الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / رهانات ورش الجهوية.. لا مجال للانتظارية

رهانات ورش الجهوية.. لا مجال للانتظارية

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

كما لــوحظ ذلك مــؤخرا، وكما سبق أن حصــل فــي مناسبات ولقــاءات ومنتــديات سابقــة ، هناك العــديد مــن الأصوات والأطــراف التي تجعــل مــن التنــزيل والتفعيــل الفعلـــي للجهـــوية المتقــدمة مرتكــزا محـــوريا للعمــل التنمــوي فــي كـل جهات ومنــاطق البــلاد.
ومعلــوم أن موضوع الجهويــة، ســـواء كــآلية مـن آليات البنـــاء الديمقراطي، أو كخــيار سياســي وتدبيــري، يبقــى مـن الأوراش التي انخــرط  فيها المغـرب عـن وعــي  وبقناعــة، في سيـــاق بنــاء وتوفيــر قواعــد ومتطلبات تقــدم ومـناعـــة دولتـــه القـــويــة  بخيــارها الديمقــراطي وبعــدالتها الاجتماعيــة والمجــالية. لذلك فالمــوضوع  لــه راهنيـــته في هــذا الوقت، وفــي هــذا الظرف بالذات، حيث أمام البــلاد رهانــات وتحــديات كبــرى على مخـتلف الواجــهات والمستويات.
والأكيــد أن المناداة بهذه المهمــة أو تلـك لا تـأتي أبــدا مــن “فراغ” أو من بـاب الصــدف، بل هــي تعبيــر عن واقــع معيــن، وترجمــة لحاجــة أو حاجيات مــوضوعيــة هــي بمثابـــة قيمـــة مضافـــة على طريق بلــوغ أهــداف المرحلة وإنجـــاز مهامها، في حين أن الحديث اليوم عـن إعمال الجهوية المتقدمة لا يعني أكثر من الأخذ، أو الالتزام، بالمبادئ وبالفلسفة التي تحكـــم خيـار الجهويــة واللا تمركز، وهو ما يستدعي دائمــا استحــضار غــايات الجهــوية وأسبــاب نزولهـا، ومن ثمــة تملــك أسئلـــة وأجوبـــة تنــزيلها وإنجـــاحها.
فقبــل سنة بالضبط، تمت المصادقــة، في مجلس حكــومي، على 22 مشروع مرســوم تتعلــق كلـها بتـنــزيل القوانيـن التنظيميــة للجهويــة المتقــدمة، وهي النصــوص الخــــاصـة بمساطـر إعداد برامــج التنميــة الجهويــة وتتبعهــا وتحيينــها، وكـذا بتحديد مسطرة وآجـال إعـداد ميزانية الجهــة، وبتحويل الاعتمادات المفتوحــة في الميزانية، وبكيفيـة تحضير القوائم المالية والمحسـابية المرفقــة بميزانيــة الجهــة، الخ …
وقبــل ذلك، بسنــة كــاملة، سبق أن صادق مجلــس النواب على مشروع القــانون التنظيمــي المتعلــق بالجهات الذي أخــذ وقتا مهمــا، وكــان محــط نقاش وتشــاور بين مختلف الأطــراف التي أبــدت ملاحظاتها، وذلك فـي أفــق سعي وتطلــع الجميــع إلى الشــروع في العمــل لتــدشيــن هــذا الـورش الحيــوي، الذي قال عنــه جلالـة الملك محمـد السادس إنــه يسعــى، مــن خلاله، إلى : ” ترسيــخ اللامركزيــة في اتجــاه إفــراز مجالس محلية وإقليميــة وجهــوية تجمـــع بيـن ديمقراطيـة التكويــن وعقــلانية التقطيــع ونجاعـــة وشفــافية وســلامة التـدبيـر، والتوفر على أوســع درجــات الحكــم الذاتـي الإداري والمــالي، مـن شأنــه جـعلهـا تنهــض بعمليــة التنميــة الاقتصـادية والاجتماعيــة “.
ولا شــك أن خيــار الجهوية المتقــدمة، فـي فلسفــته وغـايته، يترجــم إلى حــد كبير هــذا المسعـى النبيل، وما يحملــه مـن قيـــم الديمقراطية والتضامــن والمســاواة، وضمان الحــق في الحيــاة الكريمــة، وتوفير شروط التنميـــة المتوازنـــة.
كما أنــه لا يمكـن نكــران أن المغرب، وحتى الآن، حــقق تـراكمــات إيجابيــة مهمــة  على طريق بلــورة هــذه القيــم، وتعــزيز ترجمتــها وتجسيـــدها على أرض الـــواقع، وبما يجعــل هــذه التــراكمات مــدخلا لتحقيــق المزيد مــن النجــاحات والنهـــوض التنمـــوي في كل المجــالات ذات الصلــة بخيـــار الجهــوية. ولذلــك يكون مــن المشــروع، بل ومن المطلـــوب، تـركيز كــل الانتبــاه الـلازم والضـروري مــن أجــل المزيــد مـن تــدقيق الرؤيـــة، وخاصــة في مــا يهـــم بعض القــضايا والأسئلــة التي تفــرض نفسهــا، ومنــها:
*  كيف السبيل إلى الشــروع العملـي في تقليــص الفوارق بيــن الجهــات الإثنى عشــر، ســواء في ما يتعلــق بالتجهيزات والبنيات التحتيــة، أو في ما يعــود إلى التفــاوت في خلق الثــروات، إذ أن جهتيــن (مـن أصل 12) تهيمنــان لوحدهما على 48 بالمائة مـن إجمالي الثـــروات الوطنية، فيما تستفرد خمس جهات بأزيـد من 70 بالمائة مـن إجمالي نفقــات الأسر على الصعيد الوطني.
* كيف ومتى الوصول إلى استكمال نقــل الاختصاصات المفروض أن تكون مرفوقة بالاعتمادات والوســائل المالية، وكيف هو تدبيـر موضوع نقــل الأمــلاك العقــارية العامــة الضرورية  لممارسة الجهــة لاختصاصاتــها.
* التوجهات الممكــن اتباعــها لتجــاوز حــالة تمـــركز الاستثمارات والتجهيـزات في جهات ومناطق معينــة، وبما يمكن الجهات الأخــرى من احتلال مــوقع لها في النشاط الاقتصادي والتنمـــوي، وبالتالي التمكن من استثمار إمكانياتهـا ومؤهلاتها.
* الوسائل المتاحــة لاعتماد مبادرات تعـــاون وتكـامل بين مؤسسـات الدولة والجهــات، وإمكانيــة وضع الجهـات لاستراتيجيــات جهــوية في بعض المجالات حيث يمكن توظيف خــصائص هـذه الجهــة أو تـلك، والاستفــادة مـن المعطيات الخاصـة بــها، بشـرية كانت أو جغرافيــة، إلخ…
* القيمــة المضافة، وربما الفاصلــة، التي يمكن للجهـة أن تقــدمها في التصدي لمظاهـر الفقر والهشاشة بالمناطــق الجبليــة، وفــك العــزلة عــنها، وتحسيــن ظروف العيش بـها.
* ماذا تــم إعداده في مــجال التكـــوين والتكوين المستمــر، للموارد البشـرية والكفــاءات القادرة على تدبيــر الشأن الجهوي، حتى لا تكـــون الجهات مجــرد هياكل فــارغـة.
وبالطبع، فإن كـل هــذه القضايا، وغيرها كثير، ليسـت بالجــديدة ، لكــن تكــرار إثارتها  وطرحــها من لــدن مختلف الأطراف السياسيــة والمجتمعيــة، يؤشــر على أن مــوضوع استكــمال البــناء الجهــوي مـا يزال في حاجـــة إلى عمليـــة دوريــة للتقييــم والتقـــويم، وذلك مــن دون أن نكــون فــي حاجـة  إلى وقــوع حــدث أو إحداث للقيـــام بالمتعيــن.
فهــذا الورش يعــد من الأعمـــدة الأساسيــة في هنــدسة صــرح البناء الديمقــراطي والتنمــوي، كما صاغــها خطاب (9 مارس) ودستور 2011، وهو الإطار الأنجــع والميســـر لاعتمــاد سياسـة القـرب والتنميــة المحليــة الشاملــة، وبالتالي تحقــيق التكــامل والتدبيــر الديمقراطي على المستــويين الإداري والمالـــي وتوزيـــع الثــروة.
ومن البديهيات الواضحــة أن أي ورش مــن هـذا الحجــم، وبهــذه الأهميــة، لا يحتمــل الغمــوض ولا التــردد، ولا يطيـــق أي شكــل من أشكال الانتــظارية أو المساحات البيــضاء. وعليـه فبقــدر ما يتــم الرهان على نجــاح خيــار الجهــوية، بقــدر ما تتــأكد ضــرورة  المقاربــة التشــاركية التي توفــر عناصر النجــاح، وتخلـــق المناخ المشجــع على تـعبئــة ومساهمــة  كل الطاقات والنخـب الوطنيــة والجهـــوية والمحليـــة في معــركة ربــح هــذا الرهـان عبــر التفاعــل الإيجابــي والمسؤول مــع  الأسئلــة المطروحـة، ولعلــه يكـــون من حســن الصــدف أن مجلــس الحكومــة صــادق في اجتماعــه الأخيــر (الخميس الماضي) على مجموعة مراسيـم، تهـم الجهات والجماعات الترابية، وتتعلق بتحـديد كيفيات منح التسبيقات المالية للجهـة، وكيفية إيداع أموال الجهة لدى الخــزينة، وبشروط  حصر النتيجــة العامة لميــزانية الجهــة…، وعــلاوة على ذلك فقـد أكــدت الحكومــة إثر هـذا الاجتماع على ضــرورة الإســراع بإصــدار مشاريع المراسيــم المتبقيــة، وفي ذلــك إشارة  دالـــة على الوعــي بعامل الزمــن وتسريع وتيــرة تشييــد المؤسسات الجهـوية، لتبــاشر اختصاصــاتها ومهـــامها بشكـــل كـــامل وعــلى كـــل الواجهـــات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*