الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / إلى متى تستمر الجزائر في التهرب مـن الحقيقة؟

إلى متى تستمر الجزائر في التهرب مـن الحقيقة؟

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

تلقت كل وسائل الإعلام الدولية، وحتى بعض وسائل الإعلام الجزائرية المتحررة من وصاية السلطة، باستغراب كبير، التصريحات التي صدرت من جــديد عن “مســؤول جزائري كبير يشغل منصب رئيس الدبلوماسية” في جــهاز السلطــة الجزائرية، تعمد فيها مهاجمــة المغــرب بشكل استفــزازي، مستغلا فرصة مداخلته أمام منتـــدى فعاليات اقتصـــادية، مكيلا اتهامات مجانية وبأسلوب سافل ضد المؤسسات المالية والاقتصادية المغربية، لا يليق به ولا بالمنصب الذي يشغله كرئيس للدبلوماسية الجزائرية، بعدما ذهب في تصريحاته إلى نعت المؤسسات المالية والاقتصادية المغربية، التي انخرطت في النشاط الاستثماري للمغرب في العمق الإفريقي، واتهامها بممارسته التهريب وتبييض أموال المخدرات… الخ
وأمام هذا السلوك المشين والمرفوض أخلاقيا لافتقاره لأبسط ما تتطلبه الأعراف والقواعد الدبلوماسية، جاء رد المغرب متميزا باللغة الدبلوماسية المتعارف عليها، فقام باستدعاء القائم بأعمال السفارة الجزائرية بالرباط، لإبلاغه رفض المغرب لهذا الأسلوب الدبلوماسي السمج، واستدعاء السفير المغربي بالجزائر للتشاور.
أما على الصعيد القـــاري، فقد جـاء الرد واضحا من طرف السلك الدبلوماســي الإفريقــي بالربــاط، حيث صرح عميــده، متحــدثا باسم السفراء الأفارقة، بأن “رؤساء بعثــات البلدان الإفريقيــة اطلعــوا باستغراب على تصريحات وزير الخارجية الجزائري التي لــن تسهــم إلا في تسميــم الأوضاع”.
من جهة أخرى، فقد ذهبت كـــل القــراءات الرصينة والموضــوعية بــهذا الخصــوص إلى الربط بيــن هذه التصريحات وبين الوضع الداخلي المشحـــون بالجــزائــر وتداعياته على وضــعيتها الاقتــصادية المخنـــوقة ، وكــذا مـع تــزايد انحســار أطروحــات واستراتيـــجيات الجزائر، وخلط الأوراق بالمنطقـــة المغاربيـة والإفريقية، تزامنا مع الجولة التي يقوم بها المبعوث الجــديد للأمم المتحــدة لإجراء المشاورات حول ملف الصحراء المغربية قبل أن يقوم بتقديم تقريره إلى الأمم المتحدة.
ففي ما يعــود إلى المجــال الاقتصادي، فالسلطة في الجزائر واعيـــة تمام الوعي بأنهــا تقف عــلى أبواب أزمة حقيقيــة لا تنحصر في العائــدات النفــطية فقط، بل تتعداها إلى مجالات أوسع وأشمل، حيث طالما عبرت كل الفعاليـــات الاقتصــاديــة الجزائرية وما تزال عن قلقــها من محــدوديــة إمكانيــة وفــرص تحسيــن المناخ الاقتصــادي وشــروط الاستثمــار، وصعوبة تــجاوز وضعيــة الركــود.
وحسب ما نقلته بعض وسائل الإعلام عــن مصدر دبلوماسي، فإن تصريحات الوزيــر الجزائري أمام منتــدى رؤســاء المؤسسات الاقتصادية ببلاده كانت تهــدف، من جملة ما تهــدف إليه، إلى “وضع رجال الأعمال الجـزائريين في الصورة ودفعهــم للتخلي عـن خـطاب جلد الذات الذي يمارسونــه بخصوص الجزائر ومقارنتــها كـل مـرة بالمغرب”.
وبالإضافة إلى النمط الاقتصادي الناجح للمغرب، فإن الجزائر تعيش في دوامة  من الاضطراب السياسي والاقتصادي جراء التوجــه الإفريقي للمغرب، بعد أن أصبح ضمن مقدمـة المستثمرين في بلدان القارة السمــراء، عـلاوة على الأدوار التي يقــوم بـها فــي مجــالات التأطير والتأهيل، والدفاع عن مصالح القارة وأمن شعوبهــا وسيادة ووحــدة بلـدانهـا، وهو ما لا يروق الجــارة الشرقية التي لا تنظــر بعين الرضــى لعــودة المغرب إلى مكانه الطبيعي داخــل الاتحاد الإفــريقي.
أما القضيـة المؤرقة لأجهزة السلطة بالجزائر، والتي طالما خصصت لها من أموال الشعب لتعزيز “ترسانتها” الدفاعية والهجومية، فهي قضية الصحـراء المغربية، حيــث تأتي هذه التصريحات، بأن لا نية لها في التراجع عن سياستها العدوانية التي تعاكس بها الحق المغربي، ومن ثمــة ليس مـن الصدفة أن يتــزامن الاستفـزاز الجزائري الجديد مع جــولة المبعــوث الشخصي للأمين العـام للأمم المتحــدة، فترهات الوزير الجزائري لا تخــرج عـن أساليب “إرباك الوضع وتلويث الأجواء”، التي اعتادت الجزائر على نهجــها تجـــاه المساعي الأمميـــة لطي النزاع المفتعــل فــي المنطقــة، وذلك تشجيعا منها للمخطط الانفصالي ودوافع أخرى خفية، تريد بعثها من الماضي.
مـن هنا، يتضــح أن ما صرح به وزير الخارجية الجزائري، لم يكن زلة لسان، فقد أضحى مثل هــذا السلوك ومثــل هــذه الأساليب، من طرف الدبلوماسية الجزائرية، سـلوكا مدروسا وممنهجا، بعدما وصل إلى هذا التدني وعلى لسان وزير مسؤول، وهو يرسل كلامه بعد أن فقد زمام العقل، غير عابئ بما قد يترتب عن مثل هذه التصريحات من تأزم العلاقات، ليس مع المغرب فقط، بل ومع البلدان الإفريقية التي كانت الجزائر، وإلى عهد قريب، تتحكم في توجهاتها قبل أن يعود المغرب لاحتلال موقعه داخل الاتحاد الإفريقي، وهو ما أربكها وأفشل سياستها الهيمنية داخل هذا الاتحاد، وهذا سبب من الأسباب التي تثير عدوانية الساسة الجزائريين ضد المغرب.
فالجزائر لا تريد أن تتخلص من عقدة الماضي، ودبلوماسيتها ما تزال مرتبطة بزمن الحرب الباردة، وهذا السلوك الذي بدر من رئيس الدبلوماسية الجزائرية، يناقض  واقــع العصر وقواعده في تدبير الشؤون السياسية داخل الأسرة الـدوليــة، ومناف للمبادئ والقيــم التي تحكــم علاقاتها، وهي إصرارها على الاستمرار في نهج سياسة العداء تجاه المغرب، وتجاه كل من يناهض سياستها سواء من الدول الإفريقية أو الدول الأخرى، إنما تدفع نحو تكريس عوامل زرع التوتــر والقــلاقل والتفرقة في المنطقــة المغاربية، بل وفي القارة الإفريقية، وتشجــع أنشطة الجماعات الانفــصالية والإرهــابية في القارة، وتهــدد أمن واستقــرار شعـــوبها وسيـادتها ووحدتها الترابية.
فمثل هذه التصريحات التي أطلقها المسؤول الجزائري، إنما تذكي التوجـه الخطيــر الذي يـدفــع بالجزائر إلى التمسك بمواقفها ليس في معاداة المغرب فقط، بل تتعداه لعرقلة تحقيق قيام أي اتحاد مغاربي، بل وقد ينعكس على توجهات الاتحاد الإفريقي الذي يعد أحد السبل لبناء تعاون اقتصادي وسياسي فعال وإيجـــابي بين دوله وتدعيمه وعدم الدفع نحو خلق معسكرين متضادين داخله، مما ستكون له انعكاسات سلبية على مساره المستقبلي، في مواجهته للقضايا الكبرى التي تواجه مستقبل القارة برمتها.
أمام واقــع سياسي كهذا الذي تحاول الجزائر أن تفرضه، سيكون من الصعب إيجاد الطريق لفتح سبل آفاق سياسية جديدة تعمل من أجل إرساء قواعد متينة تبنى عليها الأسس السياسية لبناء وحدة مغاربية من جديد، تضع نصب عينيها رعاية مصالح دوله وشعوبه ومصالح القارة الإفريقية ومستقبـــل شعوبها، والتي تنطلق من منطق “رابح- رابح” لا من منطق “أنا وبعدي الطوفان” كما دأبت على ذلك الجزائر.
وما على الجزائر إلا العودة إلى المنطـــق السليــم والتعــاون بينها وبيــن المغرب، والتوجه نحو تســوية الخلافــات عن طريق الحــوار والتفاهــم، بما يجنــب المنطقــة المغاربية كل أشكال البلقــنة والــصراعات العبثـــية لإنهاء النزاع المفتعل حول قضيــة الصحراء المغربية، بعد أن طــرح المغرب مقترح الحكــم الذاتي، كان مــن المفــروض أن تجنــح الجزائر إلى قبوله ــ ما دامت تدعي أنها ليست طرفا فيه ــ والانخراط في الحوار على هذا الأساس ويكون هو الحل النهــائي لهذا النــزاع المفتعــل، بعد ما ظل المغرب ينادي بذلك في كل المحــطات، وكان آخــرها عبر تــدخل الممثل الدائم للمغرب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.  لكــن الســؤال، فإلى متــى ستــظل الجــزائر تتهــرب من التعــامل مع الحقيقـــة الواضحـة؟، وإلى متــى ستستمــر في الإصرار على الإســـاءة للمغرب وعلى تلغيـــم الأجـــواء والدفــع بالمنطقـــة نحـــو المجهـــول؟.
بعد هذا، لا أحــد يستطيــع نكــران أو التشكيك في كـــون طريق التضامــن والتآخــي والتكـامل هــو الطريق المفضي إلى المستقبل المشترك للشعبين المغربي والجزائـري، وبقية الشعوب المغاربية، مستقبل سيادة العقــل والمشروعية، مستقبل العيش في ظــل الأمن والاستقــرار وفــي أجــواء وفــضاءات الديمقراطيــة والحـــرية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*