آخر أخبارحديث الأربعاء

المسيرة الخضراء خيار السلام الدائم

يحتفل الشعب المغربي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، يوم السادس من نونبر، بذكرى وطنية غالية في مسيرة استكمال تحرير أراضيه وضم أقاليمه الصحراوية الجنوبية إلى وطنها الأم، بعد صراع مرير مع الاستعمار بدأ بتحرير أقاليمه الشمالية وتواصل بتحرير مناطق من الجنوب المغربي، وعلى رأسها طرفاية وسيدي إفني، وإجلاء الاحتلال الإسباني عنها عام 1969، لتكون بشائر هذه المقاومة والتحرير إعلانا عن انعطافة تاريخية كبرى أخرى للزحف على آخر قلاع المستعمر الإسباني في ما تبقى من الأقاليم الصحراوية المغربية، وما كادت تمضي ست سنوات على هذه البشرى، وعلى وعد بطل التحرير المغفور له جلالة الملك محمد الخامس في خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، الذي أعلن فيه ما يأتي : “…إننا سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا وكل ما هو ثابت لمملكتنا بحكم التاريخ ورغبات السكان، وهكذا نحافظ على الأمانة التي أخذنا على أنفسنا بتأديتها كاملة غير ناقصة…” وهي الأمانة التي رفع وارث سره جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني تحديها، عام 1975 وفي سياق سلمي دولي جديد، بتنظيم مسيرة سلمية خضراء لتحطيم الحدود الوهمية بين شمال المغرب وجنوبه، حيث اقتحمت الصحراء أقدام 350 ألف متطوع ومتطوعة من أبناء الوطن وبناته يمثلون مختلف الفئات والهيئات والجهات المغربية، ومن إخوانهم وأشقائهم العرب والأفارقة من المملكة العربية السعودية، والأردن، وقطر، والإمارات، وسلطنة عمان، والسودان، والغابون، والسنغال، والأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي، الذين أوفدوا ممثلين عنهم في هذه المسيرة السلمية المباركة، استجابة لنداء الوطن والملك والتضامن لتحرير الصحراء من براثن الاستعمار، ومعانقة أهلنا بهذه الربوع الغالية من ترابنا الوطني الذين قادوا إلى جانب جيش التحرير المغربي وثوار قبائل آيت باعمران معارك الجهاد والكفاح والمقاومة في الجنوب المغربي.

وطأت أقدام المتطوعين للمسيرة التحريرية الخضراء المباركة أرض الصحراء المغربية، بسلاح الإيمان بقضيتهم العادلة والشرعية، حاملين كتاب الله في يد وأعلام المغرب وصور ملكه في يد أخرى، مترجمين شعارهم الخالد: “الله الوطن الملك” في كل خطواتهم على رمال الصحراء، معززين ومؤيدين بدعوات كل أحرار العالم وأشقائهم العرب والمسلمين والأفارقة وأصدقائهم، متمنين لهم النصر المؤزر والنجاح الساحق الذي تناقلت وسائل الإعلام والأخبار آنذاك وقائعه وأحداثه، الأمر الذي فاجأ المستعمر وأذهله، وعجل برحيله وإقراره بالأمر الواقع، وشعوره بأنه غريب ودخيل على هذه الأرض المباركة، وأن ما استولى عليه من سلطات في الإقليم ينبغي أن ترجع تدريجيا إلى ذويها ومستحقيها ضمن وطن موحد من طنجة إلى الكويرة. وهو ما كان بالفعل وبمساندة دولية منقطعة النظير، حيث تم إجلاء آخر جندي إسباني بالصحراء المغربية في أقل من ستة أشهر على انطلاق المسيرة الخضراء، وكان ذلك يوم 28 فبراير 1976.

ومنذ ذلك الحين والمغرب يقدم تضحيات كبرى وجليلة لإلحاق أقاليمه الصحراوية الجنوبية المسترجعة والمحررة بركب التنمية في أقاليمه الشمالية، حتى صارت الصحراء المغربية في ظرف وجيز، أي بعد47 سنة على انطلاق المسيرة الخضراء، تضم أجمل حواضر المغرب ببنياتها التحتية القوية وموانئها ومطاراتها وملاعبها الرياضية ومركباتها الإدارية ومشاريعها الإنتاجية الفلاحية والصناعية والسياحية وقطاعاتها الخدماتية وساحاتها العمومية ومؤسساتها التعليمية والتربوية والصحية، ومن كل متطلبات الحياة الكريمة وإنتاج الثروات، حتى صار يضرب المثل بالصحراء المغربية جوهرة تنموية واعدة في شمال إفريقيا، وهي مؤهلة اليوم لاحتضان أكبر مشاريع التنمية والتبادل التجاري في العالم، واستقطاب الاستثمارات الدولية القوية، في أفق تحويل الأقاليم الجنوبية المغربية إلى أكبر جسر وبوابة بين أوروبا وإفريقيا لعبور الخيرات وتبادل المصالح وربح تحديات الاستقرار والسلام وشراكات رابح ـ رابح.

لقد حققت المسيرة الخضراء المباركة وعودها الكاملة في عهد جلالة الملك محمد السادس بوضع سكة النماء والرخاء والديموقراطية بالأقاليم الصحراوية الجنوبية المغربية على سكتها الصحيحة، وذكراها لم تكمل بعد نصف قرن، وستكون السنوات الثلاث المتبقية منه، والتي تتسارع خلالها الجهود المتكاثفة الدولية وإيقاعات النجاح، فرصة للإعلان عن أمرين، الأمر الأول: الاندحار التام للأطروحة الانفصالية، وتحييد شوكة العداء والتطاول على الوحدة الترابية المغربية، بتوالي الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، والأمر الثاني: دخول الشراكات والاستثمارات الدولية الكبرى بالمنطقة حيز التنفيذ.

وفي ظل هذين المعطيين اللذين تتسارع الأحداث في اتجاههما، فإن القوات المسلحة الملكية بقيادة جلالة الملك تظل مرابطة على الثغور للتصدي الصارم لأية محاولة عدوانية يائسة وبائسة من أعداء المملكة لإفساد مسيرة الصحراء المغربية نحو مستقبلها الواعد والزاهر والآمن تحت سيادة وطنها المغربي وفي إطار بيعة أهلها الشرعية لملك البلاد وحامي حمى الوطن والدين، وبالتزام تام بالسلام، وبالشرعية الدولية التي باعدت إلى الأبد بين وكلاء الحروب والإرهاب والانفصال في المنطقة والمساس بحبة رمل من رمال الصحراء المغربية.

 وكل ذكرى مسيرة، خضراء مباركة، والصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه، ومن لم يلقنه نصف قرن من الهزيمة والاندحار والانتحار على الجدار المغربي درسا، فإن نصف قرن آخر من النماء والرخاء وتكريس الوحدة والديموقراطية في الصحراء المغربية، سيتكفل بتحنيط جثته وعرضها في متحف الزواحف بالكركرات.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock