الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / نحــو وضــع حقـــوقي أكثر تقـــدمـــا

نحــو وضــع حقـــوقي أكثر تقـــدمـــا

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

فـي أجــواء تخليــد اليوم العالمــي لحــقوق الإنســان، تــم خــلال الأسبوع الماضي بالرباط إطلاق “الخطـة الوطنيـة في مجــال الديمقراطيــة وحقــوق الإنســان”، حيث قــدم رئيس الحكـومة محاورها وخطــوطهـا العريضة التي تــهم مجموعــة من القطــاعات الحكوميــة ذات العــلاقـة بالمجــال الحقــوقــي.
وإلى حــد الآن تــذهب كــل التعاليق في اتجــاه التنــويه بإطلاق هــذه الخطــة التي طالما تطلــعت كل مكــونات الحقــل الحقوقي إلى بلورتها وتفعيــلها، والتي قــال عنــها رئيس الحكــومة بأنها تجســد التزام الحكــومة في برنامـجهـا باعتمــاد سياســـة حكومية مندمجــة فـي مجـال حــقوق الإنسـان وفــق تخطيــط استراتيجــي تشــاركي.
وبالفعــل، فإن الوصول إلى وضــع هــذه الخطــة وإخراجها إلى حيـز التطبيق، يعــد خــطوة جــديدة لها أهميتــها بالنسبــة لترسيخ وتعــزيز المكاسب التي تحققت فــي هـذا المجال، لاسيـما وأنــها جاءت بعــد حوارات ومشاورات واسعــة مــع مكـــونات المجتمع المدني ومختلف الفعاليات المعنيــة بقـضايا حقــوق الإنســـان بكل تجلياتها وقيمـــها الكونيـــة.
بالطبع، إن الموضوع ليس وليــد الساعــة، إذ أن الدعــوة إلى انخــراط مختلف البلدان فــي صياغـة خــطط عمل متقــدمة في المجال الحقوقي انطلقت، منذ سنة 1993، من المؤتمر العالمي حول حقــوق الإنســان بـ”فييــــنا”، ومنذ سنة 2008 شرع المغرب فـــي إعــداد خطتــه الوطنيـة، وهو العمل الذي امتــد على مــدى سنتيـــن.
ورغم كــل الأحــداث والتطورات السياسية التي عاشها المغرب منــذ ذلك الحيــن، والتي ساهمت في تأخير إطلاق الخطــة في حيــنه، فــإن الفكرة لــم تمت، والمشروع ظــل قائــما، بــل إنه، ومنذ الشهور الأولى مــن الولايــة الحكـــومية الحاليــة، كان هنـــاك عمل دؤوب مــن أجل تهييء وتحييـــن الخطة الوطنيـة هاتــه، وبمساهمــة فعاليــات وهيئــات حقـــوقية وغيـــر حكوميـــة.
وقبل التطرق إلى مضاميــن الخطة في صيغتــها الحالية وما تنطــوي عليـه من التزامات حكوميــة، فالحــدث، في حــد ذاتـه، لــه دلالات قـــوية ومجســدة لشجــاعة المغرب وعمق توجهاته بخصـوص قــضايا حقـــوق الإنسان، ولعــل من ذلــك:
* أن ورش حقــوق الإنسان كان وما يــزال، مــن العناوين الكبــرى لمغرب العهــد الجديد، وأن جلالة الملك محمد السادس ظـل ويظل حريصا على التشبث بحقـــوق الإنسان فــي شموليتــها، وضمــان الحريات الفــردية والجماعيـــة في إطار دولة الحــق والقانون، وهذا ما ركز عليه جلالته في خطاب 9 مارس الممهد لدستور 2011، بتأكيده على “ترسيخ دولـة الحق والمؤسسات، وتوسيع مجال الحريـات الفردية والجماعية، وضمان ممارستها، وتعزيز منظــومة حقوق الإنسان، بكـل أبعادها، السياسية والاقتصاديــة والاجتماعيـة والتنمويــة والثقافيــة والبيئيــة، ولاسيما بدستــرة التوصيات الوجيــهة لهيــئة الإنصــاف والمصالحــة، والالتزامات الدولـــية للمغرب”.
* أن وضعية حقــوق الإنسان فــي المغرب عُِرفَ، منذ بــداية الألفية الثالثة، تطورا مهمــا، لاسيما على مستوى التشريعات والحقوق المدنيــة والسياسيــة، وأيضا مــن جانب المشاركــة السياسيــة والحريــات العامــة والفــرديــة، ومـن خــلال المهام التي يضطلع بــها المجلـس الوطـني لحقــوق الإنسان وكذا أنشطــة الهيئــات الحقــوقية.
* أن التقــدم الذي حقــقه المغرب في مجال حقوق الإنسان واقــع يقر بــه المجتمع الدولي، كما حصـل نهايـة الأسبوع الماضي في البرلمان الأوروبــي الذي صادق على التقرير السنــوي (2016) حـول حقــوق الإنسان والديمقراطيـة، والذي “أشــاد بالتقــدم الملمــوس الذي حققــته المملكــة فــي مجــال حقـوق الإنسان”، وكما حصل أيضا في مجلس حقوق الإنسان بـ”جنيـف”، حيث نوهت الوفود الحاضــرة بـ “الجهود التي تبذلــها المملكــة من أجل تعــزيز الديمقراطيــة التشاركيــة وإصـلاح القــضاء، وتعزيز ثقــافة حقــوق الإنسان وتوسيــع فضاء الحــريات”. كما يظهر هـذا التقـدم أيـضا من خــلال اختيار المغرب ممثــلا للقــارة الإفريقيـــة داخل اللجنــة التابعة للتحالف العالمــي للمـؤسسات الوطنيـة لحـقــوق الإنسان.
* أن تجربــة المغرب في تجاوز ما عرف بسنوات الرصاص كانت تجربة رائــدة سواء في جانبها الانتقالــي أو في ما يهــم توفير الآليــات القانونيــة لحماية حقوق الإنسـان، وفي هــذا السيــاق، ومـن خــلال ما تم استعراضه من محاور الخطة المشار إليها، فإن الحكومة تلتــزم بتســوية جميــع ملفــات جبـر الضرر الفردي العالقــة منـذ هيــئة الإنصاف والمصالحة.
بالتأكيـد، فإن كل ما سبــق لا يعني عــدم وجود تجــاوزات وحالات محدودة هنا أو هناك، لكن الثابت أيـضا هو أن التجاوزات أو الخروقات الممنهجــة صارت من الماضي المتجــاوز، بــل إن التراكمات والمكتسبات التي تحققـت في الحقل الحقـــوقي وفي البناء الديمقراطي والمؤسساتي بشكل عــام، تضع مغرب اليــوم على طــريق الانتـــقال نحــو وضــع حقــوقي متقــــدم.
وعلى هــذا الطريق يمكن القــول إن خطة العمــل الوطنيـة في مجــال الديمقراطيـة وحقــوق الإنسـان، هي بمثابــة التزام وخــارطة طــريق للعمـل المقبل فــي هــذا المجال، فهي تحتــوي على 430 تدبيــرا، ويمتد حيزها الزمنــي ما بيــن 2018 و2021، وتشتمل على 4 محـاور رئيسية، من بيــن ما تتضمنه: المشاركة السياسية، والمساواة والمناصفــة، والحكامـة الإدارية والنزاهــة، والحكامـة الأمنية، وحرية الاجتماع والتجمهر، ومكافحة الإفلات مــن العقـاب، الخ …
وإذا انتبهنا إلى أن الخطـة تضـم أيضا ما يهم الحقوق الاقتصادية والاجتماعيــة والبيئية، وحماية الحقوق الفئويــة والثقافيــة، تتبين أكثر فأكثر أهميــة الموضوع الذي هو موضوع الأجيال الحاليــة واللاحقة والمجتمع برمــته، ومــن ثمـة فإن هذا الورش الحقوقي المفتوح يعني العمــل والإنجــاز مــع كل ما يتطلبــه ذلـــك مــن توفيـــر شروط وحــظوظ النجــاح.
وفي نفس الأفــق تطرح بعض القضايا التي ماتزال محل خلاف وتبايـن التقديرات، ومنها بالخصوص المتعلقة بمدونة الأسرة، وإلغاء عقـــوبة الإعدام، والحريات النقابيــة، والمصادقة على النظام الأساسي للمحكمة الجنــائية الدولية، واتفاقية منظمــة العمل الدولية…
ومن الهام أن يتــم فتــح حوار وطـني واسع حــول مثل هــذه الإشكالات التي ينقســم حولها المجتمـع المغربي، عـلى أن يكـــون حوارا هــادئا وهـادفا، وأن تكون المشــاركة فيـــه مـن منطلق السعــي نحــو الوصول إلى توافقـــات إيجابيــة تمكــن مـن دعــم وتوسيــع المكتسبــات الحقــوقيـة، وذلك فــي نطـــاق الاختيـــار الديمقراطي والحــداثي للبـــلاد، وبالالتفــاف حــول المضاميــن الإصلاحيــة التي تتقــدم بهــا الخطــة الحقوقيـــة.
وكما هو واضــح مــن مضامين هــذه الخطــة، فإن الموضوع يتجــاوز المفاهيــم الضيقة أو المحــدودة للشأن الحقـــوقي، لأن القضايا التي تتنــاولها والإشكالات التي تعـــالجها تعـــد من صمــيم المشروع المجتمـــعي المنصــف والمبنــي عـلى قيــم الحرية والعــدالة الاجتمــاعـية، وضمان الحقــوق والتوازن الاجتمــاعي والمجــالي.
لذلك، فإن إعمال وتنفيــذ الخــطة الوطنية في المجال الحقــوقي ينبغــي أن يكــون محــل اهتمام ومساهمــة وانخــراط مختلف القــوى والفعاليات والأوســاط المجتمعيــة، التي علــيها، كــل من موقعــه وفي مجـــاله، العمل على أن تكـــون الحصيلـــة في مستــوى الاختيارات الكبــرى لهــذا البلــد وما يرفعــه مـن تحـــديات في كــل الواجهــات، فالقضية الحقوقيــة تعد من المداخل الرئيسيـة إلى فـــضاء الدول الصاعـــدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*