصاصاتها وصلاحياتها وأدوارها، تشريعيا أو تنفيذيا أو تأطيريا، وهي القضايا التي سيكون تدبيرها وخوض النقاش فيها والاجتهاد على أساسها، معيار الحكم على هذه الطبقة السياسية بالنجاح أو الإخفاق، وحينما يتم الحديث عن الطبقة السياسية فإننا لا نستثني حكومة من برلمان من هيئة سياسية، ولا نستثني أغلبية من معارضة، لأن المسؤولية سواء في تسيير أو تيسير هذه المرحلة الجديدة هي مسؤولية الجميع كل من موقعه التدبيري أو الرقابي أو التنفيذي أو التشريعي، وعلى رأس هذه المسؤوليات، المسؤولية عن توفير شروط وظروف نجاح النموذج التنموي الوطني الجديد، بما في ذلك دعم الثقة والمصداقية والجدية في تنزيله وتفعيله، والمساهمة في دعمه وتجويده وتحسينه وتذليل صعوبات تمويله.
على جميع مكونات الطبقة السياسية الوطنية أن تضع خلافاتها وصراعاتها وحساباتها الانتخابية جانبا، لتتفرغ لبناء هذا الصرح التنموي المغربي الذي ينتظره المواطنون من ممثليهم ومن الفاعلين الحكوميين ومن هيئاتهم الحزبية، في هذه المدة التي تفصلهم عن محطة انتخابات عام 2021، وفي حال إنجاحنا جميعا لهذه المرحلة الجديدة، باستدراك ما فات من الزمن السياسي المهدور في الانتظارية القاتلة وفي ما وصفه الخطاب الملكي السامي بـ”الصراعات الفارغة، وتضييع الوقت والطاقات”، فإننا سنكون آنذاك مهيئين بشكل أكبر لمخاطبة المواطنين بما حققناه مما يلمسونه من تحسن في حياتهم الاجتماعية وفي مؤشرات العيش الكريم، وسنضمن تعبئتهم للانخراط الإيجابي في الاستحقاقات الانتخابية، ورفع نسب مشاركة الهيئة الناخبة فيها، وتقليص نسب عزوف الشباب عن التسجيل والتصويت في الانتخابات، والتي تعود في كثير منها إلى غياب جاذبية العمل السياسي وضعف مصداقيته، وطغيان الشعارات الفضفاضة والوعود المرسلة، على المنجزات والأعمال المحققة والبرامج المدققة.
الأولوية الآن في المرحلة الجديدة بالنسبة للطبقة السياسية الوطنية، هي للتفاعل الإيجابي مع التوجيهات الملكية الحاسمة والواضحة بعدم تضييع الوقت والجهد والطاقة في الصراعات الهامشية والفارغة، وبتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتهم وفي مصداقية المشاريع التي تهم ترقية حياتهم والتجاوب مع تطلعاتهم.
إن الأحزاب السياسية الوطنية معنية، قبل غيرها من الهيئات المدنية والجمعوية، بتوفير ظروف التعبئة والتأطير لإنجاح استحقاقات المرحلة، عن طريق توفيق برامجها وتدخلاتها مع هذه الاستحقاقات، أو عَبْرَ تقويم المخططات والمشاريع والأوراش، والمساهمة في إرسائها وتتبعها ومواكبتها، وفتح النقاش حول سبل إنجاحها، أو من خلال إفراز النخب الجديدة وتأطيرها وتأهيلها لتكون في مستوى المتطلبات السياسية للمرحلة، وعلى رأسها تجديد الخطاب السياسي والمشاريع السياسية، وتغذية الموارد البشرية الحزبية بالأطر والكفاءات المدربة والمؤهلة للعمل السياسي، ولتحمل المسؤوليات في مختلف المناصب السياسية والإدارية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

باب سبتة.. سيدة تصفع جمركيا مغربيا (فيديو)

رسالة 24 – رشيد عبود ...