بين أروقة مدرسة بيتاغور الخاصة، بزغ نجم شاب استثنائي استطاع أن يحمل اسم المغرب إلى منصات التتويج العالمية. إنه ياسين كموح، التلميذ الذي لم يكن فوزه في أولمبياد الرياضيات سوى حلقة من سلسلة إنجازات لافتة، يروي لنا اليوم رحلته نحو القمة، بكل ما حملته من تحديات وضغوطات، وأيضا آمال وطموحات تتجاوز حدود التميز الدراسي.
لا يخفى أن فوزك في أولمبياد الرياضيات جعل اسمك يتردد وطنيا، لكن هل يمكنك أن تحدثنا عن نجاحات أخرى سبقت هذا التتويج؟
بالفعل، تتويجي الأخير لم يكن سوى محطة من محطات عديدة مررت بها. آخر مشاركة لي كانت في الأولمبياد الدولية التي أقيمت في أستراليا وتمكنت خلالها من إحراز ميدالية برونزية وهو إنجاز أعتز به كثيرا. قبلها، خضت عدة تجارب على مستوى القارة الإفريقية، حيث حصلت على ميدالية ذهبية، كما شاركت في أولمبياد الدول الفرنكوفونية وحققت فيها نتائج مشرفة. كل تجربة من هذه المحطات شكلت لي مناسبة لاختبار قدراتي واكتساب الثقة في النفس، وفتحت أمامي آفاقا أوسع لمواصلة الاجتهاد والمثابرة.
ما الذي يجمع بين هذه النجاحات المختلفة، هل هناك خيط ناظم بينها من حيث الجهد أو طريقة التفكير؟
أعتقد أن هناك رابطا أساسيا يجمع بينها جميعا، وهو الإيمان بقيمة الجهد المنتظم والتحدي الذاتي. في كل مرة كنت أحرز تقدما، كانت تلك النتيجة بمثابة رسالة أمل تؤكد لي أنني على المسار الصحيح. افلنجاح مهما كان حجمه، يغذي الطموح ويدفعك لتوسيع أهدافك وتطوير أدواتك.
هل سبق أن شعرت بأن هذه المسيرة السريعة في التميز قد تضع عليك ضغطا كبيرا في حياتك اليومية؟
نعم، لا أنكر أن الضغط موجود، وأحيانا يكون كبيرا. عندما تحاول التوفيق بين الاستعدادات المكثفة لأولمبياد تتطلب جهدا ذهنيا خاصا وبين الدراسة النظامية التي لها إكراهاتها، خصوصا في الامتحانات الإشهادية مثل الجهوي والوطني، فإنك تحتاج إلى انضباط صارم في تنظيم وقتك. لحسن الحظ، تمكنت مع الوقت من إيجاد توازن بين الأمرين دون أن أهمل أحدهما.
ما هي أكبر العقبات التي واجهتك في مسارك الدراسي؟
يمكن القول إن التحدي الأكبر الذي واجهته كان في المواد الأدبية، وخصوصا خلال المرحلة الابتدائية في السنة السادسة تحديدا، كنت أجد صعوبة في حفظ النصوص سواء الدينية أو العربية. لكنني تعلمت أن التكرار والانضباط قادران على التغلب على هذا النوع من الصعوبات.
كيف كنت تتعامل مع الفشل أو مع النتائج التي لم تكن في مستوى طموحك؟
تعاملي مع الفشل كان دائما تعاملا عقلانيا وتحليليا. كنت أعتبر كل إخفاق فرصة للتعلم فبدلا من الانشغال بالنتيجة، أطرح على نفسي بعض الأسئلة : “ما الذي لم أقم به كما ينبغي؟ وأين يمكنني أن أتحسن؟” كنت أحرص على أن أحول كل تجربة سلبية إلى خطوة جديدة نحو الأفضل وهذا ما جعلني أتحسن باستمرار.
من هم الأشخاص الذين لعبوا دورا كبيرا في رحلتك؟ سواء من داخل الأسرة أو خارجها؟
بداية، لا يمكنني الحديث عن مسيرتي دون الإشارة إلى الدعم غير المشروط من والدي. فقد زرعا في داخلي حب الرياضيات منذ الصغر، وشجعاني على أن أعطي هذه المادة ما تستحقه من اهتمام ومع الوقت، تطورت لدي رغبة ذاتية في التعمق أكثر وكان هذا التحول حاسما. كما لا أنسى الدور الكبير الذي لعبه المؤطرون، خاصة في جمعية “قضية”، الذين كانوا لي بمثابة مرشدين وأصدقاء، وقدموا لي دعما علميا ومعنويا لا يقدر بثمن.
هل تجد أن المدرسة المغربية توفر المناخ المناسب لاكتشاف وتنمية المواهب، أم أنك اعتمدت أكثر على مجهودك الذاتي؟
المدرسة منحتني الأساس الأكاديمي الذي لا غنى عنه وهذا مهم جدا. لكن التجربة الأولمبية أضافت بعدا آخر لتكويني، وعلى مسائل غير مألوفة في المقررات الدراسية العادية. لذلك، أعتقد أن الموهبة تحتاج إلى مبادرات خارج الإطار التقليدي للمدرسة كي تزدهر، وهو ما وفرته لي مشاركتي في الأولمبياد.

هل تعتبر نفسك تلميذا “ذكيا” بالفطرة، أم أنك تؤمن بأن الذكاء يصنع بالتكرار والانضباط؟
بالنسبة لي، الذكاء ليس هبة تولد بها، بل هو نتيجة مجهود متواصل صحيح أن هناك قابلية طبيعية قد تسهل الفهم أحيانا، لكن التفوق لا يأتي إلا بالعمل.في الرياضيات مثلا، لا يكفي أن تفهم الفكرة، بل يجب أن تتدرب عليها في سياقات مختلفة، وتخضعها لتفكير نقدي والذكاء هنا يظهر في قدرتك على التحليل، والربط، والابتكار، وهذه كلها مهارات تبنى بالممارسة.
كيف ترى علاقتك بزملائك؟ وهل كنت دائماً محاطاً بمنافسة إيجابية أم كان هناك نوع من الغيرة أحيانا؟
علاقتي بزملائي كانت دائما مبنية على الاحترام والدعم المتبادل. كنا نشكل مجموعة تحفز بعضها البعض. المنافسة كانت حاضرة، لكن في صورتها النبيلة، حيث يسعى كل واحد إلى التميز دون أن يكون ذلك على حساب الآخر. كنا نحتفي بنجاح أي واحد فينا ونعتبره حافزا للجميع كي نرتقي أكثر.
كمغربي متفوق، ما الذي يعنيه لك أن تمثل بلدك على مستوى دولي، وهل تشعر بمسؤولية خاصة تجاه الشباب المغربي؟
تمثيل المغرب في محفل دولي شرف عظيم، لكنه أيضا مسؤولية كبيرة. تشعر بأنك لست فقط تلميذا يسعى للتفوق، بل سفير لقيم بلدك ومهارات شبابه. هذا الإحساس يمنحك طاقة مضاعفة للعمل والتميز، ويجعلك تفكر دائما في الرسالة التي تحملها وفي الصورة التي تنقلها عن وطنك.
ما الطموحات التي يحملها ياسين كموح ؟
أعمل على تطوير مستواي أكثر فأكثر، واستثمار ما تعلمته في الأولمبياد للتحضير لمرحلة جامعية قوية، وأطمح أيضا للعمل في مجالات الرياضيات والذكاء الاصطناعي، لما لهما من دور محوري في بناء المستقبل.
هل لديك تصور حول التخصص أو الجامعة التي تطمح إلى الالتحاق بها مستقبلا؟
نعم، لدي ميول واضحة نحو التخصص في الرياضيات أو علوم الحاسوب، وأتمنى الالتحاق بجامعة ذات مستوى أكاديمي رفيع، سواء داخل المغرب أو خارجه. المهم بالنسبة لي هو أن أجد بيئة غنية بالتحديات والفرص، وأن أكون محاطا بمن يحفزني على المضي قدما في طريق البحث والابتكار.

