الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / انسجام مواقف المغرب ورؤاه الاستشرافية

انسجام مواقف المغرب ورؤاه الاستشرافية

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

 

بمشاركته في أشغال الدورة الأخيرة لقمة الاتحاد الإفريقي يواصل المغرب دعمه لهذه المنظمة التي هي في أمس الحاجة إلى تظافر جهود كل شعوب القارة لتعبئة كامل طاقاته في مواجهة تحدياتها وخدمة أهدافها التنموية ومصالحها الحقيقية.

وكعادته، فقد حرص المغرب على أن تكون مساهمته إيجابية وذات قيمة مضافة تدعم آفاق نهوض وتقدم القارة السمراء، وتساعد على نجاح الأجندة الإفريقية المتعلقة بالسلام والاستقرار والأمن والتنمية. وذلك ما ظهر من خلال الخطاب الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس إلى القمة 29، المنعقدة بداية الأسبوع الماضي باديس أبيبا، وكذا في تكليف جلالته الأمير مولاي رشيد بتمثيله في هذا الحدث الإفريقي.

وانسجاما مع توجهه الإفريقي المبدئي والفعلي، أولى المغرب لموضوعات هذه الدورة، وكذا لاجتماعات المجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي، كل ما ينبغي أن تحظى به من عناية واهتمام وتركيز، خصوصا وأن هناك قضايا حيوية ورهانات كبرى موضوعة أمام المنظمة الإفريقية والعمل الإفريقي المشترك، بما في ذلك إشكالات إصلاح هياكل المنظمة وملاءمتها مع المستجدات والتطورات الجارية على المستوى القاري.

بشأن كل ذلك، وبالنسبة لمختلف عناوين الأجندة الإفريقية ومشاغل شعوب وبلدان القارة، يؤكد المغرب حرصه مجددا على مقاربة مختلف قضايا جدول الأعمال الإفريقي بكل ما يلزم من تبصر  وروح المسؤولية والمواقف البناءة المنسجمة ومصالح إفريقيا وتطلعات شعوبها.

وبشكل واضح ودقيق رسم الخطاب الملكي، الموجه إلى القمة الافريقية، معالم بناء افريقيا الجديدة .. افريقيا الصاعدة بالاعتماد على:

* الانطلاق من نظرة ملموسة وواقعية بإمكانها المساهمة في بناء قارة إفريقية جديدة مبادرة ومتضامنة.

* كون إفريقيا اليوم لم تعد في حاجة إلى الخطابات الإيديولوجية، بل إلى العمل الملموس في مجالات البناء التنموي.

* أن مستقبل إفريقيا رهين بالاعتماد على شبابها، مما يستلزم التركيز على سياسات إرادية موجهة نحو الشباب الذي يعد بمثابة الرأسمال الثمين للقارة  وقوتها في القدرة على الإقلاع.

* أن هناك أسبابا موضوعية وتاريخية تحتم الأخذ بالتعاون الإفريقي البيني، وبناء شراكات إستراتيجية ومتضامنة بين البلدان الشقيقة.

كل هذه المنطلقات والتوجهات والمرتكزات التي تضمنها الخطاب الملكي لا يمكن إلا أن تشكل ذخيرة للجيل الجديد من العمل الإفريقي، الجماعي منه والثنائي، وهو أيضا مصدر ثقة ومحفز على الاجتهاد في تطوير وتقوية استراتيجية ومؤسسات العمل الجماعي والتعاون الإفريقي المشترك.

وبالنسبة للمغرب، تجدر الإشارة هنا إلى تلك الفقرة التي ختم بها جلالة الملك خطابه أمام الدورة السابقة للقمة الإفريقية، وهي “دورة العودة إلى البيت الإفريقي”، حيث ختم جلالته بالقول : ” لقد اختار المغرب سبيل التضامن والسلم والوحدة . وإننا نؤكد التزامنا من أجل تحقيق التنمية والرخاء للمواطن الإفريقي.  فنحن شعوب إفريقيا، نتوفر على الوسائل وعلى العبقرية، ونملك القدرة على العمل الجماعي من أجل تحقيق تطلعات شعوبنا”. فمن استحضار هذه الفقرة يتأكد للمتتبعين ولكل مكونات المجتمع الدولي، مدى انسجام الخطاب المغربي ومتانته وصدقيته، منذ أن أقر توجهه الجديد نحو عمقه الإفريقي إلى القمة الإفريقية الأخيرة.

أما سؤال القضية… قضية الوحدة الترابية وتطورات المعركة من أجلها داخل المحفل الإفريقي، فلا شك أن موضوعه قد يتلخص في ما أن كانت هناك مؤشرات إيجابية تقوي الأمل في الإنصاف الذي ينتظره المغرب من الأشقاء الأفارقة، تجاه قضية وحدته الترابية المشروعة؟.

وبالطبع، فإن الجواب يحتم الانتباه إلى أن قرار المغرب بالعودة إلى المؤسسة الإفريقية كان، في حد ذاته انتصارا لمواصلة المعركة من موقع مسترجع بفضل حكمة جلالة الملك، كما أن المغرب لم يخف يوما تمسكه بمشروعية قضيته الوطنية، وبحقه في الدفاع عنها على كل الواجهات وفي كل المحافل، علما بأن بداية العمل داخل هذه المؤسسة قد لا تخلو من صعاب أمام الجهود المغربية والمساعي الرامية إلى تحديث مؤسسة الاتحاد الإفريقي  وتطويرها من حيث المفاهيم والمصطلحات السياسية، ومن حيث هياكلها وآلياتها، لأن المنظمة ما تزال تعاني من بقايا العديد من الترسبات، التي استبدت بالمنظمة خلال أزمنة المهاترات الإيديولوجية الفارغة، وعبث السياسات التوسعية.

ومع ذلك، فإن التطورات حاصلة، والمؤشرات الإيجابية قائمة، وذلك بحسب مجموعة من المواقف والمقاربات التي تعاملت بها القمة الأخيرة للاتحاد الإفريقي مع ملفات وقضايا تخص موضوع الصحراء المغربية أو لها صلة به، بل إن مصادر مقربة من الوفد المغربي، كما المجلس الحكومي الأخير، تفيد بأن المغرب عبر عن ارتياحه للنقاشات والمواقف التي انتهت إليها القمة بشأن قضية الصحراء.

ومن النتائج الايجابية التي يمكن الإشارة إليها، هناك الموقف الذي توصلت إليه لجنة الاتحاد الإفريقي والذي يؤيد إقرار “حل توافقي” للنزاع المفتعل بشأن الأقاليم الجنوبية للمغرب، والذي يرحب باعتزام الأمين العام الأممي إطلاق مبادرة تسوية جديدة حول ملف النزاع ، وهناك ابعاد مصطلحات الجمهورية الوهمية  ومزاعمها حول ما تسميه ب “الأراضي المحتلة، انتهاك حقوق الإنسان …” عن الوثائق الرسمية للقمة، بالإضافة إلى الإقرار بالدور الرئيسي للأمم المتحدة في الملف…

وبالإضافة إلى أهمية النقاط الإيجابية على مستوى اجتماعات المؤسسة الإفريقية، فإن التطورات المتواصلة بالفضاء الإفريقي لها امتداداتها وتأثيراتها الأكيدة خارج هذا الفضاء، وبالذات في محافل أخرى لها ثقلها الوازن، كما هو الشأن بالنسبة لبرلمان الاتحاد الأوروبي الذي وجه صفعة جديدة لأطروحة جماعة البوليساريو، وذلك مباشرة بعد القمة الإفريقية، حيث رفض البرلمان الأوروبي، وبشكل حاسم، المقترح الملغوم الذي تقدمت به أحزاب مساندة للطرح الانفصالي، وبدعم من الجزائر، والذي كان يرمي إلى توسيع اختصاصات البعثة الأممية لتشمل “مراقبة حقوق الإنسان”، وهو المقترح الذي سبق لمجلس الأمن، من جهته، أن رفضه بشكل مطلق.

من هنا يمكن القول بأن الجهود المغربية، وفي مقدمتها المبادرات الملكية والسياسة الإفريقية للمغرب التي أبدعها عاهل البلاد، بدأت تعطي  وستعطي  نتائجها وثمارها بالرغم من كل المحاولات اليائسة التي يقوم بها خصوم القضية الوطنية، سعيا منهم لمعاكسة منطق الحقيقة والمسؤولية.

ومن مسؤولية الاتحاد الإفريقي أن يعكس اليوم، في مبادراته ومواقفه، حقيقة المنعطف الذي دخلته القارة، والذي تتسع رقعته مع تزايد أصوات الدول المتفهمة والمساندة للحق المغربي، سيما وأن بناء إفريقيا الصاعدة والمتضامنة يتطلب ليس فقط تسجيل التحولات الجارية، ولكن أيضا ترجمتها وتجسيدها على أرض الواقع عبر مواقف شجاعة، منسجمة وصحيحة تخدم النظرة الاستشرافية لمستقبل قارتنا السمراء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*