الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / تطـبيــــق عملي وازن

تطـبيــــق عملي وازن

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

بقـدر ما تتقـدم التجــربة المغربيــة، بنمـوذجــها الاقتصــادي المنفتــح وبخــيارهـا الديمقــراطي المتميــز، بقــدر ما تتركز عليهــا أعيــن الرصـــد والتتبــع والمتابعــة، التي كثيــرا ما يليها طرح مجموعــة من الأسئلــة والتساؤلات التي قــد لا تكــون دائمــا “بــريئة” أو نزيهـــة فــي مـــوضوعـها وغـــاياتها.
وبعيــدا عـن أي نيـــة في محاكمــة النوايا، يمكن، بادئ ذي بــدء، القــول بأن ما تحــظى بـه التجربــة المغربية مـن متابعــات وقــراءات، من طرف الأوساط السياسية والإعلامية الوطنية والدوليــة، هي فــي حــد ذاتــها إشهـــاد على أهميتهــا وثقلــــها وقيمتــها بالنسبــة للتجــارب الحــديثة، والمقاربــات الممكـنة، فــي مجال التنميــة الاقتصاديــة والاجتماعيـــة.
على أن كــل ما يمكن أن تحــظى بــه هـذه التجربة، أو هــذا النموذج، مـن تقييـــم إيجــابي، لا يعني بطبيعة الحـال إحاطتهــا بـأي نوع مــن الهالــة التي تمــنع القراءة النقـــدية والمراقبــة الدقيقــة لمـسارها وما يمكن أن يصطدم بــه مـن صعاب ومشاكل موضوعية أو تــدبيريــة، سيــما وأن المغرب أعطى الكثيــر من الأدلة على أنــه دولة تعيــش عصرها، وتتعايش بقناعة مــع معطياتـها ومع قيــم الشفافية والحوار وربط المسؤولية بالمحاسبـــة.
ولعل أقــرب دليل أو مثل على ذلك هو ما أجمعت عليــه جـل وسائل الإعــلام، في استعراضها أو تقييمها لأحداث السنة، التي ودعناها مع بــداية هذا الأسبوع، مفاده أن أبــرز ما طبــع حصيلة سنة 2017، هو التطبيق الفعلـــي لمبـــدأ ربـــط المسؤولية بالمحاسبــة والحرص على إنجــاز الأوراش التنمــوية فـــي موعــدها، وكل ذلك مــع فتــح الأبواب أمام المؤسسات والجهات الوطنية والدوليــة التي يهمــها الاطــلاع على النموذج الاقتصادي والتنمـــوي للمغرب.
ومع الحــق المشروع فــي طرح كل الأسئلــة والتساؤلات، وخارج الأحكــام المسبقــة والدوافع السياسوية وخلفياتها المغرضـة، ووفقــا لمنطق مقارنة الأقــوال بالأرقام والمعـطيات الملمــوسة، نورد هنــا بعض المؤشــرات الرقميـــة، والتي تقـــول:
ــ إن المندوبية الساميـة للتخطيط أعلنت، نهاية الأسبوع الماضي، أن نسبة النـمو خلال الفصل الثالث، من سنة 2017، بلغت 3،8 بالمائة، عــوض 3،1 بالمائـة خلال الفترة نفسها مـن سنة 2016.
ــ إن مكتب الصرف أعلن أن تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشـرة بالمغرب فاقت 22 مليار درهم خلال الأشهـر الـ 11 الأولى مـن سنة 2017، أي بارتفاع نسبتـه 6،14 بالمائـة.
ــ إنــه خلال الشهر الأخير من السنـة المنتهية، وتحت رئاسة جلالة الملك، تــم إطلاق 26 اتفاقيــة استثمار جــديدة في قــطاع صناعة السيارات، وهي الاتفاقيات التي ستجعل من المغرب منصــة كبرى للتصدير في هــذا المجال.
ــ إقرار 400 تدبير ضمن الخطة الوطنية للديمقراطية وحقوق الإنسان، تخص الحكامــة الأمنية والترابيـة، والحقوق الفئــوية وأوضــاع الفئــات الهشــة.
وبرغم ما لهــذه المؤشرات من دلالات واضحــة، فإنه يبقى من الطبيعي في الواقع المغربي، كما في غيره من البلدان، أن تبرز مظاهر التعبير عن القلــق والاستياء الاجتماعي، وأن تحدث تحــركات احتجاجية أو مطلبية بغايــة تحقيق المطالب الاقتصادية والاجتماعية، والحفاظ على التوازن الضروري على المستويين الاجتماعي والمجالي، ولذلك وجـدت قنــوات التحاور، كما الشـأن بالنسبة لآلية الحوار الاجتماعي، وغيره مــن آليات الوساطة والتأطيـــر.
على أن دور هــذه الآليات نفســها كثيرا ما يتحــدد فـي تجنب الاصطــدام بين الفرقاء أو الأطراف، وفتـح المجال لكل المعالجات الممكنـة، أو تهيئ الظروف لذلك مــن خلال مقاربات جــدية وموضوعية، وفي ظل الاستقرار والحوار الجدي والمسؤول.
أما المعالجــة الجوهرية للاختلالات والتفاوتات الاجتماعيــة والفئوية، فإن الوصول إليها يتــم عبــر سياسات إستراتيجيــة متكاملــة ومنسجمـة بين ما هو اقتصادي وما هو تنمــوي اجتماعــي، وعلى هــذا المستــوى فالمغرب له كـــل حظوظ التقــدم والنجــاح في معالجـة قضاياه وإشكــالاته الاجتماعيــة، لاسيما وأنه مسنود في ذلــك بتطور المسلسل الديمقراطــي الذي كــرسه دستور 2011، وبالخطب الملكيـة التي كانت بالغة الوضوح في التأكيــد على العمل من أجل ردم هـــوة التفاوتات الاجتماعيـة والمجالية، وتحقيق الإنصاف والتجاوب مع مطالب وحاجيات المواطنيــن في كــل أقاليم وجــهات البـــلاد.
ولعل آخر تنبيــه مـن جلالة الملـك، بهـذا الخصوص، كان من خلال رسالـة جلالته السامية إلى المشاركين في أشغال المنتدى الوزاري الثانــي للإسكان والتنميــة الحضرية، وهي الرسالة التي نبهت إلى أن “التحــولات على مستوى الحياة الحضــرية، سيساهم في ظهــور فوارق اجتماعية ومجــالية داخل المـدن عامــة، وفي الحواضر الكبــرى خاصــة، مما يساعد على بــروز فضاءات هـامشيـة تشكـو من نــدرة المرافق الضرورية، وضعف البنيات التحتيــة، وعـدم تأميـن الخـدمات الحضريــة الأساسيـة، مما يهــدد التماسك الاجتماعـي والانـدماج الحضــري”.
ومن هنا، فإن تحصين المجتمع ومساره التنمـوي من تداعيات الاختـلالات الملغــومة، يكمن في الأخـذ بقواعد التنميـة المتوازنــة والمستدامـة، حتى يتكـــامل النشــاط الاقتصــادي مع غيــره مـن الأنشطــة الاجتماعيـة، وبما يجعــل المؤشرات والنتائــج الاقتصاديــة الإيجابيــة ذات تأثيــر ملمــوس على الأوضاع الاجتماعيــة وظروف ومستــوى عيش الساكنـــة.
واليوم، وأكثر مـن أي وقت مضي، يتوفر المغرب على كل العناصر والدعائــم الملائمـة لبلــورة وإنجاح سياســة تنمـــوية متــوازنــة في تفاعــل يقـــظ مع بقيـــة دوائـر النسيج الاقتــصادي الوطني، بــل إن الاختيارات الكبــرى للبلاد ومشروعهــا المجتمعــي تجعل التنميــة المتـوازنة وفلسفتها الاجتماعية فــي قلب رهــاناتــها، وكــأمثلة ملموسة يمكن أن نســوق هـنا:
* ورش الجهوية المتقـــدمة، الذي قيــل عنـه الكثير، والذي هو جدير فعـلا بكل ما دار حوله من نقاشات وحـوارات، لأنه ورش أساسي لتعبئـة الإمكانيات وتفجيــر الطاقات الحيــة والمتــوفرة عبر كل التراب الوطني، ورش أيضا للعمل بقيــم التضامن بين الجماعات الترابية، والعمل بسياسة القـرب والنهوض بالأوضاع المحلية والاجتماعيــة.
* النموذج التنمـوي الجديد الذي دعا جلالة الملك إلى صياغتــه، بمنهجية تشاركية، وبما يجعله قادرا على الاستجابـة لانتظارات المواطنين، والتقليص مــن الفــوارق الاجتماعية والمجـــالية.
ــ الاسبقيات المدرجـة ضمن قانون المالية للسنة الجــديدة، والتي تهــم التركيــز على دعـم القطاعات الاجتماعيــة (التعليم والصحة والتشغيل وتقليص الفوارق المجالية)، مع إعطاء اهتمــام خاص للعالــم القــروي.
ومـع توفر هــذه العناصر المشجعــة، والمستمدة مـن التوجهات والخيارات الكبرى، يبقــى العمــل والتطبيــق هو أكبــر اختبــار للقـــدرة عــلى ربــح رهـان التنميــة المتوازنـــة والمستدامــة، ولأنه رهان حــاسم، في الإجابة عن كل الأسئلة والتساؤلات، فــلا مجال لأي تهــــاون أو أي تــراجع.
نعــم، كل المؤسسات، وكل مــن موقعــه.. الجميـــع في معركة الالتـــزام بموعد بلورة الأهـــداف وإنجاز المشاريع، معركــة ربــح رهان التنميــة المتوازنــة والمنصفــة فهــي الكفيلــة بإنهاء كل الاختلالات، وهــي عمــاد الاستقرار والتحفيـــز على رفـــع تحــديات جــديدة.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جلالة الملك يستقبل رئيس الحكومة ووزيري الداخلية والاقتصاد والمالية

استقبل صاحب الجلالة الملك محمد ...