انتقد عالم الآثار المغربي عبد الجليل بوزوكار شركات تجارية تعمل في فحوصات الحمض النووي لتحديد أصول كل إنسان عبر لعابه خاصة، قائلا إن منهجها ونتائجها “لا علاقة لهما بالمقاربة العلمية”، ويأتي هذا في ظل انتشار ظاهرة إرسال عينات من اللعاب إلى شركات من أجل فحص الحمض النووي، في المغرب ومناطق متعددة من العالم، لتحديد “الأصل” في سياق نقاشات متنامية حول “الهوية”. في هذا الحوار يوضح بوزوكار الفروق الجوهرية بين البحث العلمي والفحوصات التجارية، مستعرضا مخاطر التعامل مع نتائج غير موثوقة، ومؤكدا على أهمية تكامل العلوم لفهم الهوية البشرية.
في البداية، ما الذي دفعكم إلى الخروج بهذا الموقف الصريح تجاه الشركات التي تقدم فحوصات الحمض النووي للأفراد؟
ليس الأمر خروجا أو موقفا، بل يتعلق فقط بجواب على سؤال طرح علي بعد نهاية محاضرة ألقيتها مؤخرا في الرباط حول مساهمة الآركيولوجيا في كتابة التاريخ، وخارج إطار المحاضرات أو اللقاءات العلمية، كان يطرح علي نفس السؤال أو خلال النقاش العلمي مع زملاء مختصين في علم الوراثة أو الآركيولوجيا.
قلتم إن هذه الفحوصات “لا علاقة لها بالمقاربة العلمية”، هل يمكن أن توضحوا لنا ما الفرق بين المقاربة العلمية والمقاربة التجارية في هذا السياق؟
ما كنت أقصده هو أن تلك الشركات تقوم بفحوصاتها بمقابل مادي، على خلاف النتائج التي تحصل عليها في إطار بحث علمي لا يهدف إلى الربح المادي. في البحث العلمي هناك فرضيات، ثم استخدام تقنيات بعدها يتم الحصول على معطيات وتحليلها والخروج بخلاصات يتم نشرها في مجلات علمية.
أشرتم إلى أن هذه الشركات لا تكشف عن منهجيتها العلمية، ما مدى خطورة هذا التكتم على مصداقية النتائج؟
لا أظن أنها تتكتم على المنهجية، ولكنها تختلف عن تلك الخاصة بالنشر العلمي، حيث من الواجب في أي نشر علمي أن تشرح المنهجية بوضوح مع إتاحة المعطيات للجميع.
كنت أتحدث عن الحمض النووي الأحفوري وطريقة نشر نتائج الأبحاث، على الأقل ما قمنا به فيما يخص بعض المواقع الأثرية التي اشتغلنا عليها. لأن توضيح المنهجية مهم جدا، خاصة إذا كانت النتائج موجهة للنشر العلمي.
ما مدى دقة فحوصات الحمض النووي المعتمدة على اللعاب في تحديد الأصل أو “الهوية الجينية” للأفراد؟
الفحص الجيني المعتمد على اللعاب يمكن من معرفة علاقة القرابة مثلا أو المنطقة الجغرافية، عندما نكتشف من خلال هذه الفحوصات أن جزءا من الأصول هو من القوقاز مثلا، ماذا يعني هذا، خاصة إذا علمنا أن هذه المنطقة معروفة بتنوعها الكبير.
من خلال حديثي مع زملاء أجانب عن تحديد العرق بناء على الحمض النووي، أتلقى جوابا بأنه لم يعد مطروحا بل أحيانا متجاوز منذ سنوات في العديد من المناطق في العالم.
لفهم هوية مجموعة بشرية معينة في فضاء معين يلزم أخذ العديد من العناصر بعين الاعتبار، وخاصة الجانب الثقافي بمفهومه الواسع، حيث يمكن الجانب الجيني من التعرف على حركية المجموعات البشرية أو استقرارها في منطقة معينة، وعلم الآثار وعلوم أخرى تضيف ما أنتجته أو تفاعلت معه، ليصبح الأمر يشمل أيضا مختلف التعبيرات والمهارات واللغة إلى جانب عناصر أخرى يصعب حصرها في هذا المجال. بمعنى آخر دراسة الهوية مجال تتداخل فيه العديد من العلوم والمعطيات.
ذكرتم أن هذه الشركات تعتمد على “مكتبات جينية محدودة”، كيف يؤثر ضيق هذه المراجع على النتائج؟
أقصد بذلك البيانات المرجعية التي يتم تحديثها فتتغير بينما لا يتم أخذ بعين الاعتبار معطيات الحمض النووي الأحفوري، بيانات الحمض النووي الأحفوري تعتمد على معطيات لها في بعض الأحيان آلاف السنين، وهذا ما تم تطبيقه في المغرب مثلا، حيث تمت مقارنة معطيات يعود تاريخها إلى 4 أو 5 أو 6 آلاف سنة بأخرى يعود تاريخها إلى 15 ألف سنة.
عندما نفحص اللعاب ونخلص إلى نتيجة انتماء فرد أو مجموعة إلى منطقة جغرافية معينة، هل هذا يمثل الفترة الحالية، أو بضعة قرون، أو ماضي سحيق عمره آلاف السنين؟
للإجابة على هذا السؤال، من المهم انتظار نتائج الأبحاث التي تخص الفترة ما بين 15 ألف سنة و7 إلى 8 آلاف سنة.
الأمر هنا يعتمد على دراسة الجينوم البشري بشكل كامل، أي النووي والميتوكندريا، ثم بعد ذلك الأخذ بعين الاعتبار مختلف إنتاجات المجموعات البشرية عبر العصور، أي مقاربة متعددة التخصصات.
في المقابل، ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر في دراسة علمية معتمدة لتحليل الحمض النووي؟ وما الدور الذي يلعبه الأرشيف الجيني في التنقيبات الأثرية؟
في حالة التوفيق في استخراج الحمض النووي من العظام أو الأسنان التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، وهي مهمة صعبة يتم التعامل مع الحمض النووي الأحفوري داخل المختبر بحذر، لأن الأمر يتعلق بمادة قد تكون تعرضت لتلف كبير أو صغير حسب طبيعة تربة الطبقة الأثرية والتغيرات المناخية عبر الزمن.
بعد سلسلة من المراحل، يتم الحصول على نتائج من بينها نسب مئوية. كما أن هناك العديد من الاحتياطات التي يتم اتخاذها أثناء أخذ العينات كيفما كان نوعها، والتعامل معها داخل المختبر، وأهمها اتخاذ ما يلزم من التدابير لتفادي أي “تلوث” أو “عدوى” قد تفسد النتائج.
بالنسبة للدراسة العلمية المنشورة في مجلات محكمة، وهي متوفرة فيما يخص ما تم نشره حول المغرب، يتم الحديث بشكل واضح عن المنهجية المتبعة سواء في الميدان أو بالمختبر، والتقنيات المستعملة والحصول على النتائج، والحرص على تعميم المعطيات.
هناك من يقول إن هذه الفحوصات تسد فراغا معرفيا لدى الناس في ما يتعلق بأصولهم… ما موقفكم من هذا الادعاء؟
هي بالفعل تقوم بذلك، لكن عندما نتحدث عن الأصول فإننا نعني ماضيا سحيقا يبلغ عمره آلاف السنين.
إلى أي حد هذه الفحوصات الفردية هي صدى أو نتيجة لماضي سحيق؟
إذا وضعنا الجانب الجيني جانبا، فإن العديد من المعطيات تشير بشكل واضح إلى تشكل روابط بين المجموعات البشرية التي كانت موجودة بالحيز الجغرافي الذي يتواجد به المغرب حاليا، وذلك منذ 150 ألف سنة. هذه المجموعات تأثرت وأثرت بشكل كبير في محيطها عبر مختلف العصور، وهو أمر بالغ الأهمية ويبعث على الإعجاب، إن لم أقل الفخر.

