الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / الخيار الديمقراطي قناعة وسلوك

الخيار الديمقراطي قناعة وسلوك

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

 

في أجواء عيد الفطر المبارك ترأس جلالة الملك محمد السادس، بالقصر الملكي بالدار البيضاء، مجلسا وزاريا، تناول عدة قضايا، وقد حمل البلاغ الذي تلاه الناطق الرسمي باسم القصر الملكي، بهذا الخصوص، عدة معطيات على درجة كبيرة من الأهمية تبعث على الارتياح، تتجلى بشكل واضح في القرارات والتعليمات والأوامر الملكية التي على ضوئها تمت معالجة قضايا حيوية تهم الظرفية السياسية والاجتماعية، وكذا المجال الديبلوماسي، وعلاقات التعاون بين المغرب ومحيطه الإقليمي وعمقه الإفريقي.

كما تبرز أهمية هذه القرارات والتدابير، التي أوردها البلاغ، في كونها تتركز حول تعزيز البناء المؤسساتي، ووقايته من الأخطاء والاختلالات، وتثبيت مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والعمل على تسريع المجهود التنموي، والتقليص من الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز مكانة المغرب وصورته على المستوى الدولي والقاري والجهوي.

فبالنسبة لتوطيد الحكامة في الأداء على مستوى الإدارة المركزية والترابية، وطبقا لأحكام الفصل 49 من الدستور، تفضل جلالة الملك بتعيين عدد من المسؤولين الجدد “ولاة وعمال” بهذه الإدارات التي لا تخفى أهميتها، وما لها من أدوار ومسؤوليات جسيمة، في مجالات تفعيل سياسة القرب، والعمل بالمفهوم الجديد للسلطة الذي كان جلالة الملك قد أطلقه من مدينة الدارالبيضاء بالذات.

وتأتي هذه الخطوة لتجديد دماء الإدارة وتزويدها بطاقات وكفاءات ينتظر منها الكثير للاضطلاع بمهامها ومسؤولياتها على أكمل وجه، وبما تقتضيه روح المسؤولية في زمن تدبير الشؤون المحلية ومصالح المواطنين، محليا وجهويا ووطنيا، بأساليب الشفافية والديمقراطية والحوار المسؤول في إطار دولة الحق والمؤسسات المسؤولة.

وقبل موضوع التعيينات الجديدة، ومنذ السطور الأولى من البلاغ المشار إليه، كان هناك ما شد انتباه المواطنين عامة، والمتتبعين خاصة، حيث جاء فيه ما يلي: “وفي بداية أشغال هذا المجلس، عبر جلالة الملك للحكومة، وللوزراء المعنيين ببرنامج الحسيمة منارة المتوسط، بصفة خاصة، عن استيائه وانزعاجه وقلقه، بخصوص عدم تنفيذ المشاريع التي يتضمنها هذا البرنامج التنموي الكبير، الذي تم توقيعه تحت الرئاسة الفعلية لجلالته، بتطوان في أكتوبر 2015”.

وبطبيعة الحال، فإن القلق المعبر عنه من لدن جلالته يعني أن ما حصل غير مقبول بالمرة، وبأن جسامة التقصير تستوجب، بالفعل وكما جاء في البلاغ، فتح بحث وتحقيق دقيق حول عدم تنفيذ المشاريع المبرمجة وتحديد المسؤوليات في ذلك، وبكل ما يستوجبه الأمر من جدية وموضوعية ودقة، علما بأن ما حصل من أضرار كانت له تداعيات يمكن القول أنها تجاوزت الإطار “التقني” بعد أن تحول التأخر، في إنجاز البرامج والمشاريع المقررة إلى شعور ب”الحكرة” وتكريس للتفاوتات المجالية. في حين أن برنامج “الحسيمة منارة المتوسط ” كانت الغاية من وضعه والتأشير عليه هي النهوض بأوضاع المنطقة وبحياة ساكنتها، ودمجها ضمن إستراتيجية الأوراش التنموية.

من هنا، وبالإضافة إلى البحث والتحقيق المقرر القيام به، فقد حرص جلالة الملك على التذكير بالتعليمات التي سبق أن أعطاها إبان الحكومة السابقة، والقاضية بأن “لا يتم تقديم أمام جلالته إلا المشاريع والاتفاقيات التي تستوفي جميع شروط الإنجاز، سواء في ما يتعلق بتصفية وضعية العقار، أو توفير التمويل، أو القيام بالدراسات”،  وفي نفس الوقت يؤكد صاحب الجلالة حرصه القوي على التقدم في طريق تعزيز مكانة واستقلالية السلطة القضائية وضمان توازن المؤسسات، وذلك بحثه الحكومة على الإسراع بعرض مشروع القانون المتعلق باختصاصات رئاسة النيابة العامة وقواعد تنظيمها، على البرلمان قصد المصادقة عليها قبل شهر أكتوبر المقبل، حتى يتم استكمال تنزيل مقتضيات الدستور وبناء دولة القانون والمؤسسات.

وإلى جانب انشغالات الساحة الوطنية، لم تغب الانشغالات الديبلوماسية، والملفات الخارجية، عن جدول أعمال المجلس الوزاري، بحيث تميز اجتماع هذا الأخير بالإعلان عن تعيين جلالته لعدد من السفراء والسفيرات، في مختلف القارات، ولدى بعض المنظمات الدولية، ومنها السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الاتحاد الإفريقي.

وفي هذا السياق أيضا، تمت مصادقة المجلس على مجموعة من الاتفاقيات الدولية، بما فيها تلك التي تندرج في إطار استكمال المساطر القانونية لعودة بلادنا إلى الاتحاد الإفريقي، وتمكينها من المساهمة الفعلية في مختلف أجهزة الاتحاد.

فمن خلال بعض المؤشرات الدالة، يتبين بأن هذا المجلس الوزاري، الذي أطرته الرؤية الملكية، لم يكن متميزا فقط من حيث ظرفه الزمني، ولكنه أيضا كان متميزا بنتائجه وبالتدابير والقرارات والتوجيهات الحكيمة الصادرة عن جلالة الملك، وبالتالي فبإمكان المتتبع الوقوف على خلاصات واستنتاجات عدة، لعل من بينها:

* أن انكباب المغرب على قضاياه الداخلية والمجتمعية لا يثنيه أبدا عن الوفاء بالتزاماته الدولية وبالتضامن مع قضايا الشعوب والدفاع عن أمنها واستقرار بلدانها، ولا يحول دون الحضور الفاعل والوازن للمغرب في عمقه الإفريقي من أجل التنمية والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.

* أن المغرب لم يكن على خطأ لما جعل حياته السياسية والمجتمعية محاطة بمبادئ الحرية والحوار، وبجدلية الحرية والمسؤولية، لأن هذه القيم والمبادئ هي جوهر قوة الديمقراطية، ولأن الإصلاح والبناء يبقى دائما أهم وأكبر من الأخطاء والهفوات.

* أن الحذر والتحذير من الحسابات والسلوكات السياسوية، ومن التطرف والغلو، وتحريف الوقائع والحقائق أمر ينسجم كل الانسجام مع التصور الذي لا يساوم في المصالح العليا للوطن ولا يخضعها للأنانيات والاعتبارات العابرة.

* أن الاهتمام بالتنمية المستدامة والمتوازنة، والانكباب على معالجة الملفات الاجتماعية، ليس “ترفا”، بل إنه حصانة استقرار المجتمع وأمنه.

* أن نجاحات المغرب ومستقبله وقوته تكمن في التمسك بثوابته ومؤسساته الدستورية، وفي القناعة القوية والراسخة بالخيار الديمقراطي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*