الرئيسية / رأي / قمة برلين واتفاق الصخيرات

قمة برلين واتفاق الصخيرات

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

بدا اتفاق الصخيرات الموقع عام 2015 بين ممثلي أطراف النزاع الداخلي الليبي، مرجعية قوية للتسوية السياسية للأزمة الليبية، بما تمتعت به من مصداقية وتراض بين الليبيين، وما حف بها من مباركة دولية آنذاك، وما استبعدته من تدخل أجنبي في قرار الفرقاء الليبيين، وما حظيت به من مساعدة ودعم وإشراف مغربي حكيم متنزه عن الأغراض ومراع لمصلحة الشعب الليبي في بناء مؤسساته الوطنية وإطلاق مصالحات سياسية تنهي التوترات في هذا البلد الشقيق، قبل أن ينقلب عليها تجار الحروب والأسلحة، وتتدخل الأيادي الأجنبية في تغذية الاقتتال الداخلي، وإجهاض حلم الليبيين في الأمن والاستقرار وحماية ثرواتهم القومية من المتربصين بها، والساعين إلى السيطرة عليها واقتسامها.
وهاهي قمة برلين التي تمت في غياب شروط الاستشارة الموفقة، وفي غياب الاستناد إلى الأرضية السياسية التوافقية لاتفاق الصخيرات، واعتماد المقاربة المغربية الإشراكية، التي اعتمدت على إرادة الليبيين، تخرج ببيان قمة لثلة من الدول الأجنبية عن الإقليم والتي غاب عنها المغرب ودول من الجوار، وأهم من ذلك أنها تمت في غياب ممثلين عن الفرقاء الليبيين، لا يرقى إلى مستوى اتفاق الصخيرات، وأكبر هَمٍّ له هو مصالحة الدول المجتمعة المتدخلة في الشأن الليبي على خفض التوتر وعدم تصعيد الأزمة، هذا في الوقت الذي لا تزال المعارك في ليبيا مندلعة حول طرابلس، ولا زال الحل العسكري أو منطق الحرب هو وحده الذي يتكلم في الشوارع الليبية.
ليس الغرض مما ذكرناه التقليل من شأن مخرجات قمة برلين، بل الإشارة إلى هشاشة هذه المخرجات في إبعاد شبح الحرب المدمرة والانقسام الحاد في الصف الليبي بين الفصائل المتنازعة، وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه عند حدود مقبولة للأطراف الخارجية المغذية للنزاع، أي لا حل.
كانت ستبدو المشاركة المغربية وكذا الليبية والتونسية في مؤتمر القمة وازنة في تجويد وثيقة الحل السياسي، إذ ليس للمغرب خاصة أطماع في ليبيا وليست له أجندة أو صفقة مع أحد من أطرافها، اللهم إلا ما كان يرجوه من دعم الاستقرار الليبي وتشجيع الفرقاء الليبيين على التوصل إلى حل يجنب بلادهم كما يجنب المنطقة المغاربية ويلات الحروب المدمرة.
لقد وصفت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل نفسها، قمة برلين التي دعت إليها ورعتها، بأنها “خطوة صغيرة إلى الأمام”، في إشارة منها إلى عدم انتزاع شيء كبير ذي بال وفي مصلحة الشعب الليبي، من هذه القمة، اللهم إلا ما كان من تسوية بعض الخلافات داخل الدول المتورطة في تمويل الحرب في ليبيا وعلى ليبيا، والتعهد بالحد من مخاوف تدفق المهاجرين والإرهابيين على الحدود الأوروبية. وكأن الشأن الليبي الداخلي الذي يتطلب مساعدة الليبيين على حل خلافاتهم، لا يهم الدول الراعية للسلام في ليبيا أو التي تفرض نفسها كذلك، بقدر ما يهمها أن تعيد ترتيب توزيع أدوارها في الساحة الليبية، بما يجعل مصالح بعضها البعض بمنأى عن التصادم والاصطدام.
نتمنى أن تكون اللقاءات الدولية المقبلة بخصوص الأزمة الليبية، أكثر قدرة على الانفتاح على الحل السياسي للأزمة، المغيب في لقاء برلين، وتمتيع القرارات الدولية والاتفاقيات المبرمة بكل ضمانات تنفيذها والالتزام بتوصياتها وتعهداتها، وليس لأن هذه الدول غيبت مرجعية اتفاق الصخيرات، وغيبت التجربة المغربية الناجحة في تدبير اتفاق الحل السياسي التفاوضي بين الفرقاء الليبيين، ولا في تغييب الليبيين ودول الجوار، يمكن للصفقات الغامضة أن تكسب تأييد المجتمع الليبي والمغاربي والدولي، تلك الصفقات التي لم يرق لها ما تمتع به اتفاق الصخيرات من تعاطف شعبي ليبي ودولي، ومن مصداقية في اعتماده المقاربات التشاركية والحوارية بين أطياف النزاع الليبي، واستناده إلى المعايير الدولية والأممية في تسوية النزاعات السياسية وتأمين الاستقرار والأمن في تدبير انتقال السلطة إلى المؤسسات الديمقراطية في البلاد. فما القيمة المضافة لقمة برلين على ما تم إحرازه سابقا من تقدم في الحل السياسي المتوافق عليه بين الفرقاء الليبيين، قبل أن تطاله إجهاضات دول أجنبية مدت في ذيول الأزمة وأطالت في تعقيدها، وهي نفسها من يشارك عدد منها في لقاء قمة برلين؟ وهل بهذه الدول المتورطة في النزاع حتى النخاع، يمكن إحراز تقدم في الساحة الليبية لإبعاد شبح الاقتتال والحرب ونهب الثروات؟
إن إنعاش الأمل في الحل السياسي التوافقي بين الإخوة الليبيين، لا يمكنه أن يستقيم إلا باستبعاد التدخلات الأجنبية المغرضة التي كانت سببا قويا في إنهاك المفاوضات والحوار الداخلي الليبي، وفي الالتفاف على ما تحقق من نتائج إيجابية، وتوسيع رقعة الخلاف، فاستبعاد هذه التدخلات، التي هي جزء كبير من المشكل، هو الأقرب إلى الحل، مِن المساعي المغرضة والمبطنة لاستبعاد المشاركة المغربية الحاسمة لصالح مستقبل الشعب الليبي ومستقبل المنطقة المغاربية، وبغض النظر عن إشراك المغرب أو استبعاده، من المفاوضات حول الملف الليبي، ومن منطق مزاجي أو محكوم بخلفيات عدائية، فإن المغرب سيظل مضطلعا بدوره الإقليمي والعربي والإسلامي الكامل في مساعدة الأشقاء الليبيين على بناء دولتهم، ودعم الشرعية والحوار والتفاوض بينهم، والدفاع عن وحدتهم الترابية، في حياد تام عن التدخل في اختياراتهم السياسية لتدبير شأنهم الداخلي وإدارة ثرواتهم ومصالحهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هذه خطة الجمارك لتحويل سبتة ومليلية إلى ممرات شبيهة ب “المطار”

رسالة24 – رشيد عبود // ...