الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / الأمن المائي في صـدارة الأولويات

الأمن المائي في صـدارة الأولويات

” ليس هناك فرق بيــن مشاريـع صغيرة وأخـرى كبيـرة، وإنما هناك مشاريــع تهــدف لتلبيــة حاجيات المواطنيــن . فسواء كان المشروع في حـي ، أو دوار، أو مدينة أو جهــة، أو يهـم البلاد كلـها، فهو يتـوخى نفـس الهـدف، وهو خـدمة المواطن، وبالنسبة لـي، حفـر بئر، مثلا، وبنـاء سـد، لهمــا نفس الأهميـــة بالنسبـة للسكان” .

من خطاب جلالة الملك بمناسبة عيد العرش المجيد لسنة 2017

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس
تميزت بداية الأسبوع الجاري بترؤس جـلالة الملك مجلسا وزاريا وضع جلالته في مقــدمة أشغاله موضوع خصاص الماء الشروب وميـاه الرعي في المناطق القرويـة والجبليـة ، حيث أعطى جـلالته توجيهاته السامية القاضية بتكليف رئيس الحكومة ليتولى رئاسة لجنة ” تنكب على دراسة هـذا الموضوع قصد إيجاد الحلــول الملائمة خلال الأشهر القادمــة ” كما جاء في بلاغ للديوان الملكي .

