في ظل تزايد الحديث عن إنجازات القطاع السياحي، تبرز قضية كبرى تثير الجدل حول الفجوة الواضحة بين الأرقام الرسمية وأرقام الأداء الحقيقي. ففي فترة قصيرة من الزمن، تشير الإحصاءات إلى تطورات إيجابية في بعض المؤشرات، إلا أن التباين الكبير بين معدلات الوافدين وعدد ليالي المبيت، يجعل من الضروري إعادة النظر في آليات النمو والسياسات المتبعة.
وفي هذا الصدد كشف الزوبير بوحوت، الخبير السياحي، عن مفارقة صادمة في اداء القطاع السياحي، حيث سجلت الاشهر الخمسة الاولى من السنة حوالي 11.8 مليون ليلة مبيت بنمو تراكمي بلغ 13 في المئة، وهو تطور يوصف بالمهم لكنه يخفي خللا هيكليا مقلقا.
لفت الزوبير بوحوت الى أن عدد الوافدين ارتفع بنسبة 22 في المئة، في حين لم يتجاوز معدل الزيادة في عدد ليالي المبيت نسبة 13 في المئة، كما أن مداخيل العملة الصعبة لم تحقق سوى نمو ضعيف يتراوح بين 7 و8 في المئة، مما يعكس خللا بين عدد الزوار والعائدات المالية.
دعا الزوبير بوحوت عبر “رسالة 24” إلى ضرورة تنويع الاسواق المستهدفة، ملاحظا ان المغرب ما يزال يعتمد على الاسواق التقليدية الاوروبية، في حين لم يتم بعد استرجاع اسواق مهمة مثل السوق الالمانية، المعروفة بقوتها الشرائية واهتمامها بالوجهات السياحية النوعية.
وقارن الزوبير بوحوت بين البنية التحتية السياحية المغربية وتلك المتوفرة في وجهات منافسة مثل تركيا، مؤكدا أن محطة انطاليا وحدها تتوفر على طاقة استيعابية تفوق مجمل الاسرّة السياحية في المغرب بمرة ونصف، وهو ما يكشف محدودية القدرات الوطنية.
نبه الزوبير بوحوت إلى أن الاحصاءات الرسمية تشمل مؤسسات مغلقة واسرّة غير مشغلة، داعيا الى تشجيع مبادرات مثل مشروع “كاب هوسبيتاليتي” الهادف الى تمكين المستثمرين من إعادة تشغيل الفنادق المتوقفة، ما يسهم في تعزيز العرض السياحي الداخلي.
وشدد الزوبير بوحوت على أهمية تطوير شبكة الخطوط الجوية، مشيرا الى أن شركات الطيران المنخفضة التكلفة تركز على الرحلات القصيرة، بينما يتطلب استقطاب السياح من الاسواق البعيدة استثمارات ضخمة، وهو ما تعمل عليه الخطوط الملكية المغربية عبر توسيع اسطولها.
وأشار الزوبير بوحوت الى ان بعض الشركات الاجنبية الكبرى بدأت فعلا في برمجة رحلات مباشرة إلى المغرب، كما هو الحال مع شركات من الولايات المتحدة وكندا والصين، معتبرا أن الوجهة الجذابة تفرض نفسها متى توفرت لها ظروف النقل المناسبة.
عبر الزوبير بوحوت عن قلقه من ضعف السياحة الداخلية، حيث لم تحقق سوى نمو محدود بنسبة 4 في المئة، مقابل 16 في المئة للسياحة الدولية بل أن عام 2024 شهد تراجعا بنسبة 0.4 في المئة للسياحة الداخلية مقابل نمو قدره 18 في المئة للسياحة الوافدة.
طرح المتحدث اشكالية اعتماد المغاربة على سفر محدود ومنخفض الكلفة، موضحا ان حوالي 30 في المئة فقط من ليالي المبيت تعود للسياحة الداخلية، في حين تتراوح هذه النسبة بين 70 و80 في المئة في الدول المتقدمة، بسبب الفوارق في القدرة الشرائية.
شدد الزوبير بوحوت على ضرورة ابتكار منتوجات سياحية تناسب العادات الاستهلاكية المغربية، خاصة ان اغلب الاسر لا تستطيع تحمل تكاليف الاقامة في الفنادق المصنفة، وهو ما يفرض خلق عروض بديلة تتيح للطبقات المتوسطة والضعيفة التمتع بعطلة لائقة.
لاحظ الزوبير بوحوت ان فصل الصيف يفاقم ازمة الاسر المغربية، حيث يجد كثيرون انفسهم عاجزين عن السفر، او مضطرين الى تقليص مدة الاقامة، مما ينعكس سلبا على معدل ليالي المبيت ويقلص الاثر الاقتصادي للسياحة الوطنية.
وخلص بوحوت الى ان الحل الجذري يكمن في تطوير البنية التحتية السياحية، واطلاق عروض ميسرة تتلاءم مع القدرة الشرائية للمواطن المغربي، بما يضمن توازنا عادلا بين السياحة الدولية والسياحة الداخلية، ويعزز الاستقرار والنمو في القطاع.

