الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / الجهوية كرافعة أساسية في هندسة البناء الديمقراطي

الجهوية كرافعة أساسية في هندسة البناء الديمقراطي

“إن القيام بالإصلاحات المؤسساتيــة الضرورية، تمنح بموجبـها صلاحيات للجهات والهيئــات اللا مركزيــة، وللمبادرات المواطنـة، لتقويــة مساهمتها في جعــل السياسات العمــومية أكثر تلبيـة لحاجيات وتطلعـات المواطنيـن”

من الرسالة الساميـة لجلالة الملك إلى المشاركين في المنتـدى البرلماني الثاني للجهات

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

بنظــرة سريعة يمكـن لكـل متتبع الوقــوف على ضخــامة وكثـــافة المشاريــع والبرامــج التنمــوية، التي يواجه المغرب تــحديــاتها في نــطاق مســاره المتميــز وإنجــاز مشروعــه الديمقــراطي، وذلك بعــزم وإصــرار وثبــــات.
فبشكــل جلي وواضــح وملموس، تشهــد مختلف القطاعات الإنتاجيــة وأجهزة التدبير، ذات الطابــع الاجتماعي… حركيــة دؤوبــة وشاملــة لجميــع المستويات الوطنية والقطــاعية، وهــي حــركية تجســد تجــاوز المغرب لأجواء الــتردد والانتظــارية والاتكـــالية، والانتقـــال بسرعة من العمــل إلى الإنجــاز إلى المستــوى الذي تتطلبـــه المرحــلة.
ورغم بعض الصعاب، تلاحظ نفس الحركيــة لدى مجموعة غيـر قليلة من المؤسسات العموميــة، ومقــاولات القطاع الخــاص، بما تساهــم بــه في تقــوية الاقتصاد الوطني وتعــزيز المجــهود التنمـــوي، ومن الأمثلة على ذلك، هناك حصيلــة المكتب الشريف للفوسفاط، مردودية القطاع الفــلاحي، التحسـن الذي يعرفـه القطاع السياحي، الشراكات والاستثمارات التي تنجـــز مـع الشركاء في إفريقيــا وأوروبا وآسيــا…
كما تأتي هــذه الديــناميــة الإيجابيــة لتعــزز الإنجازات التي حقـقهـا المغرب فـي مجال البنيات التحتيــة الكبــرى، كالموانئ والطرق السيــارة والنقــل والميدان الفلاحي والطاقـــة، إلخ ..، وكــل هــذه المنجــزات جــعلت المغرب يبــرز كـــدولة صاعــدة، وذلــك بالإضافة إلى خــياره الديمقــراطي الذي يضــعه ضمـن الدول التي تعيــش عصــرها.
هــذا بالنسبة لنتائج انــطلاقة المغرب الجديدة أو الحاليــة، والتي تهــم تنفيــذ البرامج وإنجــاز الأوراش الإصلاحية، ثــم هنــاك جانب آخر لا يقل أهميــة عـن الوقــوف على المشاريع وتتبــع تنفيــذ البرامـج، وهو الجانب المتعلق باستكمال البناء المؤسساتي ووضع الآليات التنظيميــة والهيكليـــة الضروريــة للمرافق والمؤسسات التي أحــدثها دستور 2011، ونركز هــنا بالأساس إلـى موضوع الجهـــوية المتقــدمة التي يبــدو أن تنــزيلها الفعلي ليس بالأمر الهيــن، خصوصا وأن الموضـوع متشعــب بأبــعاده وتقـــاطعاته المتـــعددة، وهو شــيء طبيــعي بقياس منطــق تــدبير المجـتمعات ووضــع بنيـــات تنظيمها.
وفي تقاطع أو تماس مـع الجهويــة، هنــاك مهمة إعادة صياغــة النموذج التنمــوي، بمــا يتناغـم مــع التطورات، ويساعــد على تجــاوز الاختلالات المسجلــة على النموذج السابــق الذي أبان عــن محــدوديته في الاستجابــة لحاجيــات المواطنين المتزايــدة.
وقد كان من اللافت أن الحكــومة عقدت، خلال الأسبوع الماضي، اجتماعــها الثالــث مـع رؤســاء الجهــات الذي خصص، حسب بلاغ لوزارة الداخلية، لتـدارس الخطوات المنجزة والوقوف على الإيجابيات والعــوائق، ما يعني أن الاجتماع، في حــد ذاته، يعكس وعــي الحكومـة بأن الموضوع يستـدعي تعبئـة كل الجهـــود للتقــدم وتجــاوز المرحلـة التأسيسيـة نحـــو التنزيل العملــي للنصوص والمراسيـم التنظيمية الصادرة التي تمت المصادقة عليها من لدن مجلس الحكومــة.
إن إنجــاز هذه المهمة يصطــدم، من دون شـك، بصعاب متعــددة، منها ما يرجع لتـداخل القضايا المشتركـة بين الجهات ومجموعة من الوزارات، ومنها الحاجة الملحة للموارد البشريـة ذات الكفاءة، سيما بالنظر إلى كــون القانون التنظيمــي الحالي للجهات يعتبــر أكثر تقــدما بالمـقارنــة مــع سابقــه، وبالنظــر إلى الآمال المعقـــودة على نظــام الجهوية المتقــدمة كآليـة لتقــوية وتسريـع مسار التنميــة المستــدامة، وضمان العدالة الاجتماعية والمجالية، وبهذا الخصوص لا يمكن نسيان ما جاء في الخطــاب المـلكي، بمناسبـة افتتاح الدورة البرلمـانية (السنة الماضية)، حيث أكد جلالة الملك على أن “الجهويـة ليست مجــرد قوانين ومساطر، وإنما هــي تغييـر عميـق فـي هيــاكل الدولــة، ومقــاربة عمليــة في الحكــامة الترابيــة، وهــي أنجع الطــرق لمعالجـة المشاكــل المحليــة، والاستجابــة لمطالــب سكــان المنطقــة، لما تقــوم عليــه من إصغــاء للمواطنين وإشراكهم فـي اتخاذ القرار”.
وبهــذا التدقيــق والتقــدير من جلالة الملك، فإن الجهــويــة هـي اليوم مــن العناويــن الرئيسيـة للإصلاحات الكبــرى التي دخلت فيها البلاد مــع ما يعنيــه ذلـــك مـن ضرورة جعلــها ضمن جـدول الأعــمال اليومي للحكـومة ولكل المؤسســات المعنية، حتى تتــظافر الجهــود، وحتى يسـاهم الجميع، كـل من موقعـه، في التصــدي للإشكالات التي تبرز على هــذا المستوى أو ذاك، وحتى يــكون البناء المؤسساتي مواكبــا للأوراش الأخرى، ومؤطرا ومـدعما للبرامـج والمشاريــع الطمــوحـة التي يتــم إنجــازها في مختلــف القطاعات والجهــات.
وبعد تبــني الخيار الجهوي وصدور القانون التنظيمــي للجهـوية في صيغته المتطورة أو المتقــدمة، فقد تـم قــطع خطوات هـــامة على طريق بنــاء هـذا الصرح الكبير، وكذا إقرار أزيد مـن 20 مرسوما، بل وشرعت مجـالس بعض الجهات في وضـع برامجـها، كما حصل تقدم في حل بعـض الإشكالات، لكـن هناك قضايا أخرى، كتلك التي تنــاولهـا الاجتماع الذي حضره رؤساء المجالس الجهويـة وأعضاء جمعيــة جهات المغرب بمقر وزارة الداخليـة، والتي تــطرح العنصـر الزمنـي ووتيــرتـه لتدارك الزمن والانتقــال إلى المرحلة المقبلــة التي أشار إليها جلالة الملك في رسالته الساميـة إلى المشاركين في المنتـدى البرلماني الثاني للجهات، حيث قال جلالته: “أما الآن وقــد تــم تسطير الأهــداف، وتحـديد المبادئ والقــواعد بوضــوح، واضطلع الفاعلون بمهــامهم، فـإن المرحلة المقبلــة ستكـون حـتما هي بلــوغ السرعــة القصــوى، من أجـل التجسيد الفعلــي والناجع لــهذا التحــول التاريخـــي”.
والتحول الكبير والتاريخي هو ما يمكن بناء قــواعده بـ “الجهويـة زائـد النموذج التنموي الجديد”، ذلك لأن الجهويــة المتقدمة والنموذج التنـمـوي الجديد، الذي دعــا جلالة الملك إلى صياغته، يتكــاملان في أهدافهما ومقــاصدهما، فإذا كانت الجهويـة المتقــدمة بمثابة أنجع الطرق التي تمكــن من معالجــة المشاكل والاختلالات المحلية والجهــوية، والاستجــابة لحاجيات الساكنـة، فإن الدافــع إلى وضع نموذج تنمــوي جـديد هو جعل هــذا الأخيـر مواكبا للتطورات والمستجـدات، وبما يمكنــه مـن المساهمة فــي التقليـص من هـــوة الفوارق الاجتماعية والنهــوض بمستوى عيــش مختلــف شــرائح وفئــات المجتمــع.
هــذا، وعــلاوة علــى الأهداف المباشــرة، فإن هــذا (الثنائي) مجتمعــا، أي الهوية والنموذج التنمـوي، لــه بالفعل مـن الدلالات السياسية والاجتماعيــة ما يعبــر عــن إرادة سياسيــة قــوية فــي جعـــل التحــولات الإصلاحية والديمقراطية، التي عــرفها ويعـرفها المغــرب، قائمــة على ركــائز قويــة وأسس سليمــة ومتينـــة، فالمادة الثالثــة مــن القــانون التنظيمي للجهــوية تنص على أن “التنظــيم الجهوي يرتكز على مبــدأ التدبيـر الحـر الذي يخـول بمقتضــاه للجهــة، في حـدود اختصاصاتها، سلطة التــداول بكيفيــة ديمقراطية وحـرة، وسلطة تنفيـــذ مداولاتــها ومقــرراتها بما تحــدده القـوانين والأنظمــة الجـاري بــها العمل ووفقــا لقــواعد الحكــامة الجيــدة…”.
وتزداد القناعــة بهـذا التنصيص مـع استحضــار تأكيــد جلالة الملك، في رسالته إلى المنتدى المشار إليه، على أن “القيام بالإصلاحات المؤسساتيــة الضرورية، تمنح بموجبـها صلاحيات للجهات والهيئــات اللامركزيــة، وللمبادرات المواطنـة، لتقويــة مساهمتها في جعــل السياسات العمــومية أكثر تلبيـة لحاجيات وتطلعـات المواطنيـن”.
وبعـد كل ما سبق يمكـــن تلخيص الموضــوع في كــون الجهــوية المتقـــدمة تعتبـر رافعــة أساسيــة أو محـــورية في هنـــدسة بناء النموذج الديمقراطــي، الذي قطــع فيــه المغرب أشــواطا مهمـة، والذي مايزال يتطلب مواصلــة العمل والجهــود مــن أجــل تثبيـــت وتقــويــة روافعــه الأخــرى التي تمتــد إلى ما هــو ثقـــافي وإلى كــل مناحي الحياة، في نطــاق مكـــونات ثوابت الهـــوية الوطنيـة للمغاربة.
فبالرغم مــن الأشواط التي تـــم قطــعها، على هـذا الطريق، فإن المسافات المتبقيــة تجعل بعض الأوراش ماتزال في مرحلة التأسيس، وكذلك هو الشأن بالنسبة لورش الجهويــة الذي يتطلب اليوم تسريع الخطوات، وتكثيــف العمل التأسيسي، وإيجاد العلاجات الناجعة للإشكالات القائمة، وفتح أفق الثقــة والنجاح أمام رهـانات ما تبقى مــن المسافات والمحطـات، وبالحرص في كل ذلك على ثقافة الحوار ومنهجيــة التشارك والروح الإيجابية في التعاون بين جمــيع الأطراف والمؤسسات، الوطنية والجهوية المعنيــة والمسؤولــة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

البيضاء.. تأجيل الجلسة الثانية لـ”قتلة” البرلماني عبد اللطيف مرداس إلى يونيو المقبل

رسالة 24- صفاء لغزوزي // ...