آخر أخبارحديث الأربعاء
أخر الأخبار

الواقع الذي لا يرتفع والوهم المتبخر

رغم أن التقرير الأخير للأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش المقدَّم إلى مجلس الأمن بشأن وضعية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، قد عبر عن تخوفاته بخصوص ما أسماه بالتدهور الكبير خلال العام الماضي في مسار التهدئة بالمنطقة، جراء تصاعد الأعمال العدوانية، وتهديد مفاوضات الحل السياسي بالانتكاس، محملا أطراف النزاع مسؤوليتها كاملة في تحصين مكتسبات المفاوضات، وعدم الرجوع إلى الوراء ونقطة الصفر، فإن المعطيات التي قدمها تشير في تفاصيلها وحيثياتها والوقائع التي سردها إلى وجود تقدم مبهر في التنمية  وتوطيد الاستقرار والأمن في الصحراء غرب الجدار الأمني، مقابل التوتر المحدث في شرق هذا الجدار.

فماذا يعنيه التقرير من سرده لوقائع التوتر والتصعيد والأعمال العدائية والانتكاس بالحل السياسي خلال سنة، المعلوم من افتعلها وأججها وأعلن من جانبه التخلي عن الالتزام بوقف إطلاق النار، والدعاية للحرب وقطع الطريق، وما إلى ذلك من جر المنطقة برمتها إلى مطبات وخيارات خارج الرعاية الأممية لمسلسل الحل السياسي المتوافق عليه، مقابل تعبير التقرير ضمنيا وصراحة عن ارتياحه وإعجابه بالجهود المبذولة لإرساء السلام والاستقرار، ومد الطرقات وتأمينها، وإنشاء البنى التحتية والموانئ، وخلق فرص الاستثمار والتعاون الدولي بالصحراء المغربية، وهي الفرص التي أشار التقرير إلى استفادة ساكنة الأقاليم الجنوبية منها ومن حصيلتها، التي سلط الضوء عليها بتفصيل عند استعراضه للمنجزات الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة في عدد من المشاريع الاستثمارية الكبرى والشراكات الاقتصادية الدولية، وعند استعراضه أيضا للمنجزات الدبلوماسية المتحققة على أرض الواقع الصحراوي والمتمثلة في فتح قنصليات وتمثيليات دبلوماسية لعدد من دول العالم بها، قدمها التقرير بالإحصاء والتفصيل.

ماذا يعنيه هذا التقابل وهذه المقارنة إن لم تكن تطورا في الخطاب الأممي في اتجاه تكريس واقع تنمية الصحراء بالجهود المغربية والجهود الدولية واعترافا اقتصاديا ودبلوماسيا بالحل السياسي الذي يكون في مصلحة الجميع وفي مصلحة أبناء المنطقة، وهو الحل الذي يتطلع إليه المجتمع الدولي ويباركه ويشيد فيه بالمبادرة المغربية التي تقدمت بصيغته المثلى والوحيدة المقدمة على طاولة المفاوضات، وهي مقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، والموصوف في كل القرارات الأممية الأخيرة منذ أزيد من عقدين من الزمن، وفي تقارير أمنائها العامين بما فيها تقرير غوتيريش، بالواقعية والجدية والمصداقية والقابلية للتطبيق والتوافق بشأنه.

هل استعراض الأمين العام للأمم المتحدة للمنجزات المغربية والاستثمارات الدولية على أرض الواقع في الصحراء المغربية، لا تعني شيئا خارج توثيق لما يجري غرب الجدار الأمني؟ بينما عبارات الوصف والتوثيق تشي بأن ثمة إشادة بمظاهر التطور التي تشهدها الأقاليم الصحراوية المغربية المنازع فيها، وردٌّ غير مباشر على حيثيات حكم محكمة العدل الأوروبية التي تجاهلت هذا الواقع التنموي القائم على قدم وساق في الصحراء المغربية، والذي يستقطب الدبلوماسية الاقتصادية والسياسية الدولية إليه، في اعتراف أو شبه اعتراف أو تهيؤ للاعتراف الكامل بسيادة المغرب على أرضه ومياهه الإقليمية الجنوبية، تلك المحكمة الأوروبية التي ليس من صلاحياتها واختصاصاتها أن تفتي أو تحسم في وضع هذه الأقاليم، أو في إسناد مهمة تمثيلية حصرية للعصابة الانفصالية لساكنة الصحراء وأبنائها، أو حتى في قانونية الاستثمارات والشراكات الدولية التي تتوجه إليها، فمركزية ومحورية وحصرية المنتظم الأممي ومؤسساته وأجهزته في متابعة مسلسل التسوية السياسية، ومراقبة الوضع وتأمين مصالح الدول والساكنة، لا تدل في مفهومها ولا في منطوقها على شطب وإلغاء وفسخ الاتفاقيات والشراكات والمشاريع التنموية والمصالح المتبادلة، إلى حين الفصل في تسوية النزاع مع مفتعليه.

فإذا كان القرار الابتدائي لمحكمة العدل الأوروبية قد أملته اعتبارات سياسية مؤقتة وعابرة، ذات صلة بالشأن الداخلي الأوروبي ونزاع المصالح المتضاربة للدول المشكلة للاتحاد الأوروبي الهش والمتفكك أصلا، فإن تقرير الأمين العام للمنتظم الأممي قد أخذ علما بهذه الاعتبارات، وأقحم في تفاصيل تقريره فقرات وتلميحات إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المضي في مسار رعاية المصالح المتبادلة والنتائج المحققة على أرض الواقع، والإنصات العميق لما تمليه الاعتبارات الواقعية والتوجهات المستقبلية لتصفية ملف النزاع حول مغربية الصحراء، وهو ما أغفلته حيثيات الحكم الابتدائي لمحكمة العدل الأوروبية، في رجوعها بملف النزاع إلى الوراء، وسرد وقائع وأحكام تجاوزها واقع الحال، الذي يمضي في اتجاه الإقبار التدريجي لوضع الجمود وللخيار غير الواقعي والفاشل لما يسمى باستفتاء تقرير المصير، الحامل لكل بذور الدس والتزوير والإقصاء التي شابت تجربة إطلاقه وانطلاقه، قبل أن يسقطه المنتظم الأممي من أجندته وقراراته.

وبيْن معاكسة خط المستقبل في القرار الملتوي لمحكمة العدل الأوروبية، ومسايرة هذا الخط، وبحث مساراته ودعمها، والحفاظ على مكتسباته في تقرير الأمين العام للمنتظم الأممي، يمكننا أن ننتظر من الدول الأوروبية الشريكة، في استئنافها لحكم محكمتها، أن تعيد مرة أخرى، كما فعلت في صيغ اتفاقية الصيد البحري والفلاحة السابقة، الأمور إلى نصابها، وتسترجع سيناريو تثبيت اتفاقيات الفلاحة والصيد البحري، وتعلن من جديد عن انتهاء المسرحية القصيرة، التي باع فيها الحكم الابتدائي لمحكمة العدل الأوروبية أملا كاذبا ومغشوشا للعصابة الانفصالية في تيندوف، ولجنيرالات الحرب الحاكمين في النظام الجزائري، سوقته داخليا كانتصار تاريخي مدو لـ “القوة الإقليمية الضاربة” رأسها على الحدود، بهدف إسكات الجوعى واليائسين والمحتجزين في المخيمات، ومناولتهم حبوب منع اليأس، فيما يسمح هذا الحكم من جهة أخرى للاتفاقية المغربية الأوروبية باستمرار مفعولاتها وآثارها إلى حين تهييء أرضيات قانونية جديدة وصدور الحكم النهائي تزامنا مع انتهاء آجال الاتفاقية، وبحث إمكانات تجديدها، لتتكرر متاهات الابتزاز والمناورة إلى ما لا نهاية، ما لم يضع لها الاتحاد الأوروبي ومؤسساته التقريرية والتنفيذية والتشريعية والقضائية، بما فيها محكمة العدل، نهاية عادلة وواضحة تسمي الأشياء بمسمياتها، وتقطع مع مسرحية “الذيب حلال الذيب حرام”، ومفارقة “نعم للاتفاقية لا للاتفاقية”.

وفي انتظار ذلك، فإنه وتوافقا مع جوهر وروح تقرير الأمين العام للمنتظم الأممي، فإن أعمال التشييد والبناء والربط ومد الشبكات الطرقية، وإنشاء الموانئ الكبرى، وجلب المشاريع الاستثمارية والتجارية، وتوقيع الاتفاقيات والشراكات، وفتح القنصليات والتمثيليات الدولية بأقاليمنا الصحراوية المسترجعة، ستتواصل بشكل سريع وقوي وفعال وجذاب للدول والمقاولات للالتحاق بركبها، ولا يقف ولن يقف في وجهها أي عمل تخريبي دعائي، أو تيار جنوني منتحر، يُدفن حيث انطلق وتحرك، ولو حصل من محكمة العدل الأوروبية على ضوء أخضر باهت يوضع كإكليل على قبره، وكعزاء وحيد للممسكين بخيوطه الواهية في قصر المرادية، إلى أن يجرفهم تيار الوحدة والشرعية والسلام والاستقرار إلى مجاري الصرف الصحي للمياه العادمة.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock