رأيمستجدات

شتم المستقبل

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه، هذا المثل هو خلاصة ما يستنتجه العام والخاص من ردود الأفعال الجزائرية السلبية والمتشنجة على اليد المغربية الممدودة التي لا تحتمل تأويلات مجانية وتشكيكية خارج إطار تنمية الفرص الإيجابية المتاحة أمام شعبين شقيقين وبلدين جارين متكاملين لتحسين علاقاتهما والاستفادة من التحولات الإقليمية والدولية لمصلحة الشعبين.

أغلب ردود الأفعال السياسية والإعلامية الجزائرية على خطاب مستقبلي ودود من أعلى سلطة في المغرب، هيمن عليها الصمم والعمى واستعادة ما أراد الخطاب الملكي تجاوزه من أحقاد موروثة وحوادث مؤسفة، فشوشت على التلقي الشعبي الجزائري لرسالة المغرب، والغريب أن متتبع ردود الأفعال الجزائرية المتعنتة، لا يلوي على سبب وجيه ومنطقي ومنسجم لهذا التعنت ولإيثار الجمود، بل المزيد من إقامة الحواجز وحفر الخنادق بين البلدين والتحذير من أي انفتاح أو مراجعة أو توجه إلى بحث سيناريوهات أخرى ممكنة لفتح صفحة جديدة أو للأمل في إعطاء إشارة ضوء في النفق المظلم للعلاقات بين البلدين والشعبين، ويكفي أن ننظر إلى تضارب وتناقض المغالطات والتضليلات التي رددتها وسائل الإعلام الجزائرية وبالبنط العريض على الدعوة المغربية الكريمة والسخية التي آثرت رغم العداء الجزائري الظاهر، أن تتوجه إلى المستقبل الواعد، وأن تضع نظام الحكم في الجزائر وطبقته السياسية أمام مسؤولياتهما التاريخية في استمرار الجمود وخلق بؤر التوتر ورفع منسوب الكراهية والعداء، كلما لاحت في الأفق بشائر الانفتاح والانتصار للخير وللاستقرار والأمن بالمنطقة وللمصالح المشتركة للشعبين الشقيقين. 

ونكتفي بإيراد صورة بائسة عن تضارب وتناقض هذه التضليلات والمغالطات في قراءة الرسالة الودية المغربية الواضحة المقصد في تحريك الغيرة على مصالح الشعبين المهدورة، والمعبرة عن نية حسنة لا يمكن لأي متجرد من عصبية أو عنصرية أو طائفية أو كراهية أو ضيق أفق، إلا أن يرحب بها مبدئيا بغض النظر عن التفاصيل والمحاذير والتخوفات، والصورة البائسة والمخزية المزدوجة والمتناقضة التي بثتها الصحافة الجزائرية والأذرع الإعلامية الإيديولوجية للمؤسسة العسكرية الجزائرية، يذهب طرف منها إلى أقصى درجات الحبور والفرح بتأويل اليد المغربية الممدودة على أنها إعلان من المغرب عن هزيمته وسقوطه وغرقه أمام الانتصارات الجزائرية الكاسحة، ومن ثمة دعت وسائل الإعلام هذه إلى مواصلة الصمود الجزائري بإحكام إغلاق الحدود وترك الجثة المغربية تتحلل وتغرق في طلبها ويدها الممدودة المستغيثة، ويذهب الطرف الآخر إلى أقصى دركات الفزع والترويع بتأويل اليد المغربية الممدودة على أنها إعلان ضمني عن الحرب ضد الجزائر، وأن ثمة شيئا ما يدبر في خفاء للتأثير في الجبهة الداخلية الجزائرية، وأن هذه اليد الممدودة يد مسمومة تروم استثمار الظروف الصعبة التي تجتازها الجزائر، وكذا التحالفات الجديدة للجار المغربي للهجوم على الجزائر وإسقاط قلعة الصمود والمقاومة والتحرير في المنطقة، وتشتيت الصف الداخلي وإشعال نار الفتنة في الجزائر.

 بهذه الصورة المتطرفة والمغرقة في التناقض بين ادعاء الفرح وادعاء القرح في آن، خلطت العصابة العسكرية والإعلامية المتحكمة في رقاب الأشقاء الجزائريين المشاعر والأحاسيس وشوشت على تلقيهم للدعوة المغربية التي هي تارة عندهم استغاثة واستجداء، وتارة أخرى مؤامرة واستهداف، فأتلفوا بهذا الغباء الهدف النبيل للرسالة المغربية، وأتلفوا في الآن نفسه نفوسهم وعقول العامة والخاصة ممن تباروا في الإدلاء بتعليقات وتصريحات لوسائل إعلامهم على مواقع التواصل الاجتماعي، كلها تطاول على المغرب ملكا وشعبا وأرضا، لم تكتف بالسباب والشتم والقذف، بل توسعت إلى قيادة حملة تشكيكية ضد أي خطاب ارتياحي واستحساني للنداء المغربي ولليد الممدودة. 

نحن هنا لا نتداول الردود الغبية السلبية الصريحة للمؤسسة العسكرية الجزائرية في مجلتها التي قادت حملة آثمة هجومية على المغرب بدأت من الخوض في سيادته والتدخل في علاقاته الديبلوماسية، وانتهت بوصف المغرب بالدولة الاستعمارية والعميلة، والشعب المغربي بالمأزوم والمستعبد، ولا نتناول الردود الباهتة والباردة والاستفزازية للرئيس الجزائري والرافضة لليد الممدودة، بل نعرض لآراء وتدخل نخبة من المحللين السياسيين والمثقفين والإعلاميين ممن تصدروا الصحف والشاشات الجزائرية والعربية، فأبانوا بشهادة كل منصف ومحايد ومتجرد، عن ضعف كبير في التلقي وغباء لا حدود له في تحليل المضامين الصريحة وحتى الإشارات الضمنية للخطاب الملكي في الحديث عن المغرب، وكشفت مصطلحاتهم البئيسة المستعملة في الحديث عن المغرب ونعته،  أو الحديث مع زملائهم المغاربة المشاركين لهم في البرامج الحوارية والإخبارية على الهواء، عن مقدار ما تكلس في أذهانهم من أحقاد وما دفن في قلوبهم من بغضاء وشر مستطير. 

لقد أبانت المواجهات الحوارية الإعلامية المباشرة مع عدد من المحسوبين على المحللين السياسيين الجزائريين عن حاجة العقل السياسي والأخلاقي الجزائري إلى مزيد اجتهاد واشتغال على النفس لتجاوز عُقد التفوق والسيطرة والهيمنة واحتقار الآخرين، والتي يلحظها عدد من معدي ومسيري البرامج الحوارية ومقدمي الأخبار في وسائل الإعلام العربية والأجنبية وفي مواقع التواصل الاجتماعية، ويستغربونها ويشمئزون منها، ويتحاشون إطالة الوقوف عندها. 

إن أهم ما تكشف عنه الدعوات المغربية المتواصلة إلى فتح الحدود بين البلدين وبين الشعبين الشقيقين، وفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الدولتين، مقابل التعنت الجزائري المتواصل هو بؤس هذا العقل السياسي والأخلاقي الذي أنتجته سنوات من دس وتسميم وتضليل العصابة الحاكمة في قصر المرادية، والتي أثبتت أنها لم تحتكر ثروات الجزائريين ولم تبددها فحسب، وإنما احتكرت حاضرهم ومستقبلهم، وبددت آمالهم في الإصلاح والمصالحة، وأفسدت عقولهم، وحشت نفوس المغرر بهم بالكراهية والبغضاء، وجعلت الرهان على فتح الحدود، وحل الأزمة بين بلدينا، رهينين بفتح العقول المسدودة والقلوب المغلفة والمشمعة والآذان الصماء، ولعل الشعب الجزائري في ما سيراه مستقبلا من انفلات الزمام من أيدي العصابة التي تمسك بخناقه وتتلاعب بمشاعره الوطنية أن يدرك بأن المغرب لا يضمر له إلا كل خير، وأن خطاب ملك المغرب بكل ما يحمله من نداء وجرأة وشجاعة ومشاعر الود والإخاء وحسن الجوار إنما يفتح أفقا واسعا ورحبا في العلاقات الأخوية المستقبلية بين البلدين، ولا صلة لهذا النداء بما تروج له العصابة المخربة بفتحها الدائم والمتواصل للجراحات، ووقوفها المشبوه عند أحداث التوتر العابرة والمعزولة وجمودها وجحودها لليد الصادقة الممدودة لإنقاذ العلاقة بين البلدين من المهالك، وليس إنقاذ المغرب من أزمة أو سقوط، في الوقت الذي يشهد فيه نهضة كبرى، وتحكما في التحديات التنموية والإكراهات الظرفية والتداعيات الوبائية، باعتراف القاصي والداني.

أما العصابة الحاكمة المتمادية في تطاولها واستكبارها وتضليلها للبسطاء، وحشدها لفيلق من عملائها وشركائها من نخب دعائية مخربة تدور في فلكها، وتشتم مستقبل المنطقة والأجيال الجديدة، فإننا ندعها لمصيرها المؤلم الذي تَجلد به شعارات حراك الشعب الجزائري ظهورها صباح مساء: “دولة مدنية لا عسكرية” “ترحلوا يعني ترحلوا” “يتنحاو كاع“. هذا المصير الذي نؤمن بأنه هو وحده الذي سيتكفل بدفن هذه الوجوه الكالحة الخارجة من قصص الأهوال والرعب والفتن والملاحم، ويدفن معها إلى غير رجعة كل الأحقاد والكراهيات التي استنبتوها غصبا من بين الدماء الوحدوية المشتركة لشعبينا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock