الرئيسية / رأي / أوراش الإصلاحات الكبرى من أجل تكريس مبادئ الحكامـة والتخليـق والتجـويـد

أوراش الإصلاحات الكبرى من أجل تكريس مبادئ الحكامـة والتخليـق والتجـويـد

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

“إذا تخلف المسؤولون عــن القيام بواجبهم وتركوا قضايـا الوطن والمواطنيـن عـرضة للضيـاع فإن مهامي الدستـورية تلزمني بضمان أمن البـلاد واستقرارهـا وصيانـة مصالح النـاس وحقــوقهم وحـرياتهــم”

من خطاب العرش 29 يوليوز 2017

خلال السنوات الأخيــرة أفــرز القاموس السياسي مجمــوعة مــن المصطلحــات الجديـدة ذات العــلاقة الوطيـدة مــع شتــى مناحي الحــياة العامـة، ومع تسييـر وتدبيــر الشأن العــام والمجتمـعي عــلى العمـــوم. وهكــذا، كان مـن جملــة هــذه المصطلحـات، التي راجت وتــروج بكثرة فــي الحيــاة السياسيـة والخطاب السياسي، وفي وسائل الإعلام: “الحكــامة” و”التخليــق”، وواضح أن مدلــول الكلمتيــن معا يتقــارب جــدا، إن لم يكــن يـــؤدي نفــس المعنى فــي بعــض الأحيـــان. وبالتأكيد، فإن ظهــور المصطلحيــن لم يـأت من فراغ، أو بمعــزل عــن الحياة الواقعيــة، بتفــاعلاتها وتناقضــاتها، بــل إن مفهــوم الحكامــة أو التخليــق هو اليوم شــديد الارتبـــاط بالنشاط الإنســاني وبسلــوكه المجتمعــي، وتحــديدا أكثـر يمــكن القول بأنـه ملتصق بالتطورات التي عرفتها بـــلادنا وانعــكاسا لها فــي وعينا الجماعي. ومن البديهي أن المسار الذي قطعــه المغرب، في السنوات الأخيــرة، تحـت عــنوان “أوراش الإصــلاحـات الكبـرى”، كان مسـارا حــافلا بالتحــولات التي وضعت البــلاد على طريق بلـــوغ نهضـــة حقيقــية تشمــل مختلف القطاعات والمجــالات. فقد كانت البداية بعد تربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه الغر الميامين تهدف إلى تعميــق أسـس المنهجيـة الديمقراطيـة، وإقـرار المفهوم الجـديد للسلطـة، ورسـم معالم سياســة خارجية جديدة وجــريئة، تقــوم على شراكات “مع إفريقيا وأوروبا..” نافعة ومتكــافئة وإشعاع صورة المغرب وتعزيز مواقعه دوليا وقاريا وجهويا. وكان المنطلق كـذلك مـن وضــع قواعد متينــة لسياسـة اقتصاديــة طموحة وواعــدة تستشرف آفــاق النهوض الاجتماعي والتنميــة المستـدامة، واعتماد تعبئة طاقات البــلاد وقـــدراتها، وكفــاءاتها البشريـة من النساء والرجال. وبهذه العزيمة الملكية الرشيدة تــم الانتقال إلى مغرب التحــديات الكبـرى، مغرب دستور2011، مغرب بناء الجهوية المتقــدمة، مغرب الأوراش الكبرى، مغرب الصناعات الحديثة، مغرب المخطط الأخضر، مغرب الطاقات المتجـددة، مغرب مرحلة بناء الديمقراطيــة الناضجــة… وفي هــذه المرحلــة تزداد شحنـة المفاهيم والمصطلحات السياسية والتدبيــرية كثافــة، وتتجاوب تلقائيا مع ما يجــري على الأرض، ذلك لأن التحولات والمستجـدات تكون هي نفسها في حاجة إلى بعض التفسير حتى يتم فهمهــا واستيعابها من لــدن كل الفاعليـن والمعنييــن، بل إن بعض المفاهيـم والمصطلحات تصيــر كمبادئ للعمــل ومحــددات للتدبير المطلوب واللازم اتباعــه فــي التصدي للمهام والتحديات المطروحة. فبدون الحكامة الجيدة لا يمكن ضمان النجاح في الأوراش المفتوحة، والمغرب لم يكتف بالتنصيص على اتباع مبادئ الحكامـة الجيدة ، بل إن البـلاد تتـوفر على أكثــر من مؤسسة دستوريـة تتولى موضوع الحكــامة، كما هو الشأن بالنسبة للمجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ومؤسسة الوسيط، مجلس المنافســة، الهيئة الوطنية للنزاهة والوقايــة مـن الرشوة، الهيئة العليا للاتــصال السمعي ـ البصري، إلى غير ذلك مــن المؤسسات والأجهزة.

وقد تبيــن خلال الأشهــر الأخيـرة بأن آليات الحكــامة والتخليق تبقــى ضرورية لمواكبة حركية التحــول الاقتصادي والمجتمعي والمؤسساتي، ولتصحيح أية اختــلالات أو تعثرات تظهر هنــا وهــناك، وهو مـا أكدته بعض الحالات المعلنــة، ومنها:

* حالات الاختلالات والتعثر المسجلة فـي بعض المشاريع والأوراش.

* الافتحــاصات التي قــام ويقوم بـها قــضاة المجلس الأعلـى للحسابات.

* التحقيقــات الجارية بشأن احتمــال حصــول تهاون أو تأخر غير مبرر فـي مشاريع مبرمجــة.

* التحقيقات المفتوحة بشأن تدبير بعض برامـج المبادرة الوطنيــة والجماعــات الترابيـة.

ومـن أجل الالتزام أكثر فأكثر بقـــواعد الحكــامة والتخليـق كــانت هناك القــرارات والخـطب الملكيــة التي شــدت اهتمام وانتبـاه الجميع باعتبارها خــطا فاصلا وحاسما فــي إحــداث القطيعــة مـع كـل أشكال الاستهتار بالمسؤولية، حيث وجه جلالة الملك المجلس الأعلى للحسابات للقيام بمهــامه في تتبــع وتقييــم المشاريع العموميــة، مؤكــدا جلالتــه على المتابعــة الدقيقــة والمتواصلــة لسيــر العمل في المشاريــع المبرمجـة، وفي خــطاب العرش الأخير، قال جلالة الملك: “ألــح على ضــرورة التفعيل الكامــل والسليـم للدستـور، كما أؤكــد على أن الأمر يتعلق بمسؤوليــة جماعيــة تهــم كل الفاعليــن حكومـة وبرلمانا وأحزابا وكــافة المؤسسات كــل في مجال اختصاصه”، مضيفا جلالته في خطابه الواضح والشفــاف: “إذا تخلف المسؤولون عــن القيام بواجبهم وتركوا قضايـا الوطن والمواطنيـن عـرضة للضيـاع فإن مهامي الدستـورية تلزمني بضمان أمن البـلاد واستقرارهـا وصيانـة مصالح النـاس وحقــوقهم وحـرياتهــم”.

وبهذه المنهجيــة المباشرة والمعتمــدة على الشفافية وربط المسؤوليـة بالمحاسبة، كانت الوقفــة التأمليـة والتقييمــية التي أظهــرت عــدم ملاءمة أداء بعــض المؤسسات والقطاعات مــع طمـوح المشروع المجتمعي للمغــرب الحــديث، وهو الواقــع الذي فــرض تحــديد مهام مستعجلــة لتجـاوز بعـض الأعطــاب المقلقـــة، ومنها تحــديد:

* وضعية الإدارة العموميـة وضعف خــدماتها، من حيث الحكامة والجــودة، وأن خــدمة المواطنين مسؤولية لا تقبل التلاعب أو التهاون.

* النمــوذج التنـموي الوطنـي الذي استنفـــذ حيويته وفعاليتـه، وباتت الضرورة تفــرض صياغة نموذج تنمــوي جــديد قادر على الاستجابــة للحاجيات المتزايدة للمــواطنين، والحــد مـن التفــاوتات الاجتماعيــة والمجاليــة.
* العجز المسجل في خــدمات المكاتب الجهوية للاستثمار وانعكــاسه سلبا على حركة الاستثمار في بعض الجهات، وعلى فرصها في التنميــة وخلق فرص الشغــل.

وهنا نصل إلى مهمــة أخرى، وهــي الجودة أو التجـــويد، باعتبار أن التجــويد هو رديف للحكــامة والتخليــق، فســواء تعلــق الأمر بالأوراش والمشاريــع المفتوحـــة، أو بالتدابيـــر اللازمــة لتصحيـح الاختــلالات الحاصلة في بعض القطاعات، فــلا مفر مـن توفـر العناصر الثلاثة، أي الحكامة الجيدة، التخليـــق، والتجويـــد، فهذه ليست عبارات جــوفاء أو مفــردات فارغـــة، ولا مصطلحات أو شعــــارات مجـــردة، بل هي تعبيــر عن حاجة وشــروط مجتمعية موضوعيــة تفرض نفسهــا كمنهجــــية للمضي على طريق إنجـــاز الأوراش الإصلاحية بنجاح. ولا تنحصر الحاجة إلى الحكامة والتجويــد على مستــوى تدبير الشأن العام، بل إنها تمتــد إلى مجــال التشريع وإلى تنزيل مقتضيات الدستور وصياغة القوانيــن التنظيمية، لأن كل ما يمكــن إقراره، على هذا المستوى، ينبغي أن يكون منسجما ومتناغما مــع التوجه الديمقراطي والاختيــارات الكبــرى للبـــلاد، لأن المطلوب، كما أكــد عليه جلالة الملــك، خلال افتتاح السنة التشريعية الحاليـة”، هو “التنفيــذ الجيـــد للمشاريــع التنمــوية المبرمجــة، التي تـم إطلاقها، ثــم إيجــاد حلــول عملية وقابلــة للتطبيــق، للمشـاكل الحقيقيــة، وللمطالب المعقـــولة، والتطلعات المشروعـة للمواطنيــن، في التنمية والتعليــم والصحــة والشغــل وغيــرها”. والحصانة المبــدئية للنجــاح فــي ذلك، هي أن يكــون هــذا العمل مــؤطرا بخصــال الروح الوطنيــة الحقة، وبقيــم النـــزاهة وإخـــلاص فــي خـــدمة الوطــن والمواطــن، وبجعــل مصالح الوطــن فـــوق كل الاعتبارات الذاتيـــة أو الفئــــوية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مراكش.. فارس يوجه رسالة الى قضاة العالم بضرورة إشراك مختلف الفاعلين في قطاع العدالة لانجاح الورش الإصلاحي

رسالة 24- صفاء لغزوزي // ...