الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / مـن مسيرة التحرير إلى مسيرة التنميـة

مـن مسيرة التحرير إلى مسيرة التنميـة

“إن المشاريع التي أطلقناها وتلــك التي ستتبعــها، ستجعل من الصحـــراء المغربيـة قطبا اقتصــاديا منـدمجا، يؤهلـها للقيـام بدورهــا، كصلــة وصل بين المغــرب وعمــقه الإفريقي، وكمحــور للعلاقات بيـن دول المنطقــة”.
من خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى الثانية والأربعين للمسيرة الخضراء

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

تميــزت بــدايـة الأسبـــوع بتخليـــد المغرب للذكـــرى الثانيـــة والأربعيـــن للمسيــرة الخضــراء مـن أجــل تحــرير واستعـــادة الأقاليم الصحــراوية الجنوبيـــة.. المسيــرة التي شكـــلت حـــدثا نســج بمـــداد الفخــر والاعــتزاز، وبمشاركــة حماسيـــة واسعـــة مــن لـــدن مختلــف شـــرائح الشعب المغـــربي مـن كــل أقاليم وجهـــات البــلاد.
المسيرة الخضــراء المظفــرة التي أذهلــت العــالم بفكــرتها العبقــرية وتنظيمـــها الرائـــع، المسيرة التي كـــانت مــن إبـــداع المغفور لــه جــلالة الملــك الحســـن الثاني، الذي أكـــد على طابعــها الشعبــي السلمــي برمزهـــا “كتــاب اللـه” وبشعـــارها الرئيس “العــلم الوطني”.
ومنــذ استرجــاع أقاليــمه الصحــراويـة حرص المغــرب سنويا على تخليــد ذكـــرى حــدث المسيــرة الخضـراء، ولعـــل مــن أبرز سمات تقـــدير هــذه الذكــرى الوطنية الكبيــرة هــو تخصيصهــا بخطــاب ملكــي سام يخصص عادة لمسيرة التنميـــة بعـــد مسيــرة التحــرير، ولمستجـــدات وتطــورات قضيـــة دفاع المغرب عــن مشروعية استعادة وحـــدته الترابيــة.
وكما دأب علــيه جلالــة الملك محمـد السادس، منذ توليــه مسؤولية عــرش أجــداده المنعميــن، وجــه جــلالته خــطابا ساميا إلى الأمــة، مساء أول أمس الاثنيــن، تتــبعه أفراد الشعب المغربــي، وكــذا الرأي العام الدولي والأوساط الإعلامية، باهتمــام بالغ، كما ظهــر ذلــك فـــي ردود الفعـــل وتعاليـــق المنابـــر والمؤسسات الإعـــلامية الدولية.
وبقــدر ما كــان الخطــاب الملكــي، للذكرى الثانية والأربعين للمسيرة الخضراء، مركــزا، بقــدر ما كـــان مــدققـــا وبليـــغا فــي تناول جـــوانب محـــددة أساسية وجــوهريـــة، ســواء في ما يخـــص الجهـــود التنمويــة بالأقاليم الصحـراوية، أو ما يهـــم مــواقف المغرب بخـــصوص سبــل إنـــهاء النـــزاع المفتعل حول الصحــراء المغربية والأطماع الوهميـــة تجــــاهها.
وقــد استهــل جلالة الملك خــطابه السامي بحـدث تاريخي آخر، ستحل ذكــراه الستون بعــد أسابيـع، ويتعلــق بخطاب امحاميد الغزلان للمغفــور له جلالة الملك محمــد الخامس، مبــاشرة بعــد استقــلال المغرب، حيث أعــلن صراحة وعـــلانية أن بلادنا ستـواصل جهــودها مــن أجل استرجـــاع كــامل الأقاليم الصحــراوية.
وفي الإشــارة إلى هــذا الخطاب التاريخي تذكيـــر واضـــح بــروابط الولاء والبيعـــة التي تربط ساكنــة الأقاليم الجنوبيــة بالعرش العلوي المجيد، وبأن هــذه الروابط، وفي تلــك الفتــرة، أي قبل استقلال الجزائر وقبل أن تكــون هناك أية مطالب، كافيــة لإثبات بأن الصحــراء كانت دائمــا مغـربيــة، وستبقــى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
أما بالنسبة للمساعي الأمميــة الجاريــة بخصوص قضيـة الصحراء، والتي حظــي في إطارها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحــدة إلى الصحـراء، باستقبــال ملكي، أواسط الشهر الماضـي، فقــد أكـد جلالتـــه على استعـــداد المغرب للتعـــاون مــع الأميــن العام الأممـي ومــع مبعــوثه الشخـــصي على أساس المبادئ والمرجعيــات الثابتـة لموقف المغرب من هذا النزاع المفتعل.
وإن كانت بعــض وسائل الإعـــلام قــد اعتبــرت أن المباحثات التي جــرت خلال زيــارة المبعــوث الأممــي، السيد كوهلـر، للمغرب قـــد أحيطت بالكتمـــان، فإن الخــطاب الملكـــي كان واضحــا وضابــطا للمبادئ والمرجعيــات الثابتة التي يرتكـــز على الموقف المغربي، وهي:
* لا لأي حــل لقضيـة الصحـراء خـارج سيادة المغرب الكاملــة عـلى صحــرائه ومبادرة الحكــم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بمصداقيتــها وجــديتها.
* الاستفــادة من الدروس التي أبانت عـنها التجارب السابقــة، والتي تؤكــد بأنه يتعيــن على جميــع الأطراف، التي بادرت باختــلاق هــذا النــزاع، أن تتحمــل مسؤوليتها كاملــة من أجــل إيجاد حـــل نهــائي لــه.
* الالتــزام التام بالمرجعيات التي اعتمــدها مجلس الأمــن الدولي، لمعالجة هــذا النزاع الإقليمي المفتعــل، باعتباره الهيئــة الدولية الوحيــدة المكلفــة برعايـــة مســار التســوية.
* الرفض القاطــع لأي تجـــاوز، أو محاولة للمس بالحقـــوق المشروعة للمغرب، وبمصالحه العليـا، ولأي أطروحات متجـــاوزة، للانحــراف بمسار التســوية عن المرجعيــات المعتمدة، أو إقحام مواضيع أخرى تتــم معالجتها من طــرف المؤسسات المختصـــة.
هـكذا، وبتدقيق الخطــاب الملكــي هــذه المرجعيات الثابتـة والتأكيــد عليــها، يوجـــه المغــرب رسالتــه الواضحــة لكل الجهات والأطراف المعنيـــة، وهي الرسالة التي تجمــع بيـن استعــداده المبـــدئي للتعـــاون مع المنتظـــم الأممـي وفق المرجعيات والمبادئ المعلنة، وبين حرصه الشديد على حقـــوقه المشروعــة وحقـــه الكامل فـــي الدفاع عــن سيادتــه ووحــدته الترابيـــة.
وفي انسجام تام مــع الاهتمـــام المكرس لمسيرة البنـــاء التنمــوي فــي الأقاليم الجنوبيــة، ولأفقــها الإفريقي، أعطى الخــطاب الملكـــي أجــوبة وإشارات قــوية وعمليـــة بالنسبـــة للأوضاع الداخليـــة وتدبيــر الشأن المحلــي والجهـــوي فــي هــذه الأقاليـــم حــيث المشاريـــع التنمــوية يمكـــن أن تشكـــل صلـــة وصل دائمـــة بيـــن المغرب وعمـــقه الإفريقـــي، وذلك فــي العــديد مــن المجالات التي مــن خلالها تتـــم الترجمــة العمليـــة لسياســـة التعاون جــنوب ــ جنوب، وللتضامن والتعاون المثمــر.
ولا يمكن لكل متتبــع إلا أن يـلمس اهتمام جلالة الملك بـ “الرأسمال اللا مادي” يتجســـد مـرة أخــرى فــي دعـــوة جـــلالته إلى العنايـــة بمكــونات الثقافـــة الحسانيــة وتراثها الأدبـــي والفنــي والحضـــاري، والعمل على حمـــايتها وتوفيـــر البنيات التي تساعـــد عــلى ازدهارها بعيـــدا عــن أي تـــعصب أو انغــلاق، وفي تناغـــم وتكـــامل تامين مــع باقــي مكــونات الهويـــة المغــربية المتـــسمـة بالتعـــدد والتنوع في إطار الوحـــدة.
والمـوضــوع الثقافي والحضاري، وفي كــل مناطق البلاد، لابد وأن يجــد دعـــامته الأساسية للتفعيل فــي إطــار مشروع تنمـــوي منسجــم وطموح، كما هــو الشـأن بالنسبــة للنموذج التنمــوي الخـــاص بالأقاليم الصحــراوية.. ونحــن نتذكـــر بأن عاهــل البلاد، وبمناسبــة الذكـــرى الأربعين للمسيــرة الخضــراء، كان قــد أعطى انــطلاقة بـــرنامج تنمـــوي ضخــم شمل الأقاليــم الصحـــراوية، وحسب المعطيـــات المقدمة فإن النمــوذج التنمــوي للأقاليم الجنــوبيــة رصــد له غـــلاف استثمــاري قـــدره 77 مليار درهــــم، وتذهب تقديــرات المتتبعيــن إلى القـــول بـأن مشاريـع هــذا المخــطط تعــد مــن أكبــر الأوراش التنمـــوية ليس على الصعيد الوطني فحسب، بل حتى على المستوى الإقليمي والقاري، وأن حجــم المخططات التنمـــوية الموضوعــة كانت قـــد أثارت قلـــق الجهــات المناوئة للحـــق المغــربي.
هــكـذا، وبعد زهاء سنتـــين، يجعــل الخطــاب الملكي مــن النموذج التنمـــوي الخاص بالأقاليم الجنوبيـــة رهـــانا للنــهـوض الشامــل بالمنطقـــة وبمستـــوى عيـش ساكنتها، وفــي الوقــت نفسه عنصرا أساسيـــا للـرد أو مواجــهة أطراف ومناورات الأطروحة الانفصاليــة، وذلـــك بالنظــر إلى حمـــولة هـــذا الخـــطاب الهادئ والرصيـــن، وإلى مــا يقــدمه، بكـــل تــركيز وضبط ومنطــق سلــيم، مــن التأكيــــد على:
* أن المغرب، ومنـذ استرجاع أقاليـــمه الجنوبية، تحمـــل الكثيـــر مـن أجــل ضمان أمنها واستقرارها، وتحسين ظروف عيــش ساكنتها.
* أن الاعتـــمادات التي يتم تخصيصـــها للأقاليم الصحــراوية تفند الادعـــاءات والمزاعم التي تـــروج لموضوع “استغلال ثروات” المنطقة.
* أن التوجــه العـــام الآن، فــي خيــار الجهويــة المتقـــدمـة والنموذج التنمــوي الخاص بالأقاليم الجنوبيــة بمثـــابة آليات للتدبيــر الديمقراطي للشأن المحلــي والجهــوي.
* أن هــذا النمــوذج التنمـــوي محوره وغايتـــه ومنطلقـــه، هــي النظرة المستقبليـــة لجعل المنطقــة تواكب قطار التقــدم وتنعـــم بالأمن والاطمئنـــان.
فالخطاب الملكــي للذكرى الثانية والأربعين للمسيرة الخضراء، يقـــدم خاتمــة غنية عن أي تعليـــق ومغزى عميقا، من قول جلالة الملك: “فالمشاريع التي أطلقناها وتلــك التي ستتبعــها، ستجعل من الصحـــراء المغربيـة قطبا اقتصــاديا منـدمجا، يؤهلـها للقيـام بدورهــا، كصلــة وصل بين المغــرب وعمــقه الإفريقي، وكمحــور للعلاقات بيـن دول المنطقــة”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*