ومن جهته، كان مجلس الحكومة قــد تطرق إلى الوضعيـة المائيــة في بعض الجهــات، وخـاصة تلــك التي شكت وتشكـو مـن” النـدرة ” ووقعهــا القـــاســي على الساكنــة وأوضاعــها المعاشيــة والمجاليــة ، وذك فــي انسجــام تام مع الاهتــمـام الملكـي بالموضوع ومع التــوجه العملي الــذي عبــر عنـــه جلالته في اجتماع المجلس الوزاري أول أمس الإثنيـن .
وكما هو معـروف، فموضوع الماء ليــس بجــديد بالنسبــة لبـــلادنا، وربما أن المغــرب كــان فـي طليعــة البلــدان التي استوعبــت باكـرا أهميــة الماء كمــادة حيــوية، وكـقطــاع إستراتيجــي بالنسبــة لكـــل تنميـــة متوازنـــة ومتكـــاملة.
والوعــي بهــذه الاهمــية وبهــذا الطابــع الاستراتيجــي يظهر، أول ما يظهــر ، في سياســة الســدود التي اطلقــها المغفور له جلالة الملك الحســن الثانــي طيب الله ثراه، منــذ منتصـف ستينيات القــرن الماضــي ، أي منــذ الخطــوات الأولى فــي مرحلــة “الجـــهاد الأكبــر” التي عنـي بهــا جلالة المغفور لـه محمـد الخامــس في مرحلة بناء قــواعد الدولة الحــديثة المستقلــة والقــادرة علــى بناء اقتصادها الوطنـي وإنجـــاز أهــدافها التنمـــوية والاجتمــاعيــة.
فمـن بــناء سـدود مـولاي يـوسف والحسـن الداخـل والمنصــور الذهبـي ، وإلى تشييد سدود يـوسف بن تاشفيــن وإدريس الأول وسيدي محمد بن عبـدالله تجســدت إستراتيجيــة مائيـــة شكلــت دعامــة أساسيــة لتطـوير القــطاع الفــلاحي ، وخاصــة عبــر وضع هــدف الوصــول إلى سقـــي مليون هكـتــار سنـــة 2000.
واقتــداء بالاهتمام الملكي بقضايا وحاجيات المواطنين، فما كان للمجلــس الحكومي أن يقف عــند”تشخيص الوضع” حين التطــرق إلى موضوع المــاء وما تناقلتـه وسائــل الإعــلام مــن خــصاص فــي هــذه المادة ببــعض منــاطق البلاد ، لأن الأمـر يحتاج بالفعـــل إلى خطـوات عمليــة تستجيــب لمعالجــــة مشكل نـدرة الميـــاه وخاصـــة على مستوى الحالات المستعجـــلة.
ووفق البلاغ الصادر في المـوضوع بأن هذه القضيـة هـي التي كانت في صدارة جـدول أعمـال المجلس الحكومي، حيــث ” إن جميــع الحالات المسجلــة تــم أخــذها بالجــدية الكاملــة وإيجـــاد حلـــول مستعجــلة وآنيــة لـها، والتي تبقــى حلــولا مــؤقتة، بالنظر إلى أن الحكــومة تعمل، بالموازاة مــع ذلــك،عــلى تنـزيل قــانون المــاء الصادر سنــة 2015 … “.
إن رهان توفيــر حاجيات البلاد مــن المــاء يعــد من التحــديات الكبــرى التي تطلبــت الكثيـر من الجهـود والبحــث عـن الحلــول التي تمكــن من التغلـب على عــوامل النــدرة وجعل الموارد المائيـــة في مستوى الحاجيــات، وقــد ظهــرت هــذه العوامل بشكــل حــاد مـنذ سنــوات، وخاصــة مـع تراجع نسبــة التساقطات المطرية، بالإضافة إلى التوحل الذي يفقد الســدود 75 مليون متر مكعب من طاقتهــا الاستيعابيـة سنويا، وكـذا ضعــف عقلنـــة وتــرشيد الاستعمـال، بل إن تقارير البنك الدولـي تشير إلى أن المغرب سيفقـد جــزءا مهمــا مـن الموارد الماليـــة في أفـق 2050.
وبالطبع فإن الخصاص والصعاب الحالية لا تنفــي أن المغرب خـطا خطوات كبـرى، في هــذا المجال، سواء من حيث التجهــيز والتدبير أو في ميدان التخطيط والتشريـع ، فقبل قانون 2015 كان هنــاك قـانون رقم 95ــ10 ” المتعلق بالماء”، الذي اعتبر في حينــه إصلاحا تشريعيا مهمــا، غير أن التطورات المتصلة بالقطاع فرضت وتفــرض استيعاب العناصر الجــديدة في تـدبيره ومــلاءمة مؤسساتـه وآلياتـه، وذلك مــن أجل تلبيــة حاجيات الساكنــة من هـذه المادة الحيــوية، والتجــاوب مـع انتطــارات وتطلعــات مختلف المتدخليــن.
وتشكــل كـل العناصــر الأخــرى التي تعــطي للموارد المائيــة مكــانتها الإستراتيجيــة، بالنسبة لمجــال التنميـة ولكــل مناحــي الحيــاة، عــاملا إضافيـــا لتثمـــين المنهجيـــة العمليـــة التي تعامــل بـها اجتماع المجلس الحكـــومي مــع النقطــة المتعلقــة بنــداءات الساكنــة المهــددة بالعــطش جــراء نــدرة الماء الشروب أو انقــطاعاتــه المتكــررة عــن بعض المناطــق، ولاسيما منها القــروية والجبليــــة، كما تظهـــر أيــضا أهميــة هــذه المعالجة القرارات المستعـجلـــة، والعمل الإستراتيجـي الذي يحث عليه جلالة الملك وأبعـــاده السيــاسيـة، مــن خــلال :
ــ ما يمثلــه تــزويد المــواطنيـن بالمــاء مـن عنصــر أساسي لحيـــاتهــم ولاستقــرارهم، وهو ما يستــوجب اتخـــاذ كـل التدابيــر، وتعبئـــة كـل الوسائــل مـن أجــل ضمــان الأمــن المائـــي وعقلنــة الاستفـــادة مـن الثـــروة المائيـــة.
ــ ظــرفها السياســي والزمنــي، حيث مـن الواضح أنهــا متناسقـــة كل التناســق مـع توجهات الخطب الملكيـــة الأخيـــرة التي تلــح عــلى التجاوب العملــي والتــلقائــي مــع قضايا المـــواطنيـن وحــل مشـــاكلهـم.
ــ ما يمثلــه المـاء كإشكالية من أهــم إشكاليات المــرحلة، سواء على المستوى الاجتماعـى أو الاقتصــادي والتنمــوي بشكــل عام، خصوصا وأن تحــديات المــاء تــوجد فــي قــلب كــل المشاريـع والبــرامج الأخــرى.
ــ اعتبــار الأمــن المـائي، في كـل قنوات تـدبيره، مـن القــطاعات التي تتطلـب تكــاثف جهـــود كــل المتدخليــن، والتعبئــة الجماعية، بعيــدا عـن أي شكــل من أشكــال الحسابـات الضيقــة والاعتبــارات الثانــــويـــة.
ــ مــا يمكن أن يـكــون لتفعيـــل اللامركزيــة في تـدبير الموارد المائيــة من وقــع رمــزي ومعنـــوي فــي تمتيـــن جســور التضــامن والتكـــامل بيــن جهــات المملـكة، وفــي سيـــاق إنجــاح ورش الجهـــوية المتقــدمة.
هـذا، ويكفــي أن تكـــون الخلاصــة الرئيسيــة، في هــذا الباب،هي أن نتيجـــة الرجـــة السياسيـة التي تحــدثت عنهــا وسائل الإعــلام فــي الشهــور الأخيــرة، قــد تبلــورت مــن خلال وجــود بـــوادر ممارســة جــديدة في التدبير الحكومي وفي التعـــامل مــع قــضايا المــواطنيـن وتـدبيــر ملفـــات الـشأن العــام، فـي مختلــف المياديــن والقــطاعات .
وهــذه البوادر الإيجـــابية لا يمكــن، بالتأكيــد، إلا أن تبعــث على التفــاؤل، وأن تعــزز الثقـــة فـي قــدرات بــلادنا، بكــل طاقاتـــها وقـــواها الحيـــة، عـلى التصــدي بنجـــاح لمهـــام المــرحلـة ورفــع تحـــدياتـــها، وربـــح رهاناتــها مهمــا كانت عــديدة ومتعـــددة.
إن لائحــة الانتظــارات طــويلة، والرهانات ليست بالبسيــطة و موضوع المــاء، الذي نحــن بصـدده، يعـد مـن التحــديات التي لا ينفــع معهــا الارتكـــان إلى التراكمات والإنجـــازات والخبـرة والتجــربة المحصلــة . فالإشكالات المطروحة على مستوى الأحــواض المائيــة، والعجــز الذي يصــل حدود 40 بالمائــة، وما يعرف ب “الزراعة المتوحشة” في بعض المناطق حيث تستـنـزف الفرشــة المائيـــة ، واستحالة الاعتمــاد الكلــي على التساقــطات … كل ذلــك وغيــره يضعنـــا أمام ســـؤال : ماهــي الاخــتيارات والبـــدائل ؟ .
ولهــذا السؤال رديفـــه المتمثــل فــي ” ســــؤال الإمكانيات والوسـائل”، ســواء تعلــق الأمـر بخيــار تحليـــة ميـــاه البحـــر أو غيــره مــن الخيارات المتـــاحـة، ومنهــا تحــديدا مواصلــة بنــاء الســدود المتوسطــة والســدود التليـــة ، واللـــجوء إلى تطــوير وســــائل التقليــص من تراكــم الأوحـال بقعــر السـدود الحالية، التي ماتزال تشكــل عـنوانا بارزا لسيــاسة مائيـــة استبــاقيـــة أبانــت عــن حكمتــها وجدواها، خــلال سنـــوات طـــوال وفــي ظــروف حــرجـة.
والجواب عــن السؤال أو الأسئلة المطروحــة اليــوم، يعنــي توفيــر كـل إمكانيات وحــظوظ النجــاح فــي وضـــع المــخطط الوطنـي للماء، وتفعيـــله بمــا يـــؤمـن حــلولا إستراتيجيــة للأمن المـــائي كما تطــرق إلى ذلـك المجلــس الحكــومي في اجتماعـه الأخيــر .
وحتى وإن كان هناك أكثـر من خيار، فالمهـم هو مواكبـة المسيرة الإنمائيـة وخـدمة المواطــن ، وكما جــاء في الخطاب الملكي بمناسبة عيـد العرش : ” ليس هناك فرق بيــن مشاريـع صغيرة وأخـرى كبيـرة، وإنما هناك مشاريــع تهــدف لتلبيــة حاجيات المواطنيــن . فسواء كان المشروع في حـي ، أو دوار، أو مدينة أو جهــة، أو يهـم البلاد كلـها، فهو يتـوخى نفـس الهـدف، وهو خـدمة المواطن، وبالنسبة لـي، حفـر بئر، مثلا، وبنـاء سـد، لهمــا نفس الأهميـــة بالنسبـة للسكان” .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*