الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / من أجل ضمان استمرار التوازن والانسجام

من أجل ضمان استمرار التوازن والانسجام

“أنا لاتهمني الحصيلــة والأرقام فقــط، وإنما يهمني قبـل كل شيء، التأثير المباشــر والنـوعي، لما تــم تحقيقـه مـن منجــزات في تحسين ظـروف عيــش جميــع المواطنيــن..”

من خطاب جلالة الملك بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لعيد العرش

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

خــلال الأشهر الأخيــرة الماضيـة تركزت بعض الخــرجات الإعـــلامية على بعض القـضايا التي تهـم سير العمل الحكــومي، وعلى تفاعــلات ما سمي بـ “الزلزال السياسي”، وفــي سياق ذلـك راجت أمام الـرأي العـــام الكثير مـن السيناريوهات و”الاحتمالات والترقبات والتوقعات”، التي جـانبت كلــها مسار الأحداث الواقعيـــة.
إلى جانب ذلك، عرفت الساحــة الإعـلامية والسياسية أيضا قضايا وإشكــالات موضوعيــة وواقعية تهـــم بالخصوص، التنميــة البشرية وتفعيل الحكامة الجيـــدة وحمايـــة القــدرة الشرائيــة لأوسع شرائح وفئــات المجتمع.
وممــا دفع ببروز قــلاقل وتخــوفات مرتبطــة بهــذه الإشكالات، هو توالي بعض المعطيات الظرفيـة وبعض القــرارات التي لم تتضــح بعض سيناريوهاتها النهــائيــة، وما يمكن أن ينجـم عنها من تــداعيات أو تـأثيــرات سلبيــة أو إيجابيـــة، ومــن ذلك بالخصــوص:
ــ التخــوفات أو القلــق الذي يصيب أوساطا واسعة من المجتمـع، كلما تحــدثت الأخبار عــن موضوع صنــدوق المقاصــة، وتغيير النظام الحالي المتبع في دعـــم بعض المواد الأساسيــة، وما يمكن أن يلحق، نتيجــة ذلك، من مســاس بالقدرة الشرائيــة حتى لبعــض الفئات التي يمكـــن وضعها في خــانة “الطبقة الوسطى”.
ــ الزيادات التي مســت أسعار مواد غــذائية أساسية مثل الخضر (أزيد من 5 بالمائة)، وبعض الخــدمات مثل قطاع سيارات الأجرة بالدار البيضاء، مما نجم عنه ارتفاع ملحوظ في الأسعار يثيـر تخــوف الــرأي العام، وذوي الدخــل المحــدود، من أن يكـــون مؤشر على بــداية مسلسل شــامل لارتفاع الأسعار، خصوصا حين يشمل الأمر المواد البترولية.
ــ مــوضوع (تعــويم الدرهم)، أو تلييـن الصرف، وما رافقــه مـن (تحفـظ)، خاصة مــع تعــدد التأويلات و(التفسيرات) التي يذهب مجملــها في اتجاه يرى أنه سيــقود إلـى فوضى أو (كارثة) بالنسبة للاقتصاد الوطني وبالنسبة للظروف الحياتية والمعيشية للطبقة الشغيلـة وجميع الفئات الشعبية، والطبقة الوسطى أيضا، وذلـك بالرغم من أن الجهات الرسمية، والمؤسسات المالية الوطنية تنفـي أن يكــون هــناك مـا يبـــرر مثل هــذا التخوف وهــذه التأويــلات.
إلى جانب هـذا المعطى، أو هـذا الجزء من الصورة، هناك صورة الواقـع في شموليتــه وفي تـوجهه الأساسي، وعلى هـذا المستوى، ومن حسن الحــظ، يسجل المتتبعــون بأن المغرب يــواصل عملـه ومساره السياسي والتدبيري والتنمـــوي بنفس العزم والعزيمــة وبنفس الطموح الذي يتناغــم مــع تطلعات الشعب المغربي وما تستلزمه مـن جهــود وتعبئة وتأطيــر من أجــل التصــدي، وبنجـــاح، لمهام المرحلــة.
فبالنسبة للعمل الحكومــي وللجانب السياسي، وخلال الأسبوع الماضي، تفضل جلالة الملك بتعييــن الوزراء الجـدد محل الوزراء المعفيين، وكذا الوزير المنتــدب المكلف بالشؤون الإفريقيــة، مع ما يعنــيه ذلك من استمرار الثقــة الملكيـة في الحكومــة التي عينت وفقا للمنهجيـة الديمقراطية.
وعلى هـذا المستوى السياسي أيضا، كانت للحكومة رسالتها، في نفس الظرف الزمني، المتمثلــة في الإعــلان عن جاهزيـة الميثاق المشترك للعمل الحكــومي، وعن استئــناف الأغلبية لاجتماعاتهــا المشتركة على مستــوى القيادات.
أما بخصوص مجالات التنمية والحكــامة والمؤشرات، المتعلقة بالميادين الأخرى، فالأرقام والمعطيات تفيــد، عموما، بأن المغرب ماض في تمتين عملـه التنموي، وفي بناء اقتصاده الوطني وفق نسق تنافسي بديناميته ومـردوديتـه، وتتحدث الأرقام الوطنية والأجنبية عـن تحسن أداء ونتائــج القطاعات الإستراتيجية، والمؤسسات العموميــة، خلال الأشهر الأخيرة، وبموازاة مـع بناء مؤسسات الجهـوية المتقــدمة وإخراج ميثاق اللا تمركز، يتم الانكبــاب على صيــاغة النموذج التنمــوي الجـديد، وفي عناوينه الكبــرى، وبما يخصصه للقطاعات الاجتماعية والجهويــة المتقدمــة والصناعات الحــديثة، فإن قــانون الماليــة الحالي يسير على طريــق الإصلاحات أو الأوراش والمشــاريــع الكبـــرى.
هـذا، على أن ما يمكــن رصــده وملامسته من إنجاز وحصيلة إيجابية ومحفــزة، لا يمكن بتاتا أن يلغــي الحاجــة الدائمة للانتبـــاه للحاجيات، وحتى للقلاقل والتخوفــات، التي قد تبرز مـن وسط المجتمع أو بعض تعبيراته، إعلامية كانت أو جمعويــة أو نقابيــة، وذلك بالتفاعل معــها وبالتجاوب مــع الحاجيات المشروعة للمواطنين.
فتلبية حاجيات المواطنين، وأداء المؤسسات العمومية، المنتخبة أو الإدارية، لمهامها وواجباتها تجــاه الساكنة، في كل المناطق، يعد مـن ركائز الديمقــراطية والعدالة الاجتماعيـة، بكل ما تعنيه من قيـم المساواة في الفرص، ومن ردم هــوة الفوارق الاجتماعية والمجالية، ومن ضمان شـروط الأمـن والاستقـــرار لكل المواطنات والمواطنيـن.
وفي هــذا الباب لنا مرجعية حاسمــة في الخطب الملكيـة، ومنها خطاب الذكرى 15 لعيد العرش، حيث قال جلالة الملـك :” أنا لاتهمني الحصيلــة والأرقام فقــط، وإنما يهمني قبـل كل شيء، التأثير المباشــر والنـوعي، لما تــم تحقيقـه مـن منجــزات، في تحسين ظـروف عيــش جميــع المواطنيــن”، ويضيف جـلالته قائلا: “ويبقـى السؤال المطروح هو: ماذا فعلناه بما حققنــاه من تقــدم؟ هل ساهم فقط في زيــادة مستوى الاستهلاك، أم أننا وظفنا ذلك في تحقيق الـرخاء المشترك لجميع المغــاربة؟، وإلى أي درجـة انعكـس هـذا التقـدم على تحسيـن مستــوى عيـش المواطنين؟”.
إذن، إن العبرة في النهايــة، هي فــي مــدى تحــقق التأثير المطلوب والمتبادل بيــن مختلف الأنشطة الاقتصاديــة والاجتماعيــة، وما يقــدمه ذلك مــن مساهمة ملمــوسة في تحسيــن ظروف العيش والنهــوض بالأوضاع الاجتماعيــة والثقافيــة لكل مكــونات المجتمع ولكــل جهات وأقـاليم البــلاد، وهنا قــد تتجه الأنظار نحـــو بعض الآليات أو الصناديق الاجتمــاعية، وكــذا نحــو مجموعة مـن المؤسسات المفروض فيها أن تساهم في تسريع التنمية البشرية والمجاليــة.
وبهذا الخصوص، وداخل المؤسسة البرلمانية، أثير موضوع الحكامة في تدبير الشأن المحلي، حيث أشار السيد رئيس الحكومة إلى أن هـذه الأخيرة حرصت على تنـزيل جملة مـن الإصلاحات البنيـوية التي تصب في اتجاه دعـم الحكــامة الترابية، لكن ذلك لا يمنــع من تتبــع ومراقبة مـــدى بلــورة الإصلاحات وتفعيلها على أرض الواقــع، وهذا ما قام بــه الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي، لما طرح عينات من الاختلالات الحاصلة على مستوى الجهات، في ما يهــم العدالة في توزيع الاستثمارات العمومية، وأيضا في توزيع الناتج الداخلي الخام على السكان حسب الجهات، وغير ذلك مما يستلزم تقييــم تجـربة الحكامة الترابيــة ودورها فــي التنميــة المحليــة.
وفي ما يتعلق بصناديق التغطيــة والمساعدة الاجتماعية، فهناك الآن تجربة إنشاء صندوق دعــم التماسك الاجتماعي، وبرنامج (تيسيـر)، وبرنامج المساعـدة الطبية (راميد)، وبرنامج دعــم الأشخاص في وضعية إعاقـــة، وبرنامج (مليون محفظــة)، ولابد من ملاحظة أن وجــود هــذه الآليات الاجتماعية، في حـد ذاتــه، هو تجسيد للاهتمام بالقطاعات الاجتماعية في السياسات العمــومية، على الرغم من أن هذا التوجه ما يزال أمرا حــديثا، مما يجعل تدبيــره قد لا يخلو من صعاب واختلالات.
ومن ثمــة قــد تكون هناك ضرورة لاتخاذ بعض التدابيــر التأطيــرية والإجراءات التي تضمن الفعالية والعــدالة في الولوج وفي الاستفــادة، كما هو الشأن مثلا بالنسبة لشروط ومساطر الاستفادة مــن صنـدوق التكافل العائلــي المعروض حاليا على مجلس المستشاريــن.
وبعد كل ما قيل وما كتب عنــه، فإن موضوع إصلاح صندوق المقاصة أصبح، الآن، يستوجب مقاربة جــديدة في التعامل معــه، حتى لا يظل يراوح مكــانه وبما يثيره مــن هواجس وردود أفعــال متضـاربة، ولقد أوضح السيد العثماني، أمام البرلمان، بأن “تغييرات طرأت على السيناريوهات التي طرحتها الحكومة السابقة”، مضيفا أن “الحكومة لن تقـوم برفع الدعـم إلا بعـد توفير الأرضية المناسبة لاستهـداف ناجع وفعال للفئات المستحقة لمختلف البرامج الاجتماعيــة”.
وأن الأساسي، قبل كل ذلك وبعـده، هو ضمان استمرار التوازن والانسجام في النسق التنمــوي، وتقويــة اندماج النسيج المجتمعي بالمتطلبات الضروريـة لتوفير وصيانة شروط الحياة الكريمة، لجميع المغاربـة، فــي ظــل عدالة اجتماعيـة تستمد قـــوتها وهنــدستها من خيارهم الديمقراطي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

شيشاوة.. اندلاع حريق مهول بالسوق الأسبوعي لسيدي المختار

رسالة24-رشيد أيلال // تمكنت عناصر ...