الرئيسية / فن وثقافة / خواطر لا تسر الخاطر…

خواطر لا تسر الخاطر…

رسالة 24 ـ أحلام لقليدة//

شعارات وملصقات وصور وهتافات على إيقاع أهازيج راقصة.. بدون حمولة فكرية ولا رؤية واضحة، ولا قناعة شخصية تنسجم فعلا وقولا، قلبا وقالبا، مع الحدث الذي يبقى أسمى من كل أشكال المزايدات.. فالوطنية أكبر وأعمق بكثير من تلك الشطحات، التي يعلم الغائب والحاضر مبتغاها ومراميها الحقيقة.
الوطنية أكبر من أن نغلق بوابات وشوارع الغربة لنقول حيا على الوطن.
…….

الوطن أكبر من تلميع صورة بيتك النظيف، وإفرازات الزمن، ليرمى كزائدات مثلما يرمى العفن في البحر أو في مستنقعات الوقت الميت. أن تكون وطنيا، عليك أن تكون قد استيقظت قبل الفجر لتقف في طوابير بالمؤنث والمذكر، وفي صفوف “الموقف” في انتظار رزقك ورزق أسرتك الذي قد يأتي ولا يأتي.. عاملات بيوت ..عمال بناء وفلاحة ومناجم وكل ما قد يجلب مكسبا ماديا ولو بسيطا لتأمين كسرة خبز. أن تكون وطنيا عليك أن تصارع الحياة من أجل تذكرة حافلة للجامعة.. وفوطوكوبي لكتاب باهظ الثمن.

أن تكون وطنيا عليك أن تتذوق مرارة الألم على أبواب المستشفيات «الهمومية» وفي طوابير الانتظارات القاتلة أمام أبواب المستعجلات دون جدوى.

أن تكون وطنيا عليك أن تركب البحر ليلا في قوارب الموت.. وأن تودع والدتك وتطلب رضاها وأنت تكفكف دموع الشوق.

أن تكون وطنيا وأنت تتصفح يوميا الجرائد لتبحث عن دليل لوظيفة ما، قد تخرجك من البؤس وأنت تعلم مسبقا أن الإعلان مجرد إجراء روتيني إداري للإعلام فقط لاغير. وهي المقاعد المحجوزة سلفا، لثلة من المحظوظين و ما جاورهم …

أن تكون وطنيا عليك أن تتكيف مع صقيعية الجبال والسقف من خشب، والمطر يسقي حلمك لتستيقظ باكرا كي تتفقد محفظتك المبتلة و تراجع دروس الأمس ومادة التاريخ التي تقفز بك إلى الماضي البعيد، دون ملامسة حاضرك وحاضر أجيال سيكتب يوما بطرق مختلفة قد لا تتاح لك حتى الفرصة لقراءته…

أن تكون وطنيا متشبعا بروح التغيير والتقدم وتتطلع في كل استحقاق انتخابي جديد إلى وجوه جديدة برؤى وفكر متجدد، قادر على مسايرة الركب الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العالمي وتغيير الأوضاع نحو الأحسن، لكن دون جدوى.

أن تكون وطنيا صادقا وأنت تغالب دموع القهر والحاجة في صمت وتدافع عن الوطن بشراسة ضد العدو، والتصدي بأرقى الأساليب لكل متطاول على شبر أو رمز من رموز الوطنية والوطن.. وليس بقرع الطبول والنفخ في المزامير بفضاءات جرداء، بأهازيج لا تطرب حتى عازفيها، من المتحلقين حول بعضهم..

أن تكون وطنيا عليك أن تستمد نبضك من روح أرضه وجباله وبساطة ناسه، ونفوسهم الأبية الشامخة، شموخ الوطن الذي نحب…

…..

ليسدل الستار.. ويخرج المتحلقون المتهافتون..من البوابات الخلفية الضيقة.. كل من في القاعة سرعان ما يختفي، إلا الوطن يظل هنا و هناك شامخا. وهو ينظر إلى المُخرِج يغادر متسللا في ظلمة الوقت.. ليظل الكومبارس يعيد اللقطات والمشاهد كالشارد المتسلل إلى النص محاولا إعادة الحكاية من بدايتها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

اعتماد مسطرة الانتقاء الأولي لاختيار المترشحين لولوج أسلاك الشرطة

أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني ...