الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / أحداث الحسيمة.. المطالب بأيد أمينة

أحداث الحسيمة.. المطالب بأيد أمينة

بقلم الاستاذ عبد الله الفردوس

“ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خارج إطـار القانون”
من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لعيد العرش المجيد

في انتظار النتائج التي ستصدر عن الجهات المنوط بها مهمة القيام بالبحث والتحريات اللازمة بشأن عدم تنفيذ المشاريع المبرمجة منذ 2015 لمدينة الحسيمة، والتي سيتم بموجبها تحديد المسؤوليات ورفع تقرير بشأنها في أقرب الآجال إلى جلالة الملك، ما تزال أصداء أحداث الحسيمة تتفاعل إن على المستوى الداخلي أو الخارجي، حيث تتجه نحو المزيد من التصعيد، بعد قيام عناصر ملثمة من داخل الحراك برشق رجال الأمن بالحجارة والزجاجات الحارقة، ما أدخل هذا الحراك النفق المسدود.
فمع انطلاق الحراك منذ عدة أشهر، كانت غالبية آراء رجل الشارع، تصب في اتجاه أنه سينتهي كما انتهت الحراكات التي شهدتها الساحة الاجتماعية في عهد الحكومة السابقة بعدد من المدن المغربية، بتأطير من المنظمات النقابية وبمساندة من الأحزاب التي كانت في المعارضة وبعض جمعيات المجتمع المدني طالت مختلف القطاعات، مطالبة بوضع حد للسياسة اللاشعبية التي كانت تنتهجها الحكومة السابقة، ومطالبتها بالتراجع عن كل توجهاتها وقراراتها التي تضرب الاستقرار الاجتماعي، بسبب ما عرفته الساحة الاجتماعية من ارتفاع في أسعار المواد الغذائية وازدياد عدد العاطلين وفقدان الكثير من مناصب الشغل، مستهينة بما كانت تحذر منه المنظمات النقابية الممثلة للطبقة العاملة داخل البرلمان، حيث كانت لها ارتداداتها في الساحة الاجتماعية الوطنية ككل وليس في مدينة الحسيمة لوحدها.
فالمسار الذي عرفته هذه الأحداث التي ما زالت تتفاعل، وسيتحمل نتائجها الجميع، بعيدا عن الأسباب والمسببات، وذلك انطلاقا مما ورد في الخطاب الملكي الذي وجهه جلالة الملك نصره الله إلى الأمة بمناسبة الذكرى السابعة عشرة لعيد العرش المجيد، الذي مر عليه الآن قرابة أحد عشر شهرا حيث قال جلالته بأن “محاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع، وليست قضية حزب أو شخص واحد، الدولة بمؤسساتها من خلال تفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وتجريم كل مظاهرها للضرب بقوة على يد المفسدين”، مؤكدا على أن محاربة الفساد “لا ينبغي أن يكون مـوضوع مزايـدات”، ومشددا على أن “لا أحد يستطيع ذلك بمـفرده، سواء كان شخصا، أو حزبـا، أو منظمة جمعوية، غير أنه ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خارج إطـار القانون”.
إننا الآن أمام حراك لم يتوقف منذ عدة أشهر، وبعيدا عن محاولة محاكمة النوايا والأهداف الخفية لما يمكن أن ينطوي عليه هذا الحراك، ويحق لنا أن نتساءل، هل يمكن وضع هذا الحراك في إطار الدور الذي يجب أن يلعبه المجتمع لمحاربة الفساد؟، ثم إلى أي مدى أخذ المسؤولون السابقون بالجدية ما ورد في خطاب جلالته منذ قرابة عام، إذ كان من الممكن لو تم الشروع في تنفيذ ما ورد في ذلك الخطاب بما يقتضيه الحس الوطني ما كان الأمر أن يؤول إلى ما آل إليه اليوم؟ وما هي الأسباب التي عطلت محاربة الفساد؟ وهل يمكن القول إن المسار الذي عرفته هذه التظاهرات جاء كرد فعل على تهاون المؤسسات التي كان عليها أن تسهر من أجل تطبيق القانون وتنفيذ مضمون ما ورد في هذا الخطاب، وأن كل ما يصدر الآن من تصريحات حول هذا الحراك من منابر متعددة، يندرج في إطار المزايدات السياسوية والحزبية الضيقة، هروبا من المساءلة والمحاسبة التي كان يجب أن تتم عبر آليات الضبط والمراقبة وتطبيق القانون وتفعيل مساطره في هذا الشأن؟.
إن السبب الأساس الذي انطلق منه هذا الحراك، يكمن في الإجحاف الذي لحق بالعديد من المناطق المهمشة نتيجة سياسة لا تكترث بمصالح الوطن والمواطنين، ولكنه وبالرغم من ذلك فإن المنحى الذي أخذه، لا يبرر هذا الانزلاق الذي دفع إلى المزيد من التصعيد، لو لم يتضح أنه لم يسلم من مناورات ودسائس المتاجرين بوحدة الوطن وأمنه واستقراره، كشف عنها الطلب الذي تقدمت به وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي إلى الحكومة الهولندية بتسليمها أحد البرلمانيين السابقين، وهو مهرب وتاجر مخدرات كان يذكي هذا الحراك من خلال نشره رسائل دعم للمحتجين، وكان موضوع مذكرتي بحث أصدرتهما في حقه العدالة المغربية بتهمة تكوينه عصابة إجرامية للتهريب الدولي للمخدرات، حيث رفضت هولندا تسليمه إلى المغرب في البداية، ولكنها وبسبب الموقف الصارم والحاسم للمغرب اضطرت إلى إلقاء القبض عليه، هذا دون إغفال الدور الذي تلعبه بعض الجماعات التي تنشط داخليا من أجل تحقيق أهداف لها ارتباط بمخططات خارجية تهدف إلى ضرب الثوابت والمرتكزات التي تحافظ على هوية الوطن وتماسكه ووحدته.
ومن الأكيد أن الجميع مواطنين، وأحزابا ونقابات ومؤسسات المجتمع المدني وسلطات عمومية، يتفهمون ويساندون مشروعية هذه المطالب التي تقع في صلب الحركة الاحتجاجية لأنها تتمثل في المشاريع التي سبق وأن دشنها جلالة الملك منذ سنتين، غير أن هذا وبرغم مشروعيتها وما تلْقاه من مساندة، لا تبيح اللجوء إلى قضاء الشارع وإعمال “شرع اليد” للاقتصاص ممن تسببوا في هذا الإهمال والتأخير، اللذين سيكشف عنهما تقرير اللجنة التي عهد إليها بأمر ملكي مهام البحث والتحقيق للوقوف على أوجه التقصير وعدم إخراجه المشاريع المبرمجة إلى حيز التنفيذ إعمالا لربط المسؤولية بالمحاسبة..
فمطالب وحاجيات المواطنين في أقاليم الريف، ترتكز على تجاوز مظاهر التهميش والهشاشــة، واستكمال توفير بنيات المرافق الصحية، والإسـراع بتوفير النواة الجامعيــة، وتوسيع مبادرات تشغيل الشباب، وتقــوية وتسريع أوراش البنيـات التحتيــة وفتــح المسالك الطرقيــة في العالم القروي، وتسهيــل الولوج إلى السكــن اللائــق، ودعــم قطاع الصيـد البحــري… كلـــها قضايا وانتظارات، تفرض على الجميع التفاعل والتجــاوب معهــا وتنفيذها عــلى أرض الواقـــع، كما التزم بذلك الوفـــد الوزاري خــلال لقاءاتــه المباشــرة مع السكان والمنتخبين والمجتمع المدنــي في الحسيمة وإيمزورن والدرويــش والناظور وغيرها من مــدن وقــرى المنطقـــة، وتندرج كلها ضمــن رؤيـــة برنامـــج “الحسيمـة منارة المتـوسط ” الذي أعــطى جــلالة الملك انطــلاقتـه منذ 2015، والذي يــرمي إلى التأهيل التــرابي لكافــة الإقليــم، وتهيــئة الشاطئ ، وإطــلاق العــديد من المشاريع التنمـــوية، وبناء مجموعـــة هامــة مـن المؤسسات الصحية والثقافيـــة والرياضيــة، وغير ذلك مـن المشاريع والأوراش التي تضـــع القواعــد المتينـــة للنهـــوض الشامل بالمنطقـــة، مثلها في ذلــك مثـــل بقيـــة أقاليم وجهــات الممكلة التي تطالب هي الأخــرى بوضع حــد لمظاهر التهميش والهشاشــة.
ومن هنا فإن البلاغ الذي صدر عقب اجتماع المجلس الوزاري الذي ترأسه جلالة الملك يوم الأحد الماضي، أبرز أهمية القرارات والتعليمات الملكية التي ركزت حول تعزيز البناء المؤسساتي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال توطيد الحكامة، وتعيين عدد من المسؤولين الجدد من أجل تفعيل سياسة القرب في معالجة الكثير من الملفات التي ما تزال عالقة ارتبطت بأغراض سياسية ذاتية لم تأخذ بعين الاعتبار مصلحة الوطن العليا التي يوصي جلالة الملك دائما بأن تكون حاضرة لدى المسؤولين المعنيين بتنفيذ جميع المشاريع التي تنمي الوطن، كما هو الشأن مع ملف مدينة الحسيمة.
وتبقى الإشارة هنا، إلى أن ما تردد وما تم نشره عبر العديد من المواقع وبعض المنابر الإعلامية الأخرى، من التماس تدخل بعض الشخصيات وبعض الأحزاب السياسية والمجتمع المدني لدى جلالة الملك من أجل إصدار عفوه عن الذين تم اعتقالهم نتيجة لهذا الحراك، لا يمكن له أن يتم إلا بعد التثبت من العناصر التي أذكت وتذكي النار في الهشيم، ووفق ضوابط تحددها البنود والمواد الدستورية والقوانين، مادام أمر معتقلي الحراك متــروكا الآن للجهـــات القضائية التي تعـــود إليها مهمــة استكمال التحقيق وتحــديد الجزاءات، وقد سبق للنيابــة العامة منذ بداية الأحداث، أن ذكرت بأن المغرب كدولة قــانون ومؤسسات، يعمل بمبــدأ قــرينـة البــراءة إلى أن تظهر نتـائج التحقيــق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*