الرئيسية / رأي / مغرب 2019.. انتصارات وانكسارات

مغرب 2019.. انتصارات وانكسارات

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس //

لعل أبرز ما طبع السنة الميلادية التي نودعها، بالنسبة للمغاربة، وشكل مفخرة لهم دوليا وإقليميا ووطنيا، هو الانتصارات القوية والمكثفة والمتواصلة للدبلوماسية المغربية التي استطاعت ترجمة الرؤية الملكية لعلاقات المغرب الدولية، وتدعيم الموقع المغربي الريادي على الصعيد العالمي، وتسطير أروع الصفحات في الاستماتة إقناعا وحوارا ودفاعا عن الوحدة الترابية للبلاد، خصوصا في القارة الإفريقية التي طوت فيها الدبلوماسية المغربية عقودا من سياسة الكرسي الفارغ، وأعادت المغرب إلى مقعده المستحق في المنتديات الإفريقية كشريك متميز في تثبيت الوحدة الإفريقية، والتصدي لمظاهر التفكك ونزعات التفكيك التي حالت دون انبثاق إفريقيا جديدة وقوية ومؤثرة. فثمار هذه الأعمال الدبلوماسية الجبارة التي أطلقها جلالة الملك في السنوات الأخيرة، صارت أكبر من أن تحصى، وساهمت في وقت وجيز في تصدر المغرب الحدث الإفريقي بتميز الحضور والأثر، وترؤس منتديات وملتقيات ذات طابع اقتصادي واجتماعي وتنموي وأمني، كان على رأسها رئاسته لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، وتمتعه بدعم الأغلبية الساحقة من الدول الإفريقية لمسارات الحل السياسي التفاوضي للنزاع حول الصحراء المغربية، بعد تأكيد المنتظم الإفريقي على جعل النظر في ملف النزاع اختصاصا حصريا للأمم المتحدة، الأمر الذي يعد من أكبر الانتصارات المغربية التي شكلت ضربة قاضية للمساعي العدوانية لإقحام المنتظم الإفريقي في مؤامرة اختلاق مسارات أخرى لحل النزاع بإطالة ذيوله والتشويش على المفاوضات وإفشالها.
من ثمار هذا التوجه الدبلوماسي المغربي الجديد الذي يستدمج داخله الرؤية الملكية الناظمة والرائدة، والتاريخ العريق للمغرب في الحوار الحضاري والانفتاح على الاختلاف والاحتكام إلى الشرعية وإلى قواعد السلام والتفاهم، والتعاون القاري والدولي، أن عددا من الدول في إفريقيا وفي أمريكا اللاتينية، التي كانت معدودة إلى وقت قريب ضمن المعاقل التقليدية للأطروحة الانفصالية، قد سارعت إلى سحب اعترافها بالكيان الانفصالي، حيث ارتفعت في السنة التي ودعناها أعداد الدول التي انخرطت عن اقتناع في سحب أي تضامن أو اعتراف أو علاقة مع العصابة الجاثمة على صدور الشعوب والدول المغرر بها في فترات الابتزاز السياسي والإيديولوجي وفي سياق الحرب الباردة القديمة، ومن المنتظر بناء على الاكتساح الدبلوماسي المغربي المقنع والعقلاني لمعاقل العدوان على بلادنا، أن يرتفع منسوب عودة الوعي والروح إلى كثير من البلدان والدول التي يحتفظ لها المغرب بمكانتها الاعتبارية في تاريخ علاقاته وصداقاته وذكريات الكفاح المشترك من أجل التحرير والاستقلال والوحدة والتعايش. هذا دون أن ننسى المعركة الضارية والشرسة التي انتصرت فيها الدبلوماسية المغربية خلال سنة 2019، بتجديد اتفاقية الصيد البحري والفلاحة مع الاتحاد الأوروبي، التي قاد خصوم وحدتنا الترابية كل المناورات من أجل استثناء تراب ومياه الأقاليم الصحراوية الجنوبية من الاتفاقية، فتجددت الاتفاقية على أساس شمولها كل منتجات التراب والمياه الوطنية من طنجة إلى الكويرة، حيث تفوقت القوة الإقناعية للمغرب بعد سلسلة من الحوارات والاستشارات التي ساهم فيها أبناء الأقاليم الصحراوية في فرض تمثيليتهم الانتخابية والانتدابية للساكنة، التي اعتبرت المغرب كله هو الممثل الشرعي الوحيد لمصالح ساكنة الأقاليم الصحراية، بناء على واقع الحال، وعلى المؤسسات الديمقراطية المنتخبة في هذه الأقاليم، في استحقاقات انتخابية أثبتت المراقبة الدولية مصداقيتها وشفافيتها ونزاهتها.
من الانتصارات الكبرى التي حققتها بلادنا على الصعيد الدولي خلال السنة المنصرمة، تحولها إلى قبلة للمؤتمرات والملتقيات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والأمنية، والتي عُولجت فيها كثير من القضايا والإشكالات الدولية المتقاسمة والمتعلقة بالتنمية والمناخ والهجرة والإرهاب والسلام، وأسفرت عن قرارات وتوصيات ومخرجات صارت مرجعية دولية يؤرخ بها، بذل المغرب قصارى جهده في إنجاحها وتيسيرها وقيادتها. هذا دون أن ننسى الوقع الكبير الذي خلفته الزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان إلى المغرب والتي حظيت بتغطية إعلامية دولية مكثفة، كما شهدت استثمار المغرب لها في تعزيز موقعه المتقدم في حوار الأديان واحترام العقائد وثقافات الشعوب والنأي بها عن الاستغلال الإيديولوجي في نسف التعايش والتعارف، وكان خطابا كل من القائدين الروحيين أمير المؤمنين وقداسة البابا، وكذا نداء القدس الموقع في حضورهما، بالغ الأثر في الانعطاف نحو غد أفضل للسلام ونشر قيم العدل والخير، والتنبيه إلى حتمية المسير إلى المصير المشترك في تدبير الاختلاف العقائدي والثقافي بين المؤمنين بالأديان على أسس حضارية جديدة.
علامة أخرى فارقة شكلت مفخرة لبلادنا في سنة 2019، لا تخطؤها العين الوطنية والدولية، هي جهازنا الأمني الوطني الذي أثبت في تدخلاته المتواصلة خلال السنة المنصرمة في مكافحة الإرهاب والتصدي لكل مخططاته الخارجية والداخلية، فعالية الاستراتيجية الاستباقية التي تبناها وأرساها، حيث جنب البلاد كوارث ومفاسد عظيمة، وجنب بُلْدَانًا ودُوَلاً حمامات دم كان مخططا لها، فكانت العين الأمنية اليقظة لها بالمرصاد، ولا داعي لإحصاء العديد من العمليات التدخلية والخلايا الإرهابية الخطيرة التي تم تفكيكها، ولا الملفات الإرهابية الدولية التي أسهمت المخابرات المغربية بقوة وريادة في معالجتها، حتى استحقت بتعاونها الباهر أن تنحني لها قامات وهامات الأجهزة الأمنية الدولية، وأن ترفع لها قبعات التحية والتوشيح والتنويه، والتي جعلت المغرب قطبا دوليا في ضمان الاستقرار والسلام والأمن الدولي، وصخرة صلبة تكسرت عليها قرون الإرهاب والتطرف والعنف والكراهية.
من المكتسبات الوطنية الهامة خلال السنة التي ودعناها، بكثير من الاعتزاز، الاستقطاب الكبير الذي عرفته القوات المسلحة الملكية لشبان وشابات لأداء الخدمة العسكرية في إطار التجنيد الإجباري، الذي تحول بفعل الإقبال الشديد عليه الذي فاق كل التوقعات، إلى تجنيد طوعي واسع، وتم الاكتفاء بسقف استدعاء ما يناهز 15 ألف مجند لهذه الخدمة الوطنية النبيلة والشريفة، حيث ذكرت مختلف عمليات هذه المبادرة الرائدة بأيام التعبئة للكفاح الوطني والمقاومة، وبحماس المتطوعين للمسيرة الخضراء المظفرة. هذا مع ما شهدته قواتنا المسلحة الملكية من تطوير وتجديد لعتادها العسكري، ولأدائها في السهر على حماية حدودنا الترابية وأمننا القومي، وتوسيع أعمالها الاجتماعية والخدماتية والصحية في كثير من المناطق التي حلت بها كوارث أو توترات على الصعيدين الوطني والدولي، أو ضمن قوات حفظ السلام، استحقت عليه أن تكون سفيرة خير وسلام إلى العالم.
لا شك أن التعبئة الملكية لتجديد النخب وتجديد النموذج التنموي، كانت عنوانا بارزا لنهايات السنة، فجاءت الدعوة الملكية لدعم التدبير الحكومي وإقالته من عثراته بتجديد مناصب المسؤولية، أعقبها تنصيب كفاءات حكومية جديدة، وتفعيل قرار إحداث اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي، بتعيين رئيسها وأعضائها من مختلف الكفاءات والمشارب، والتي شرعت في عملها بالقيام بعدد من الاستشارات والتشخيصات في انتظار رفع تقريرها في صيف العام الجديد.
إنها مجموعة من المكتسبات التي هي من جملة ثمرات انتصارات الجهود الخيرة والعاملة والتعبئة وراء جلالة الملك، شكلت علامات مضيئة في واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وطني منكسر، بسبب من خيبة انتظار الجماهير من الطبقة السياسية التي تراجع أداؤها، وتفاقمت اختلافاتها، وحولت تدبير السياسات العمومية إلى حلبة للتجاذبات والتعثرات، التي لطالما تم التنبيه إليها بدون طائل، وكانت سنة 2019، شاهدة على ضعف تنزيل العديد من المشاريع وتأخر في المصادقة على عدد من القوانين الحيوية. هذا فضلا عن توسع المظالم والاحتجاجات الاجتماعية التي كان أبرزها خلال السنة المنصرمة، الوقفات الاحتجاجية الكبرى للأساتذة المتعاقدين أطر الأكاديميات، التي طالت لشهور عديدة وأهدرت فيها طاقات وساعات عمل وحصص دراسية، كادت تسم السنة الدراسية الفارطة بالبياض.
لا نريد أن ننكأ الجراح باستعراض مسلسل مرير من تدبير ملفات تفشي البطالة وغلاء الأسعار وضعف الإنتاج والمردودية وتردي الخدمات وارتفاع المديونية الخارجية، فالأمل في السنة المقبلة لتكون محطة لاستثمار مكتسبات المبادرات الملكية وترجمة الانتصارات المحققة على الصعيدين الديبلوماسي والأمني في الواقع المعيشي للمواطنين، وفي دعم الثقة في استقرار الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجاذبة للاستثمارات، ولتكون السنة الجديدة أيضا سنة للتعبئة من أجل إرساء النموذج التنموي المغربي الجديد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مراكش.. فتح تحقيق في إقدام سيدة على محاولة إضرام النار في نفسها بالمطار

فتحت المصلحة الولائية للشرطة القضائية ...