آخر أخبارحديث الأربعاء
أخر الأخبار

العابرون

يبدو أن كثيرا من دول العالم ومعها المؤسسات والمنظمات العالمية صارت تحذو حذو المغرب في التعامل بتجاهل وترفع مع الحالة المرضية الهستيرية المزمنة لما يسمى بالديبلوماسية الجزائرية، في ردود أفعالها المجانية والمجانبة للياقة وللأدبيات السياسية في العلاقات بين الشعوب والدول، والمنافية للمروءة ومبادئ الاحترام المتبادل والمفروض في المخاطبات الدولية. وبات المجتمع الدولي يدرك يوما بعد يوم وأمام تسارع أحداث السقوط الديبلوماسي الجزائري وكثرة تخبطاته، حجم الإساءة البالغة التي ارتكبتها وترتكبها هذه الديبلوماسية في حق جوارها الإقليمي، بما تبثه من كراهيات وتعنتات وتهييج وتحريش بين شعوب المنطقة المغاربية والمتوسطية والإفريقية، فكل تحركاتها هي للتحريض والسب والشتم والتشويش، وقطع العلائق واختلاق العراقيل والعقبات والوقوف سدا في وجه التنمية والتعاون والشراكة.

إن التجاهل المغربي والدولي للسلوكات الاستفزازية الجزائرية لمحيطها الدولي التي صارت نموذجا للاديبلوماسية في الزمن الراهن، مرده إلى أمور منها:

ـ أن هذه الديبلوماسية لا تملك ذرة من الاحترام لمهامها السلمية والحوارية والتفاوضية، التي تفرض عليها بموجب الأدبيات الديبلوماسية الدولية المقررة، أن تجنح إلى الهدوء والحكمة في تدبير علاقات بلادها وشعبها مع بلدان وشعوب العالم، ومعنى ذلك أن مشاركة هذه الديبلوماسية شطحاتها وانفعالاتها المنحطة وردود أفعالها الضاربة في الغموض والتناقض واللامعقول، هو في حد ذاته سقوط في الرداءة وانجرار إلى هذه الحالة المرضية والجنونية المعدية. فالمعروف في العمل الديبلوماسي الناضج والقوي لأي دولة، مهما كان نزاعها مع أي جهة كانت، أن هذا العمل محكوم بضوابط أخلاقية في المعاملة وحدود تصونه من العبث والتنطع، وبرعاية دقيقة للمصالح والتزام بالمعاهدات والاتفاقيات، الأمر الذي نجد أن هذه الديبلوماسية الجزائرية قبل غيرها من أي جهة داخلية جزائرية، أول من يسارع إلى تسفيهه وضربه وإفساده.

فالديبلوماسية قبل أن تكون ترجمة للسياسة الخارجية للبلد، هي فن في إدارة التواصل والحوار والتفاوض ومراوغة مطبات الحروب والقطائع ما أمكن، ومساعدة البلد على تحسين وضعه في العلاقات البينية الدولية. فقد صار مألوفا من الديبلوماسية الجزائرية أنها أول المقاطعين والقاطعين للروابط والمصالح المتبادلة، وأول المحرضين على الخصومات، وأول متعجل للانغماس في التوتر وتعميق الخلاف وسد أبواب الحوار، أي أول من يدق طبول الحرب في زمن البحث عن فرص السلام والتفاهم.

 

لقد تركت الديبلوماسية الجزائرية مكانها الطبيعي ومجال اشتغالها السلمي الإيجابي لتصطف في الخنادق والثكنات العسكرية في انتظار البلاغ العسكري وصفارات الهجوم. ولهذا السبب لا تأخذ الدول والمنظمات العالمية تحركات هذه الديبلوماسية مأخذ الجد والمصداقية، وتعمل ما أمكن على اتقائها، فإن حدث وشاركتها لقاء فللمجاملة، وغالبا ما لا تسلم هذه اللقاءات والمحادثات من تحريف لما تم تداوله فيها، إذ تخرج هذه الديبلوماسية بتصريحات أو ببلاغات لا تعكس إطلاقا ما راج ودار من نقاش أو حديث في القضايا الثنائية أو الإقليمية أو الدولية، وتضطر كثير من الجهات التي تصرح الديبلوماسية الجزائرية بشأن اللقاء معها، إلى تصحيح خبر إعلامي جزائري دسته هذه الديبلوماسية، أو تصريح كاذب ومغشوش ومزيف لديبلوماسيي الجزائر وعلى رأسهم وزير خارجيتها.

ـ الأمر الثاني الداعي إلى تجاهل تصرفات هذه الديبلوماسية، أنها تفتقد إلى المعطيات المحينة المرتبطة بتطورات الملفات التي تحملها إلى الدول والمنظمات الدولية، الشيء الذي يعرضها دائما للتغريد خارج التاريخ وبعيدا عن تطورات الأحداث وما أفضت إليه المتغيرات الدولية بشأن قضايا ومستجدات من المفروض أن لا يعود فيها الحوار أو التفاوض أو النقاش إلى الوراء، فكل المعطيات التي تمسكها الديبلوماسية الجزائرية تعود إلى عقود خلت، ويتم القفز فيها على التقدم الحاصل في معالجتها، وحينما تصطدم الديبلوماسية الجزائرية مع جدار التاريخ وتطورات الأحداث، لا تجد ما تواجه به مشكلة تأخرها وجمودها إلا دعوى الثبوت على الثوابت والمبادئ خالطة في ذلك بين ما يمكن اعتباره بالفعل ثابتا ومبدئيا في العلاقات بين الدول، وما يمكن عده من ضمن المتغيرات والتصحيحات والتصويبات ونتائج ترقية الحوار وتطويره والتفاعل مع مستجدات دولية، ولذلك يكثر في تصريحات هذه الديبلوماسية البالية والمتقادمة اتهام الدول التي تطور شراكاتها وفعلها الديبلوماسي واتجاهها الإصلاحي لعلاقاتها مع الدول والشعوب، بتهم أقرب إلى علاقات طفولية وصبيانية، من أمثال الاتهام بخيانة المبادئ، مثلما فعلت مع إسبانيا في تطويرها وترقيتها موقفها من الصحراء المغربية، لينسجم مع واقع الحال، ومع إرادة السلام، ومع مستجدات الحل السياسي للنزاع المفتعل حول الصحراء.

ـ الأمر الثالث، أن كل تحركات هذه الديبلوماسية الجزائرية قائمة على استحضار أجندة داخلية تخاطب جماهير بلادها أكثر من مخاطبتها للدول والشعوب والرأي العام الدولي، إذ القصد الجوهري عندها في الدعاية لانتصار أو التباكي من هزيمة، تحسيس الشعب الجزائري باستهدافه وتجييش عواطفه ومشاعره ضد من تصورهم هذه الديبلوماسية سبب المساس بالكرامة والأنفة الجزائرية.

الأمر الذي يجعل هذه الديبلوماسية الطافحة بمشاعر هوياتية مغشوشة، غير قادرة على شرح وتوضيح تدافع المصالح الدولية ومدى قدرة الفاعل الديبلوماسي الجزائري على جلب مصلحة لبلاده منها، ودفع مضرة عنها، وتحسين مواقعها التفاوضية في العديد من الملفات الاقتصادية والحقوقية والثقافية… فديبلوماسية قائمة على ابتزاز المشاعر في الداخل، وابتزاز الخارج بالغاز والبترول وشراء الذمم بالأموال، لا يمكنها بتاتا أن تبني نموذجا خلاقا ومبتكرا في الشراكات الدولية الناجحة والرابحة والمساهمة في تعزيز السلام وإطفاء نزعات الكراهية والحروب والتطرف والإرهاب، بل إن انخراط هذه الديبلوماسية في شبكات من تحالفات الكراهية والعدوان، يؤهلها لتصنيف دولتها في خانة الدول المارقة والمنبوذة من المجتمع الدولي.

ـ الأمر الرابع أن هذه الديبلوماسية الجزائرية الغارقة في تناقضاتها الذاتية التي لا يعرف لها مستقر ولا قرار واضح، هي ديبلوماسية قائمة على انتقائية مفضوحة في التعامل والتعاطي مع الملفات السياسية الكبرى المشتركة والمتشابهة، والتي لا تجد حرجا في تحليل هذه وتحريم تلك، دون قاعدة أو معيار موحد أو مكيال واحد، فهي إذ تعتبر أنها تتبنى سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو تدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو تحترم الوحدة الترابية للدول وسياداتها، وترفعها كشعارات ومبادئ ثابتة لا تقبل عندها التجزيء، تراها تقبل بالانفصال في دولة وترفضه في دولة أخرى، وتتدخل في شأن داخلي لدولة، وترفض أن تتدخل دولة أخرى في شأنها، وتصر على الالتزام باتفاقية وتدعو إلى التحلل من أخرى، وتنقض عهدا، وتتباكى على عهد آخر لم تنقضه. وفي كيلها هذا بمكاييل على مزاجها وبانتقائية مفضوحة، تنزع هذه الديبلوماسية من دولة الجزائر ومن شعبها كل مصداقية بشأن خطابات المبادئ وشعارات الوحدة التي لا معنى لها في الممارسة الديبلوماسية الجزائرية القائمة، كما ذكرنا، على تعدد المكاييل والمعايير.

لهذه الأسباب وغيرها، فإن خير رد للدول والشعوب والهيئات والمنظمات الدولية على الهجومات المسعورة والرعناء والغوغائية للديبلوماسية الجزائرية، هو مزيد من تجاهلها وتركها تأكل نفسها بنفسها، ويرتد إليها سعارها وطيشها وأكاذيبها، واعتبار هذا الوضع الديبلوماسي الجزائري البئيس والمنحط، مرحلة عابرة في تاريخ العلاقات بين دول المنطقة وشعوبها، وأن سفهاء السياسة الخارجية الجزائرية مجرد عابرين في كلام عابر، لا يستحقون خطابا ولا مخاطبة ولا كلاما ولا ردا، لأن خير رد على السفيه، أو الجاهل حتى بمصلحته، هو الإعراض عنه والالتفات للمستقبل ولما ينتظرنا من تحديات ضمان الأمن والاستقرار، وكسب رهانات الوحدة والتنمية والديمقراطية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock