آخر أخبارسياسة

خبيرلـ”رسالة “24: الزيارة الاسبانية…تدشين لسياسة جوار جديدة بين البلدين

تعبق زيارة الرئيس الحكومة الاسبانية للمغرب بحمولات دلالية عميقة سواء فيما يتعلق بالدلالات السياسية القوية أو الدلالات الجيو استراتيجية، إن على المستوى المتوسط أو البعيد. هكذا وصف عبد النبي صبري أستاذ العلاقات الدولية هذه الزيارة النوعية  للمغرب في تصريح لـ”رسالة”24.

فعلى مستوى الدلالة الزمنية، فهي تصادف مرور سنة على الذكرى المشؤومة المتمثلة في استقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو بهوية و جواز سفر مزورين. و هذا ما أظهر آنذاك مستوى التقهقر و الانحدار المبتذلين الذي بلغته منظومة القيم التي ما فتئ الاتحاد الأوروبي و على رأسه إسبانيا التشدق و التغني به، و الذي أصبح جليا بعد ذلك السقوط المدوي في مغبة استقبال رجل ذو جرائم يعرفها القاصي قبل الداني.

و في هذا السياق، يذكر صبري برد الفعل المغربي الذي تموقف بشكل حاسم و على جميع الأصعدة: ديبلوماسيا، بسحب سفيرة المغرب باسبانيا. و اقتصاديا، بتغيير مسار دخول الجالية المغربية من إسبانيا إلى منافذ أخرى، و هي العملية التي كانت تضخ عائدات مهمة لماليتها. هذا التموقف الحاسم توج بتجاهل الحديث عن الخلافات مع إسبانيا في الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش المجيد الماضي. لكن، و في ذكرى ثورة الملك و الشعب، أكد الخطاب على تتبع المغرب لخيوط العلاقات المغربية الإسبانية في أدق تفاصيلها، كما أكد على وجوب فتح صفحة جديدة لتقوية مسارات التعاون بين البلدين. هذا الخطاب الذي كان أساسيا وجهت عبره رسالة واضحة إلى إسبانيا و من خلالها إلى كافة الدول، حجر الزاوية فيه هو عدم الاتفاق مع أي بلد لا يحترم سيادة المغرب على ترابه.

 و يشير صبري إلى أن هذه الرسالة استوعبها الإسبان جيدا، و فهموا من خلالها أن قيام علاقات تعاون بين البلدين في هذه الظرفية الحساسة سيساهم في تقوية أواصر التعاون على كافة المستويات اقتصاديا و سياسيا و سياحيا…

ويسلط أستاذ العلاقات الدولية الضوء على المستجد و المتغير الجديد الذي طفا على السطح و الذي جعل العالم عامة يعيش مشاكل جمة، و المتمثل في تداعيات أزمة أوكرانيا خاصة  على الداخل الأوروبي، فإسبانيا تريد حدودا مفتوحة مع المغرب، و من خلاله الحضور في إفريقيا، ناهيك عن كونها تريد أن تعزز تعاونها و مكانتها مع دول أمريكا الجنوبية، بأن تكون الواسطة الحصرية للمغرب في هذه البلدان، خاصة و أن أغلبها غيّر موقفه من الصحراء لصالح المغرب.

ويستطرد، صبري أن الدلالة الاقتصادية لا تقف عن هذا الحد و حسب، بل إن التعاون على هذا الصعيد رهين بحل ملفات شائكة مطروحة على الطاولة، فلا بد من دراستها بشكل يضمن التعاون الحقيقي بين البلدين على رأسه التعاون الأمني فيما يخص محاربة قضايا الإرهاب و التطرف و الهجرة خاصة و أن إسبانيا بوابة أوروبا. فالمغرب أكد بوضوح، و منذ سنوات، عدم إمكانه لعب دور دركي أوروبا، و بالتالي فزحزحة هذه القضايا نحو  الحل لا يستقيم إلا بربط ما هو أمني بما هو تنموي.

هذا التحول الجديد في بنية العلاقات المغربية الإسبانية دشنته رسالة العاهل الإسباني إلى جلالة الملك محمد السادس، و التي بلّغ مضمونها، عبر اتصال هاتفي، رئيس الحكومة الإسباني. فهي ترسم ملامح تعاون شامل و متعدد الأبعاد، و على مستوى جميع القطاعات الوزارية: التعليم، الصحة، السياحة، التجارة، الخدمات، النقل الجوي، تأهيل المقاولات و الشركات العمومية المغربية، على مستوى الجماعات الترابية، و مؤسسات الحكامة… و هو ما يعطي الانطباع أن لسان حال إسبانيا، بتدشينها لهذه الصفحة الجديدة، يقول : علاقات جيدة مع جار مستقر في محيطه و في قراره خير من المقامرة مع نظام وهمي عسكري لا تؤدي العلاقة معه إلا إلى المشاكل. و بالموازاة مع ذلك، يؤكد المغرب، من جانبه، أن العلاقات الثنائية يجب أن يسودها روح الصدق في المعاملات و الصراحة في المواقف و تبادل التشاور و وجهات النظر بنِدّية، و الابتعاد عن المواقف الأحادية و النظرة الضيقة التي طبعت سابقا كثير من المجالات ذات الاهتمام المشترك. هذا التحول المهم، تعبر فيه إسبانيا، و لأول مرة، عن اعترافها بمسلسل الحكم الذاتي في قضية الصحراء المغربية، خاصة التحول في الموقف الراديكالي للحزب الاشتراكي، و الذي انظم مؤخرا إلى الاتفاق على صيغة الحكم الذاتي و الذي سيتم المصادقة عليه في البرلمان، باعتباره الآلية المنطقية و الواقعية الوحيدة و المقبولة للحل، و ستسقط إسبانيا بذلك من جهازها المفاهيمي عبارة استفتاء تقرير المصير و الدليل على ذلك هو تزامن الزيارة الإسبانية مع يوم المصادقة بالبرلمان الإسباني.

قصارى القول، يعتبر صبري أن العلاقات المغربية الإسبانية لن تعود إلى سابق عهدها بل ستنفتح بشكل أكبر و أرحب بتعاون ثنائي شامل لجميع المجالات ملؤه شراكات فعلية، تشاور دائم، فتح الحدود مع سبتة و مليلية، عودة المياه إلى مجاريها في عملية عبور المهاجرين المغاربة، ضخ استثمارات و رساميل إلى المغرب و عبره إلى إفريقيا، و إلى إسبانيا و بواسطتها إلى دول أمريكا اللاتينية، فسياسة الجوار الجديدة هذه ستؤدي إلى ربط علاقة رابح رابح التي ستعود بالنفع على البلدين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock