الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / سـؤال الجاهزيـة ورهانات المسلسل التنمــوي

سـؤال الجاهزيـة ورهانات المسلسل التنمــوي

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

“لقد حان الوقت للتفعيل الكامل لهذا المبدإ. فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يطبق أولا على كل المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة.
إننا في مرحلة جديدة لا فرق فيها بين المسؤول والمواطن في حقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الإفلات من العقاب”.
من الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين

هي مسافــة زمنية قصيرة فقط وتشــرع وسائل الإعــلام، كــما المؤسسات السياسيــة والتدبيــرية، فــي استعــراض وتقييــم حصيلة السنـــة التي سنــودعها قريبــا، كما جرت بــذلك العــادة في كــل بلــدان المعمــور.
وقبل ذلك، أو إلى حينـــه، نكتفــي هـنا بالوقوف عــند الحقيقــة التي لا شــك أن الجميــع يقــر بهــا، وهــي أن المغرب خــلال هــذه السنــة عـاش أحــداثا كبــرى وواجــه تحــديات مــن الحجــم الثقيــل، وعبــر ذلك أكــد ويؤكـــد، لمن يحتــاج إلى تأكيـــد، بأن المغرب بلــد عريق ودولــة قـــوية.. قـوية بمـؤسساتها، وبخياراتها الديمقراطيــة الحـــداثية، وبتوجــهاتها وعمــلهــا الدؤوب مــن أجــل الارتقـــاء بظــروف ومستوى حيــاة المـواطنين وبناء وترسيــخ العــدالة الاجتماعيــة.
والأسابيــع الأخيــرة، تحـــديدا، شاهــدة على أن الســنة، التي تقترب مــن نهايتــها، كانت حــافلة بانتــصارات وإنجـــازات دبلوماسيــة كبيرة لفائـــدة القضيــة الوطنية، وتعــزيز مكــانة المغرب في مـــجالات التعــاون والتضامن مـع الدول الشقيقة والصديقة لما فيـــه خيــر ومصلحــة الشعوب واستتبـــاب الأمــن والاستقــرار.
كذلك الشأن عـلى المستوى الوطني، وعمــلا بالتوجيهات والقــرارات الملكيــة، حيث تمكن المغـرب من التصــدي بــنجاح للعديد مـن القضايا الموضوعة في جــدول الأعـــمال، ومـن إنجــاز استحقاقات سياسية واقتصــادية واجتماعيـــة، وكــذلك مـن تشخيص بعض الاختــلالات والنقــائص وتحــديد سبل معالجتهــا والتغلب عــليها.
على أن الواقــع المتحــرك لابــد أن لــه منطــقه الذي كثيــرا ما يجعل تدبيـر الشأن العام أمام قضايا ومستجــدات لا تكــون دائما فـي الحسبــان، ومن ثمــة فهــي تستوجــب القــدرة عــلى استيعــابها والتحــرك بالسرعـة المطلوبــة للقيــام بما يفــرضه الموقف، وأحسن مثال في هذا الباب يتمثل في الحرص الملكي على تتبــع ملفات حيويــة، والذي جـاء في سياقه استقبال جلالته، أول أمس الإثنين، لكل من رئيس الحكومة ووزير الداخلية ورئيس المجلس الأعلى للحسابات، بحضور السيد فؤاد عالي الهمة، مستشار جلالته، وهو الاستقبال الذي تــم خلاله تقديم خلاصات التحريات المنجزة حول عمل المجالس الجهوية للحسابات، والتي تفيد بأن هــذه الأخيرة عليها التخلي عـن المقاربة البيروقراطية التي طبعت عملها.
ولنا أمثلـــة ملموســة عن ذلك مــن خلال بعض القــضايا والإشــكالات التي ظهرت خــلال الأيام الأخيــرة والتي كانت محــل متابعــة إعــلامية متواصلة، عـلاوة على استئثارها بأحــاديث وتعاليق المجالس، ومن ذلـــك بالخصـــوص:
*مــوجة البــرد والانخفــاض الشديد في درجــة الحــرارة التي أصبحت، في السنوات الأخيــرة، تلازم المناطـق الجبليــة والنائيــة التي تجــد نفسها في بعض المــناطق محاصرة أو معــزولــة عــن محيطــها الجغرافـي وفاقــدة للاتصال مــع العالــم الخارجي.
وقد سارعت الحكومــة، هذه السنة، إلى اتخــاذ تدابير جــديدة بغايـة التخفيـف مـن تداعيات التقلبـات الجوية على الساكنة المحليـة، ومنها إحــداث وتفعيل مراكــز القيادة الإقليميـة للتتبــع وتنسيق عمل مختلف المصالح والجهات المعنيـة بالتدخل لحمايــة وإسعاف وإيــواء سكان المناطق المتضررة.
وكما حصل في السنوات الأخيرة، فإن سكان المناطق الجبلية، بشيوخهم ونسائهم وأطفالهم، يعيشــون معاناة حقيقيــة مع الصقيع وقــساوة الطبيـعة، وهو ما يستدعي اتخــاذ كـل التدابيــر الـلازمة لمساعــدة السكان وتعبئــة كل المصالح والوسائل الضرورية لذلك، وطنيـا وإقليميــا، وباستـحضار فعلي للتوجه الاجتماعي والتضامني.
* القضية الثانيــة التي ظهرت على السطح، منذ أيام، هي ما ينشــر عن فتــح تحقيقــات مـع عدد من المنتخبيــن ومسؤوليــن في الإدارة الترابيـــة، وعـن افتحــاص حسابات وزراء سابقيــن، والعـدد الكبيــر مــن تقارير المجلس الأعـلى للحســابات التي قيــل بــأنها وقفت عــلى اختــلالات وتجـــاوزات في مجموعــة مـن المجالس المحلية والإقليميــة، على نطاق واسع.
إننا فــي زمــن ربــط المسؤولية بالمحاسبــة، واعتمــاد الشفافيــة والحكــامة فــي مرافق الــدولة وفــي كــل مـا يهـــم تـدبير الشأن العام الوطني والمحلــي. وبالتالــي، فإن روح المواطنــة والمسؤوليــة الوطنيــة تجعـل كــل مواطــن ومواطنــة يتطلــع لجعــل قيــم الحكــامة والنــزاهة هــي السائــدة فـي كل المرافق الإدارية والمؤسساتية وعـــلى كــل المستــويات، وهنا أيضا، ومــرة أخرى، يمكن الأخذ بالمثل الذي يجب اتباعـه من جلالة الملك، والمتمثل في تعليماته الساميــة التي على إثرها كشفت تحريات وزارة الداخلية عن وجـود حالات تقصير في القيام بالمسؤولية لدى عدد من رجال السلطة.
إن حـق المواطن في معرفــة ما يجــري، مع احترام دور ومهام القضاء بطبيعة الحـال، هو ما يفــرض على كـل جهـة معنيــة مــد الرأي العام الوطنـي بالمعلومات الصحيحــة حتى يتبيــن حقيقـــة ما حـدث هنا أو هناك، علما بأن نشـر المعلومة الصحيحة والتواصـل مع مكـــونات المجتمـع هو أيــضا جــزء مـن منظــومة الحكــامة الجيــدة وتحصيــن المجتمع مــن قـــلاقل البلـــبلة والإشــاعـة والإثـــارة المجـــانيــة.
* أما المجال الثالث مــن القضــايا التي نســوقها هنا كــأمثلة، فيـتــعلق بموضوع الـدعـــاوى القضائيـــة المرفــوعة ضــد إدارات ومــؤسسات عمــومية، حيث أفادت تقارير منســوبة إلى المجلس الأعلى للحسابات بــأن نسبــة هــذه الدعـــاوى ارتفعـت بشكـل كبير، وبأن تكلفـــة تنفيــذ الأحكــام القــضائية الصادرة مــن قبل المحاكــم الإداريــة فـي مواجهــة الــدولة، وصلت إلــى 2،24 مليار درهــم.
وبالنسبة لهــذا المعطــى الجــديد، وكيفما كان الحال، فإن الأمر لا يتعلق في جملتــه بنتائــج سلبيــة، ذلك لأنه بالمقابــل تشيــر نفــس المصادر إلى أن نسبــة تنفيـــذ الأحكــام القـضائيـة المرفوعة ضــد إدارات ومؤسـسات عموميــة ارتفعــت بشكل لافـــت خــلال الشهــور الأخيرة مــن السنــة الجاريــة، وفي نفس السياق تفيــد نفس المصادر بأن معــدل الدعــاوى المرفوعــة ضــد الدولة فــي ارتفاع متــواصل، وهو ما يعنــي، أولا، بأن الأفراد أو المؤسسات المتضررة تقتنــع بسلامة وجــدوى اتباع المساطــر القضائيــة، وثانيا، أن الأحكام الصادرة لفــائدة هـــؤلاء تــؤشر على نزاهة وجــدية القضاء في إحــقاق الحق وفقــا لمبادئ دولة الحــق والقانــون التي تشكــل زاويـــة أساسيــة في الخيـــار الديمقراطــي للبــلاد، ولا ننســى أن جــلالة المــلك قــد تحــدث بصراحة وصرامـة عن هــذا الموضوع الذي اشتكــى منـه المواطنون كثيــرا، في خطاب افتتاح البرلمان السنة الماضية، حيث قــال: “فمن غير المفهــوم أن تسلب الإدارة للمواطـن حقــوقه، وهي التي يجب أن تصــونها وتــدافع عــنها، وكيف لمسؤول أن يعرقــل حصوله عليـها وقـد صــدر بشأنــها حكـم قــضائي نــهائي؟، كما أنــه من غير المعقــول أن لا تقــوم الإدارة حــتى بتســديد ما بذمتــها من ديـــون للمقاولات الصغـرى والمتـوسطة بـدل دعمــها وتشجيعــها …”.
وهكــذا ، فإن الأحداث والمستجــدات تطرح دائمــا ســؤال الجاهــزية والقدرة عــلى التعامــل مع الطارئ فــي هــذا المجــال أو ذاك وبالسرعـة والكفـــاءة الناجعــة، وهــذا ما يتجسد في التعليمات الملكية الصادرة، عقب الاستقبال المذكور، لرئيس الحكومـة بالعمل مع مختلف القطاعات المعنية، ومع المجلس الأعلى للحسابات قصد “رفع مقترحات للنظر الملكي السامي، داخل أجل لا يتعدى شهريـن، بخصوص إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتأهيلها للقيام بمهامها في تحفيز الاستثمار والتنميــة”. وبالنسبــة للتعامل مــع تقلبات أحــوال الطقــس ومع الصعاب والمعــاناة التي تعيشها الساكنة القــروية والجبليـة خلال فصـل الشتـاء، وعــلاوة عن التدابير المتخــذة، وبالإضافة إلى بــرامج التدخــل وتقديم المساعدات والتنسيق الــلازم بين مختلف المصالح، لابــد مــن ربــط كــل هــذا العمــل بأفــق دمــج الموضوع ضمــن توجهات النمــوذج التنمـــوي الجــديد.
نفس الأمـر بالنسبــة لمسألة الديون والأحكام القضائية الصادرة ضد إدارات عمــومية، حيث مـن المفروض الانتبــاه إلى المعطيات المنشــورة حـديثا، وذلك ليس فقـــط بتنفيــذ الأحكــام النهائيــة الصادرة في مواجهــة الدولة، ولكــن بالإسراع فــي التوجه رأسا نحـــو أسباب تــزايد نسبــة الدعاوى المرفوعــة ضد المؤسسات العمومية، حتى يتـــم الحــد مــن الإنهاك الذي تتعرض له خزينة الدولــة والميزانية العامـــة، فأحسن وأنجـع سبيـــل لضمان حقوق كل الأطراف هو الوفاء بالالتزامات وبقــواعد دولة الحق والقانــــون.
وتأسيسا على كــل ما سبــق تتقـــوى القناعــة بأن للمغرب كــل المؤهــلات، السياسية والمؤسساتيـة والتدبيــريـة، لترسيــخ وتعــزيز المكتـسبات والنجــاحات والانتصــارات المحققـــة، وذلك استنادا إلى الرؤيــة الملكيـــة، واعتمــادا على مقدرات البلاد وكفـــاءاتها وقــواها السياسيــة المنخرطــة في مسار الإصــلاح والبنـــاء، والقـــادرة عــلى كــسب رهانات المسلسل التنمـــوي الذي لا يعـــرف التوقــف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

طنجة.. وفاة خمسيني بسكتة قلبية بالشارع العام

رسالة 24- رشيد عبود // ...