أثار توقيف طالبة تبلغ من العمر21 سنة في العاصمة الرباط، للاشتباه في موالاتها لتنظيم “داعش” الإرهابي، وفي الإعداد والتحضير لتنفيذ مخطط إرهابي بالغ الخطورة، عبر تفجير منشأة دينية بالرباط، تساؤلات عديدة عن الأسباب النفسية والاجتماعية التي تقود لاستقطاب العنصر النسوي. وبهذا الخصوص كان لنا هذا الحوار مع الأستاذ هشام العفو، متخصص نفساني في علم نفس الجريمة الإكلينيكي ورئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب.

كيف يفسر علم النفس تزعم العنصر النسوي للإرهاب، على ضوء توقيف طالبة بالرباط كانت تعتزم تفجير إحدى المنشآت الدينية؟
ليست ظاهرة مستجدة وإنما نتحدث عن ظاهرة بدأت تتحول بشكل تدريجي وجذريا في تركيبتها الجندرية، بعدما ظهرت مشاركة النساء بشكل ملحوظ، معلنة عن تجاوز الأدوار التقليدية للمرأة كضحية أو داعمة، حيث أخذت تموقعا جديدا في لعب الأدوار وانتقلت إلى أدوار فعالة في التخطيط والتنفيذ.
وقد نشير إلى أن هذا التطور يتطلب فهما عميقا للآليات النفسية والاجتماعية التي تقف وراءه، خاصة في السياق المغربي الذي يتميز بخصوصيات ثقافية واجتماعية واقتصادية فريدة.
وتأسيسا على منظور نظرية الهوية الاجتماعية، تبحث المرأة عن انتماء يعزز هويتها ويوفر لها إحساسا بالقيمة والأهمية ويتضح هذا الأمر من خلال انفتاحها على التنظيمات المتطرفة والتي تستغل هذه الحاجة الأساسية من خلال تقديم هوية بديلة قوية ومتميزة كما هو الحال لبعض أنظمة الاستخبارات العالمية، حيث تعوض الشعور بالتهميش أو عدم الأهمية في المجتمع التقليدي.
وهذا الاستغلال يصبح أكثر فعالية عندما تواجه المرأة أزمة هوياتية حقيقية، كما هو الحال في المجتمعات التي تشهد تحولات سريعة بين التقليد والحداثة ونأخذ هنا سياق المغرب، حيث لازالت المرأة المغربية تصارع وتعيش صراعا هوياتيا معقدا بين القيم التقليدية والحداثة، وهو صراع يتجلى في عدة مستويات متداخلة، منها المستوى الثقافي، حيث تجد نفسها تتنقل بين الثقافة الأمازيغية والعربية والفرنكوفونية، مما يخلق تشتتا في المرجعيات الثقافية والقيمية.
وهذا التشتت يجعلها أكثر تقبلا للأيديولوجيات التي تقدم مرجعية موحدة وواضحة تحل هذا التناقض الداخلي . أما على المستوى الاجتماعي، فإن المرأة المغربية تواجه ضغوطا مستمرة للتوفيق بين الدور التقليدي كزوجة وأم والتطلعات المهنية والأكاديمية، ثم أنها تخضع لتموقع مختلف حيث تكون المعيلة الوحيدة لأسرة مكونة من ذكور ووالدين، مما يخلق توترا نفسيا مزمنا، وقد يكون التطرف هنا هروبا من هذه التناقضات من خلال تقديم دور “بطولي” واضح ومحدد يلغي الحاجة للتوفيق بين أدوار متضاربة.
هذا إضافة إلى الوضع الاقتصادي الذي يلعب دورا محوريا في هذا السياق، حيث أن ارتفاع معدلات البطالة بين النساء المتعلمات في المغرب، والذي يصل إلى 32 في المائة حسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط لعام 2023، يخلق شعورا عميقا بالإحباط والظلم والشعور بالحرمان النسبي يجعل النساء أكثر تقبلا للخطابات التي تحمل “الآخر” مسؤولية فشلهن وتقدم حلولا جذرية لمشاكلهن.

وتستغل التنظيمات المتطرفة هذا الواقع من خلال تقديم تفسيرات مؤامراتية للأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتقديم الانخراط في أنشطتها كوسيلة لتحقيق العدالة والانتقام من الظلم المزعوم، كما تستخدم هذه التنظيمات المتطرفة تقنيات التلاعب النفسي المتطورة والمدروسة بعناية، حيث تبدأ هذه العملية باستغلال الحاجات النفسية الأساسية، حيث تقدم للمرأة جماعة “مختارة” توفر لها الهوية والانتماء والدعم العاطفي الذي قد تفتقده في محيطها الاجتماعي العادي و تقدم لها هدفا “ساميا” يبرر وجودها ويعطي معنى لحياتها، وتمنحها مكانة خاصة كـ”مجاهدة” أو “شهيدة” تعوض شعورها بعدم التقدير في المجتمع.
لهذا، فإن عملية الاستقطاب، تتم بشكل تدريجي ومدروس، حيث تبدأ بالقضايا الإنسانية المشروعة مثل القضية الفلسطينية أو الأوضاع في سوريا، وتتدرج نحو تبني الأيديولوجية المتطرفة، ثم تبرير العنف كوسيلة مشروعة للتغيير، وهذا التدرج المحسوب يجعل كل خطوة تبدو منطقية ومبررة، ويقلل من المقاومة النفسية للأفكار المتطرفة.
ونشير هنا إلى أن التكييف المعرفي، يلعب دورا محوريا في هذه العملية، حيث يتم إعادة تشكيل طريقة التفكير من خلال غرس التفكير الثنائي الذي يقسم العالم إلى معسكرين متضادين، والتعميم المفرط الذي يطبق أحكاما عامة على حالات خاصة، والتبرير الأخلاقي الذي يقدم مبررات أخلاقية ودينية للعنف والإرهاب.
أما من الناحية السيكو- مرضية، قد تظهر النساء المنخرطات في الأنشطة الإرهابية خصائص نفسية مميزة تشمل اضطرابات في الشخصية مثل الشخصية الحدية التي تتميز بعدم الاستقرار العاطفي والعلائقي، والشخصية النرجسية التي تتطلب إعجابا مستمرا وتفتقر للتعاطف مع الآخرين.
وقد تعاني هؤلاء النساء غالبا من اضطرابات مزاجية مثل الاكتئاب المقنع والقلق المزمن، إضافة إلى تشوهات معرفية تشمل التفكير الكارثي والقراءة الذهنية لنوايا الآخرين والتصفية العقلية التي تركز على السلبيات وتتجاهل الإيجابيات، واعتبارا لهذه العوامل قد يظهر لنا أن تزايد حضور العنصر النسوي في مخططات الإرهاب ليس مجرد تطور تكتيكي، بل يعكس تحولات عميقة في البنية النفسية والاجتماعية للمجتمعات المعاصرة، ويتطلب مقاربات علاجية ووقائية شاملة تأخذ في الاعتبار هذه الخصوصيات النفسية والاجتماعية.

حسب بلاغ المكتب المركزي للأبحاث القضائية، فإن الطالبة تبلغ من العمر 21 سنة، هل هذا السن يسهل استقطابه من لدن التنظيمات الإرهابية؟
تمثل الفترة العمرية حول سن الـ 21 مرحلة حرجة في التطور النفسي والاجتماعي للإنسان، تعرف في علم النفس التطوري بمرحلة “الرشد الناشئ” هذه المرحلة، التي تمتد عادة من سن 18 إلى 25 سنة، لها مجموعة من الخصائص والمميزات النفسية والعصبية والفيزيولوجية ، تجعل الأفراد أكثر عرضة للتأثر بالأيديولوجيات المتطرفة، خاصة في السياقات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة كما هو الحال في المغرب .
فعلى المستوى النورولوجي يشهد الدماغ في هذا العمر تطورات مهمة لكنها غير مكتملة، القشرة الجبهية، المسؤولة عن الوظائف التنفيذية مثل اتخاذ القرارات والتفكير النقدي والتحكم في الانفعالات، لا تكتمل نضجها حتى سن الـ 25 ويعتبر هذا النقص في النضج العصبي عاملا أساسيا قد يجعل الشباب في هذا العمر أكثر اندفاعا في اتخاذ القرارات، وأقل قدرة على تقييم المخاطر والعواقب طويلة المدى، وأكثر تأثرا بضغط الأقران والمؤثرات الخارجية، لهذا قد تعتبر هذه الخصائص النورولوجية نافذة ضعف تستغلها التنظيمات المتطرفة بمهارة.
أما العنصر المهم الآخر، فيتجلى في مسألة البحث عن الهوية والذي يشكل التحدي الأساس في هذه المرحلة العمرية، إذ أن الشاب أو الشابة في سن الـ21 يواجهون أسئلة وجودية عميقة حول طبيعة هويتهم وهدفهم في الحياة والجماعة التي ينتمون إليها. وهذا البحث المكثف عن الهوية يجعلهم أكثر انفتاحا على الأيديولوجيات التي تقدم إجابات واضحة وقاطعة لهذه الأسئلة المعقدة، لهذا فإن التنظيمات المتطرفة تستغل هذه الحاجة من خلال تقديم هوية جاهزة ومتكاملة تلغي الحاجة للبحث والتساؤل المؤلم .
وعلى مستوى السياق المغربي، تكتسب هذه التحديات النفسية أبعادا إضافية معقدة لأن الطالبة في سن الـ21 قد تواجه ضغوطا أكاديمية هائلة في نظام تعليمي تنافسي، حيث ينظر للنجاح الأكاديمي كمفتاح الصعود الاجتماعي والاقتصادي، هذا الضغط يتفاقم بسبب القلق المتزايد حول المستقبل المهني في ظل سوق عمل يعاني من البطالة المرتفعة، خاصة بين الشباب المتعلم والمنافسة الشديدة والخوف من الفشل، إضافة الى تعرض بعض الطالبات للتحرش والابتزاز، وكل هذه العوامل قد تخلق حالة من التوتر المزمن والقلق الوجودي الذي يجعل الشباب أكثر تقبلا للحلول الجذرية والبسيطة التي تقدمها الأيديولوجيات المتطرفة.

ونشير أيضا إلى أن الوضع الاقتصادي يضيف طبقة أخرى من التعقيد لهذه التحديات النفسية، إذ أن معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب المتعلم في المغرب، والتي تصل إلى مستويات قياسية، قد تخلق شعورا عميقا بالإحباط وخيبة الأمل، إضافة عدم وضوح الرؤية بخصوص الاستثمار الكبير في التعليم وتوالي الفشل في تحقيق الجودة ، سواء من الناحية المالية أو الزمنية أو العاطفية، دون تحقيق العائد المتوقع في شكل فرص عمل مناسبة، يؤدي إلى ما يسمى بـ”صدمة التوقعات” ،هذه الصدمة تجعل الشباب أكثر تقبلا للخطابات التي تحمل النظام الاجتماعي والسياسي مسؤولية فشلهم، وتقدم البدائل الجذرية كحل لمشاكلهم.
من هنا نؤكد على أن سن الـ 21 تمثل فترة ضعف خاصة أمام الاستقطاب المتطرف، وأن فهم هذه الخصوصيات النفسية والاجتماعية ضروري لتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية فعالة تأخذ في الاعتبار التحديات الفريدة التي يواجهها الشباب في هذه المرحلة الحرجة من حياتهم.
اتضح أن المتهمة كانت بحوزتها كتب تشجع على التطرف، إلى أي حد يمكن أن تؤثر هذه الكتب على نفسية الطالبة وعقليتها وتصورها للحياة؟
تلعب المواد المكتوبة التي تؤسس لذهنية التطرف دورا محوريا في برمجة العقول وخلق الحدية والتشوهات المعرفية، حيث تعمل كأدوات للتكييف المعرفي والعاطفي التي تعيد تشكيل إدراك الفرد للواقع وتفسيره للأحداث بشكل جذري وأن هذه المواد، التي تتراوح بين الكتب والمنشورات والمقالات الرقمية، تستخدم تقنيات نفسية متطورة ومدروسة لتغيير البنية المعرفية للقارئ وتوجيه سلوكه نحو التطرف والعنف.
وانطلاقا من منظور علم النفس المعرفي، تعمل هذه المواد على إعادة برمجة المخططات المعرفية للفرد، وهي البنى الذهنية التي نستخدمها لتنظيم وتفسير المعلومات حول العالم وأن عملية إعادة البرمجة هذه تتم من خلال آليات نفسية معقدة تبدأ بالتكرار والإلحاح، حيث تكرر الرسائل الأساسية بشكل مستمر ومن زوايا مختلفة حتى تصبح مسلمات لا تقبل الجدل في ذهن المتلقي .وهذا التكرار المنهجي يؤدي إلى ما يسمى بـ”تأثير التعرض المجرد”، حيث يصبح الفرد أكثر تقبلا للأفكار كلما تعرض لها أكثر، حتى لو كانت خاطئة أو متطرفة، كما أن الانتقائية في المعلومات تشكل آلية أخرى مهمة في هذه العملية.

فالمواد المتطرفة تقدم معلومات منحازة بشكل صارخ، وتتجاهل أو تشوه الحقائق التي تتعارض مع رسالتها و هذا التحيز المعلوماتي يخلق ما يسمى بـ”فقاعة المعلومات” التي تحيط بالقارئ وتحجب عنه الرؤى البديلة والمعلومات المتوازنة لهذا فإن التبسيط المفرط للقضايا المعقدة يجعل هذه المواد جذابة للقراء الذين يبحثون عن إجابات سهلة وواضحة لمشاكل معقدة ومتشابكة.
وقد تكتسب هذه المواد في السياق المغربي تأثيرا خاصا بسبب الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمجتمع من خلال التنوع الثقافي والفكري الذي يميز المغرب، والذي يمكن أن يكون مصدر ثراء، قد يخلق أيضا حيرة وتشتتا لدى بعض الشباب الذين يبحثون عن هوية واضحة ومحددة لهذا فان المواد المتطرفة تستغل هذا التشتت من خلال تقديم “الحقيقة المطلقة” كبديل للتعددية والنسبية التي قد تبدو مربكة ومؤلمة نفسياو استغلال المشاعر الدينية الصادقة يشكل جانبا خطيرا من هذا التأثير، حيث تحرف هذه المواد النصوص الدينية وتستغل الجهل بالعلوم الشرعية لخدمة أجندتها المتطرف.
نضيف أيضا أن تقنية التلاعب العاطفي تشكل جانبا أساسيا من تأثير هذه المواد من خلال إثارة الغضب و عرض مشاهد الظلم والقهر بأشكال مختلفة ومتعددة، سواء كانت حقيقية أو مفبركة، و يتم خلق حالة من الاستثارة العاطفية التي تقلل من القدرة على التفكير النقدي والتحليل الموضوعي من خلال استغلال التعاطف مع ضحايا مزعومين إذ يجعل المتلقي يشعر بالذنب إذا لم يتخذ موقفا حاسما” لنصرة هؤلاء الضحايا عبر تحفيز الشعور بالذنب لعدم المشاركة في “الجهاد” أو العمل المتطرف يخلق ضغطا نفسيا مستمرا يدفع نحو العمل، حتى لو كان عنيفا أو إرهابيا.
وهنا تظهر بعض التأثيرات على البنية المعرفية تشمل تطوير تشوهات معرفية خطيرة مثل التفكير الثنائي الذي يرى العالم بألوان أبيض وأسود فقط، والتعميم المفرط الذي يطبق أحكاما عامة على حالات خاصة، والتفكير الكارثي الذي يتوقع أسوأ النتائج دائما عبر تشكل ما يسمى “القراءة الذهنية”، وهي افتراض معرفة نوايا الآخرين دون دليل، والتصفية العقلية التي تركز على السلبيات وتتجاهل الإيجابيات، كلها تشوهات تجعل الفرد أكثر عرضة للتطرف والعنف.
ونشير هنا إلى الجانب السيكو مرضي، الذي يعتبر أن التعرض المكثف لهذه المواد يؤدي إلى تطوير اضطرابات في التفكير تشمل جنون العظمة الأيديولوجي، والأفكار الوسواسية حول المؤامرات، وفقدان القدرة على التفكير النقدي وهذه الاضطرابات العاطفية تشمل تبلد المشاعر تجاه معاناة الآخرين، والغضب المزمن والكراهية، والقلق والخوف المستمر، كما قد تتجسد الاضطرابات السلوكية في العزلة الاجتماعية، والتغيير الجذري في السلوك والمظهر، والعدوانية والعنف المتزايد.
ومن خلال ما قدمناه، يمكن القول إن تأثير المواد المتطرفة على النفسية والعقلية عميق ومعقد، ويتطلب فهما دقيقا لآلياته لتطوير استراتيجيات مضادة فعالة تحمي الشباب من الوقوع في فخ التطرف والإرهاب.

هناك أيضا معطيات أخرى تفيد بأنها على دراية بالمتفجرات وبتصنيعها وإنتاج السموم، في أي مرحلة يمكن تصنيفها من الناحية النفسية المنساقة نحو الإرهاب؟
قد نعتبر أن وصول الفرد إلى مرحلة اكتساب المعرفة التقنية بالمتفجرات والسموم يمثل تطورا خطيرا ونوعيا في مسار التطرف، حيث ينتقل من التطرف الفكري النظري إلى التطرف العملياتي الجاهز للتنفيذ، وهذا التحول يشير إلى تبلور ما يسمى في علم النفس الإكلينيكي بـ”الشخصية الإرهابية المتكاملة”، وهي حالة نفسية معقدة تتطلب تحليلا عميقا لفهم آلياتها وخصائصها وإمكانيات التدخل العلاجي ، وعلى مستوى علم النفس التطوري للتطرف، يمكن تصنيف مسار التطرف إلى خمس مراحل متدرجة ومترابطة :
المرحلة الأولى هي الاستعداد النفسي، حيث توجد عوامل خطر شخصية واجتماعية مثل الشعور بالظلم أو التهميش والبحث عن الهوية والمعنى والمرحلة الثانية هي التعرض الأولي للأيديولوجية المتطرفة، والتي تتميز بأول اتصال مع الأفكار المتطرفة والاهتمام بالقضايا السياسية والاجتماعية والبحث عن المعلومات والتفسيرات.
المرحلة الثالثة هي التبني الأيديولوجي، حيث يتم تبني الأيديولوجية المتطرفة وتغيير النظرة للعالم والمجتمع وبداية العزلة عن الأفكار المخالفة، ثم المرحلة الرابعة هي التطرف السلوكي، والتي تتضمن ترجمة الأفكار إلى سلوكيات والمشاركة في أنشطة الجماعة المتطرفة والاستعداد لاستخدام العنف فالمرحلة الخامسة والأخيرة هي التطرف العملياتي، حيث يتم اكتساب المهارات التقنية للعنف والتخطيط للعمليات الإرهابية والاستعداد الكامل للتنفيذ.
بناء على المعطيات المتوفرة حول طالبة الرباط، يمكن تصنيف حالتها في المرحلة الخامسة والأخطر، وهي مرحلة التطرف العملياتي لأن هذا التصنيف يستند إلى عدة مؤشرات واضحة ومقلقة ، أولا، المعرفة التقنية المتقدمة التي تمتلكها في مجال تصنيع المتفجرات وإنتاج السموم، والتي تتطلب تدريبا متخصصا ووقتا طويلا للإتقان و ثانيا، وجود نية واضحة ومحددة للتنفيذ، متمثلة في استهداف منشأة دينية معينة، مما يدل على تجاوز مرحلة التفكير النظري إلى التخطيط العملي، وثالثا الاستعداد النفسي الكامل للعمل، والذي يتجلى في تجاوز مرحلة التردد والشك والوصول إلى حالة من التصميم والعزم على التنفيذ.
هذه المرحلة المتقدمة تتميز بتغيرات جذرية في البنية النفسية للفرد تشمل عدة جوانب متداخلة اذ على المستوى المعرفي، يتطور التفكير الأحاد الذي يرى العالم من منظور واحد فقط ويرفض أي وجهات نظر بديلة، إضافة إلى أن فقدان المرونة المعرفية يجعل الفرد غير قادر على تغيير رأيه أو النظر للبدائل، حتى في مواجهة الأدلة المضادة ثم استعمال التبرير المستمر ،يصبح آلية دفاعية أساسية، حيث يجد الفرد مبررات لكل الأفعال العنيفة، مهما كانت وحشيتها أو عشوائيتها.
وتظهر هنا أيضا مسألة التغيرات العاطفية في هذه المرحلة التي تشمل تبلد المشاعر وفقدان التعاطف مع الآخرين، خاصة أولئك الذين ينظر إليهم كـ “أعداء” أو “كفار” حيث الانفصال العاطفي يجعل الفرد غير قادر على الشعور بالذنب أو الندم تجاه أفعاله العنيفة، بل قد يشعر بالفخر والرضا، وكذا التحفز المستمر يخلق حالة من الاستعداد الدائم للعمل والترقب المستمر للفرص أو التهديدات.

كما أن التغيرات السلوكية تظهر من خلال السرية والكتمان المطلقين، حيث يصبح الفرد خبيرا في إخفاء أنشطته ونواياه عن المحيطين به باعتماده التخطيط المنهجي، حيث يضع خططا مفصلة ومدروسة للعمليات المستقبلية ثم اكتساب المهارات التقنية في مجالات العنف والتدمير يصبح هدفا أساسيا يستثمر فيه الفرد وقته وجهده .
وقد نشير هنا إلى أن هذا التطور على مستوى السياق المغربي قد يعكس فشل آليات الاندماج الاجتماعي والتربوي في احتواء بعض الشباب الذين يشعرون بالاغتراب أو التهميش، رغم التنوع الانفتاح في النموذج المغربي النسبي، إلا أنه قد يفشل أحيانا في توفير البدائل الإيجابية للشباب الذين يبحثون عن المعنى والهدف في حياتهم من خلال النظام التعليمي، الذي يركز على الحفظ والتلقين أكثر من التفكير النقدي والإبداع.
وقد يساهم في إنتاج عقول قابلة للتلقين المتطرف مرورا بالخطاب الديني التقليدي، الذي قد يفتقر للتجديد والمعاصرة، وقد يترك فراغا يملؤه الخطاب المتطرف بتفسيراته المنحرفة خصوصا إذا تبناه تيار “سياسي” حينما يدعو زعيمه إلى تزويج القاصرات والفتيات عوض التأكيد على حقهن في التمدرس والتعلم.
وقد تظهر في هذه المرحلة عدة مؤشرات مرضية خطيرة أهمها اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع يتجلى في عدم احترام حقوق الآخرين والاستعداد لإلحاق الأذى بالأبرياء وغياب الضمير والشعور بالذنب والأوهام والضلالات تشمل الاعتقاد بالمهمة المقدسة وأوهام العظمة والأهمية وضلالات الاضطهاد والمؤامرة،ثم الانفصال عن الواقع، يجعل الفرد يعيش في عالم مواز تحكمه قوانين الجماعة المتطرفة، مما يفقده القدرة على التقييم الموضوعي لأفعاله وعواقبها.
من خلال كل ما تقدمنا به نؤكد على أهمية التدخل العلاجي في هذه المرحلة المتقدمة والتي يتطلب مقاربة متعددة التخصصات تجمع بين العلاج النفسي والطبي والاجتماعي وأهمها العلاج المعرفي السلوكي يهدف إلى تحدي التشوهات المعرفية وإعادة بناء أنماط التفكير الصحية، ثم العلاج الجماعي يوفر بيئة آمنة لمناقشة الأفكار والمشاعر مع أشخاص مروا بتجارب مشابهة، إضافة إلى إعادة التأهيل الاجتماعي تهدف إلى إعادة دمج الفرد في المجتمع من خلال التعليم والتدريب المهني والدعم الاجتماعي .
كما نعتبر أن تواجد المتخصص النفساني داخل المؤسسات التعليمية بشكل قار ومستمر هو نقطة الانطلاق لمحاربة كل هذه الظواهر الخطيرة وتقويم السلوك عند الأطفال والمراهقين قبل أن نتحول الى المقاربة الزجرية ونفقد المزيد من بنات و أبناء هذا الوطن العزيز.
