الرئيسية / رأي / تفعيل الحضور المغربي في الاتحاد الإفريقي

تفعيل الحضور المغربي في الاتحاد الإفريقي

إننا بصــدد بناء إفريقيا واثقــة من نفســها، متضامنــة ومجتمعــة حـول مشــاريع ملمــوسة، ومنفتحــة على محيـطها. وهو نفس المنظور التكاملي، الذي دفع المملكــة لإضفاء طابـع رسمـي على رغبتــها في الانضمــام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غـرب إفريقيــا“.

من خطاب جلالة الملك في ذكرى ثورة الملك والشعب

 

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

افتتحت أول أمس الإثنيــن بالعاصمة الإثيوبية أشغال الدورة الثــلاثين العاديـــة للاتحــاد الإفريقــي، التي يتضمـن جــدول أعمالها عــدة نقـط، وتمتــد على مــدى أسبــوع كــامل، وذلك تحـت شعـار: “الانتصار فـي مكافحـة الفساد.. طريق مستدام للتحـول فــي إفريقيا”، وتتــزامن هذه الدورة مـع الذكـرى السنــوية الأولى لعـــودة المغرب إلى بيتــه الإطار المؤسسي الاتحــاد الإفريــقي.
وقــد انطلقــت أشغــال هــذا الجمع الإفريقــي الكبير بانعقــاد الدورة 35 للجنة المندوبيــن الدائمين، وتتبعهــا يومــه الأربعاء الدورة 32 للمجلس التنفيـــذي على مستوى وزراء الخارجيــة، ثــم اجتماع القمــة على مستــوى زعماء ورؤساء دول وحكـــومات البلــدان الأعضاء بالاتحــاد الإفريقــي، وهـو الاجتمــاع المنتظر الذي يتميـــز بحضور جلالة الملــك محمد السادس، حيث سبق أن نقلت وسائل الإعلام عــن وزير الشؤون الخارجيــة والتعاون الدولي، أن جــلالة الملك سيحضر الدورة العاديــة الـ (30) للقمـــة الإفريقية.
وهكذا ستتـوجه الأنظــار، مرة أخرى، إلى دور المغرب ومساهمـة جلالــة الملك فــي هــذه المحــطة التي لا تُخفــى أهميتـها بالنسبة للعمل الإفريقي المشترك وللتحــديات الكبــرى التي تــواجه القــارة، ومعروف أنـه، خلال مسافـة سنة، ومنذ عــودة المغرب الرسميــة إلــى الإطار المؤسسي القاري، لـم يتوقف التألق والإشــعاع الإفريقي للمغرب الإفريقـــي، في كــل أشكاله وبكــل نماذجه التي تعــطي للتضامن والتكاثف معناه الصادق والملمــــوس.
فبمقر الاتحاد الإفريقي، وعشية انعقــاد القمـة الـ (30) العادية، نظـم معرض حـول مساهمة المغرب في عمليات حفظ السلام والعمل الإنســاني بالقارة الإفريقــية، ويسلط المعـرض الضوء على مشاركة المغرب في حفظ السلام والوقايــة من التوتر، من 1960 إلى 2013، كما تضمنت فعاليات المعرض بعضا من مبادرات العمل الإنساني، ومنها إقامة 11 مستشفى عسكريا ميــدانيا في مجموعة مـن البلــدان الإفريقيــة، حظيت خمسة منها بزيــارة ملكيـة.
كما نظمت البعثة المغربية لـدى الاتحـاد الإفريقي، بمقر هـذا الأخير خلال الأسبوع الماضي، نـدوة دولية كانت مناسبة لاستعراض دور المملكة المغربية في عمليات حفظ السلام والأمن في إفريقيا، والإسهام فــي إرساء أمن جماعي إفريقي.
وقبل أيام فقط، نشر معهد الدراسات الأمنية الأكثر تأثيــرا في جنوب إفريقيــا دراســة يؤكد فيها على أن عــودة المغرب إلى الاتحــاد الإفريقي، سيكون لها الأثر الإيجابي الكبيــر على العمل المنجــز لتعـزيز التكــامل والتنميــة الاقتصاديــة في القـــارة، وأن هــذه العــودة تــم التحضيـر لها جيـدا، بفعــل دبلوماسية نشـطـة يتم تنفيــذها تحت قيادة جلالة الملــك محمد السادس.
ومنذ هــذه العــودة، وكما قال جــلالة الملـك، ظــل المغرب يــؤكـد دائــما على أن خيـاره الإفريقي خيار استراتيجي ولا رجعة فيــه، بــل إنه برهن ويبرهــن، بالملمـوس عـن ذلك، مـن خلال جملــة الاتفاقيــات الجماعية أو الثنائيــة مـن نيجيريا إلى الكوت ديفوار .. وغيرهما، ومن خــلال المشاريع التنمــوية والمبادرات التضامنيــة، التي ماتزال تتــواصل وتتكثـــف مــع العــديد مـن البلـــدان الإفريقية الشقيقة، والتي قــال جلالـة الملك بصــددها، وبصــدد الرجوع المغربي إلى بيته الإفريقي، في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب: “فهـذا الرجوع ليس إلا بــداية لمرحلة جــديدة من العمـل مع جميــع الدول مـن أجـل تحقيــق شراكة تضامنيــة حقيقيـة، والنهــوض الجماعي بتنمية قــارتنا والاستجــابة لحاجيات المواطن الإفريــقي، إننا بصــدد بناء إفريقيا واثقــة من نفســها، متضامنــة ومجتمعــة حـول مشــاريع ملمــوسة، ومنفتحــة على محيـطها، وهو نفس المنظور التكاملي، الذي دفع المملكــة لإضفاء طابـع رسمـي، على رغبتــها في الانضمــام إلى المجموعة الاقتصادية لدول غـرب إفريقيــا”.
وفـي هذا الاتجــاه، ومن أجل تحقيــق هـذه الأهــداف، كان من الطبيعي أن يهتــم المغرب بلقاءات الاتحاد الإفريقي، على مستوى كل مـؤسساته، التي يعمل على أن يعطيهــا دينامية تتجــه نحــو التركيــز على القــضايا والإشكالات الحقيقيــة المطروحة للقـــارة.
وبالنسبة للموضوع الرئيسي، في أشغال الدورة الحاليــة، أي موضوع (مكافحـة الفســاد)، لاشـك أن المغرب لــه الكثير من التجارب التي تجعــله يقــدم قيمة مضافة بشأن هــذا الموضوع، وذلك باعتباره مـن البلدان المنخرطـة في تخلــيق الحياة ومحــاربة الفساد، إذ يتــوفر المغرب على ترسانـة تشريعيــة هــامة، وعلى مؤسسات مختصــة، كان آخــرها اللجنـة الوطنية للطلبيـات العمـومـية التي تــم تنصيبــها قبـــل أيام.
وتجربة المغرب هاته قــد تكون مرجعا أساسيا في تقييـــم اتفاقيـة الاتحــاد الإفريقـي لمكافحـة الفساد، المعتمدة منذ 2003، والتي ماتزال فــي حاجـة لتـعزيز الآليــات التي تمكــن بلــدان القارة مــن تطويــق فيـروس الــفسـاد.
ثــم هناك مجموعــة من الملفــات والقضايا الهامــة التي تنــدرج في سيـــاق التصور المغربــي لبناء إفريقيا الصاعـــدة، وتعــزيز التعاون “جــنوب ــ جنوب” وفـــق ثقـــافة التضامن والتكـــامل والتعاضـــد، ومن ذلك التوجه نحـو الانــدماج الاقتصادي، وتعبئــة موارد القارة فـي انسجــام مـع التصور المتكـــامل الذي يجعلـها تحتل مكانتها المستحقــة، بين مكــونات وقـــوى الأسـرة الدولية، فــي الواقع الجيو- سياســي الجــديد… الخ.
وبطبيـعة الحال، فإن العمل عــلى تعزيز دور المغرب وثقــله ليس مـن الأمـور السهــلة، لاسيما مع بقــايا ترسبات أزمنة (الحرب الباردة)، لكــن لا شك أيضا أن المغــرب على وعــي تــام بالصعاب والمناوشات التي يمكن أن تــأتي مـن الجهات المعروفـة، بــل إن المغرب ماض في عمــله وفي تــواصله المستمر مــع القادة الأفارقة، متمســكا ومقتنــعا بخيــاره الإفريقــي الواضــح، مستنــدا في ذلــك عـلى مصــداقيتـه التي تجعـــل منــه الشريك الموثــوق فــي القـــول والفعـــل.
فــي هــذا الأفــق، وكما جاء في خـطاب افتتاح جلالة الملـك الدورة التشريعية الحالية، قــرر المغرب إحــداث وزارة منتــدبة مكلفــة بالشؤون الإفريقيــة بوزارة الخارجيـة، وخليــة للتتبــع لدى كـل مـن وزارة الداخليــة ووزارة الماليــة، وهو ما يعكس جــدية المغرب في الاهتــمام بالشؤون الإفريقيـة بكــل أبعادها وتقاطعاتــها.
وبعــد مصادقة البرلمان المغربـي عليـه، أعلن المغرب عن مصــادقته على البرتوكول الخاص بالانضمــام إلى مجلس السلــم والأمن التابــع للاتحــاد الإفريقي، وبذلك، وبعد نشر هذه الوثيقــة بالجريـدة الرسميــة، يكون المغرب قــد أنجز الخــطوة اللازمــة من أجل الدخـــول إلى هـذه المؤسسة التي تعــد من أهم مؤسسات الاتحاد الإفريقي، والتي تفيــد التقارير الصحفية بأن الجـزائر ماتزال تحــاول أن تجعــل منهــا مجــالا مغلــقا توجه منــه سهامهــا ضد المغرب ومصالحـه الوطنية، وبالتالي الإبقـــاء على أسلوب (المحاور) الذي لا يــؤدي سوى إلى تخريب العمل الإفريقــي المشترك.
مـن جهـة أخرى، وفي نفس الأفق، يتابـع المغرب وبكــل يقظة، موضوع طلـب انضمامــه للمجمـوعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيــا (سيـدياو)، التي يبـدو بأن الطريق أصبح مفتوحا أمامه للانضمام إلى هذه المجموعة، خاصة بعـد أن أعطــى القادة الأفارقة موافقتهــم المبدئية على الطلــب المغربي، وبعد أن أكــد رئيس لجنة (سيـدياو) على أن “المغرب احترم كــل مبادئ قبــول العضـوية”، فيما أكدت مصادر مغربية مسؤولة أن الطلب المغربي اجتاز مرحلة الشق السياسي والشق القانوني، ولم يتبق سوى مرحلة الشق التقــني التي يعتمد فيها على نهـج تدريـجي.
هــكذا، يتواصل تفعيــل الحضور المغــربي فـي الاتحــاد الإفريـقـي، بسياستـه الإفريقية المنسجمـة والمبنيــة على قيـــم التضامن، والشراكات المنصفـة، والوفاء للتاريــخ المشترك… السياسة التي يرعاها ويقـــودها جلالة الملــك بإقدام وتبصـر وشجاعة وجــرأة سياسيــة.
ويحق لإفريقيا، كل إفريقيا بشعوبها الطموحة والمتطلعة إلى إعــادة الاعتبار للقارة السمراء، واحترام حق هــذه الشعوب في العيش بكرامــة، وفي ظل الأمن والاستقــرار، يحق لها أن تفتخـر بالدور الريادي الذي يقــوم به جــلالة الملك، في الدفــاع عــن مصالح إفريقيا، حيــن قال جلالته مخاطبا العالم بأن إفريقيا ليست في حاجــة للمساعــدات بقدر ما تحتــاج لشراكات ذات نفــع متبادل.
والمغرب والمغاربة بــدورهم يعتزون ويفتخرون بتألق المغرب ونجــاحه في نهـــجه الإفريقي مـن أجل تقــوية مسار التنميــة المستدامة على المستوى القــاري، وهو النهج الذي لا يعني، بأي وجه من الوجوه، تأخير العمل على إنجــاز البرامج والأوراش المفتـــوحة على الصعيد الوطني، بل بالعكــس، فإن الجهد التضامني الذي يقــدمه المغرب، في نطاق سياسته الإفريقية الجــديدة، لــه تأثيره الإيجــابي على مجهوداته على باقي الواجهات، ومنها القضيـــة الوطنية، ولعل الدورة الجديدة هي منصــة أخرى لمواصلة تنــزيل الحضور الفعلي للمغرب على كل واجهات الساحــة الإفريقيــة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تطوان.. تفكيك شبكة الاتجار الدولي في المخدرات وسرقة السيارات والهجرة السرية

رسالة24 – رشيد عبود // ...