الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / نقط على الحروف لآفاق واعدة

نقط على الحروف لآفاق واعدة

“وكما تعلمون فإن العدالة بين الفئات والجهات، تشكل دائما جوهر توجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي الغاية المتوخاة من مختلف المبادرات والأوراش التي أطلقناها، هدفنا الأسمى تحسين ظروف المعيش اليومي لمواطنينا، في ظل العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص” 

من الرسالة الملكية إلى المشاركين في الدورة الثالثة للمنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية

 

بقلم: الأستاذ عبد الله الفردوس

 

خلال الأسبوع الماضي، نظم مجلس المستشارين الدورة الثالثة للمنتدى البرلماني الدولي للعدالة الاجتماعية، كللت بنجاح كبير، وذهبت جل التعاليق والمتابعات إلى التأكيد على أن الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركين، في هذا اللقاء، كان لها نصيب حاسم في هذا النجاح، سواء من حيث سير أشغال المنتدى أو من حيث النتائج والتوصيات التي أسفرت عنه.

ومن دون شك أن دور الرسالة الملكية، التي تلاها المستشار الملكي، السيد عبد اللطيف المانوني، من على منصة المؤسسة البرلمانية، لم يأت فقط مما تضمنته من تنويه باختيار الجهة المنظمة ل (النموذج التنموي المأمول ورهانات العدالة الاجتماعية والمجالية) كموضوع لهذه الدورة، ولكن أيضا لكون الرسالة تضمنت تعليمات وأفكارا ذات قيمة كبيرة بالنسبة للاجتهاد المطلوب في تناول الإشكاليات الراهنة ذات الصلة بالتنمية وبالعدالة الاجتماعية والمجالية.

والملاحظ كذلك، أن رسالة جلالة الملك تميزت بنفس وأفق محفز على توسيع مجال البحث والاجتهاد في مقاربة عناصر الموضوع، وفي بلورة المقترحات والمعالجات الممكن أن تساعد على الوصول إلى النتائج المرجوة من صياغة نموذج تنموي جديد، يمكن من تجاوز الاختلالات ومن تلبية الحاجيات المتزايدة في بعض المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن الرسالة السامية حملت إضافات وتدقيقات مكملة لما جاء في خطاب جلالة الملك، بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الأخيرة، بخصوص موضوع النموذج التنموي، إذ أن جلالته يحدد المبتغى بقوله : “إننا نتوخى من الدعوة لمراجعة هذا النموذج، أكثر من مجرد إصلاحات قطاعية معزولة، وإعادة ترتيب بعض الأوراش الاقتصادية والبرامج الاجتماعية، وإنما نتطلع لبلورة رؤية مندمجة للنموذج السياسي والاقتصادي والاجتماعي ببلادنا، ولمنظومة الحكامة المركزية والترابية، في كل أبعادها، بما في ذلك المنظومة القانونية التي تؤطره، رؤية كفيلة بإعطائه دفعة قوية، وتجاوز العراقيل التي تعيق تطوره”.

من هنا، يتضح بأن المهمة التي وضعها جلالة الملك في خطابه، أمام كل المؤسسات والجهات المعنية -أي النموذج التنموي- توضع أيضا في إطار تقاطع وتكامل الاختيارات الإستراتيجية الكبرى للبلاد، حتى يتقوى أكثر فأكثر انسجامها وتفاعلها الإيجابي، كما تحتم ذلك طبيعتها وترابطها.

وهذا من دون أن يعني ذلك، كما تذهب بعض الكتابات، وضع سؤال من الأسبق: السياسي أم الاقتصادي أم الاجتماعي؟ فالنموذج السياسي المغربي تم نسجه عبر مسار من التجارب والتراكمات التي تم تطويرها، في العقدين الأخيرين، بمجموعة من الإصلاحات السياسية، التشريعية والمؤسساتية الهامة، والتي أعطت للمغرب صورته المتميزة بين البلدان الصاعدة، على أن النسق السياسي لأية دولة لا يمكن أن ينظر إليه بنظرة الجمود المعزولة عن حركية المجتمع والتطورات التي يفرزها الواقع المتحرك، وهو ما يلاحظ داخل أندية ونماذج الديمقراطيات المتقدمة نفسها.

وبذلك، ومع التصور الذي تحمله الرسالة الملكية، فإن المغرب اليوم ليس فقط أمام رهان إقرار وضبط نموذج تنموي جديد، ولكنه مطالب أيضا بتحيين سياساته العمومية، وبتجديد وتقوية نموذجه الاقتصادي، وبملاءمة أداء مؤسساته مع مقتضيات الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل القطاعات …، وبالتالي، فإن جميع المؤسسات والجهات المعنية عليها أن تستشعر حجم المجهودات التي يتطلبها التصدي لهذه المهام، وفي هذه الرسالة بالذات، فإن جلالة الملك يعيد التشديد على ضرورة التقييم المنتظم لنتائج العمل والتحيين المستمر للأهداف المرحلية والانتباه إلى التحولات المجتمعية.

وبطبيعة الحال، فإن الوصول إلى إرساء بنيات وقواعد تشييد عدالة اجتماعية، بكل ما لهذه الأخيرة من معنى، ليس بالشيء الهين، فتحقيق العدالة الاجتماعية كان دائما، وعبر قرون عدة، من أكبر التحديات التي شكلت اختبارا قويا لمدى قدرة العديد من المجتمعات، وأنظمتها السياسية، على وضع توازنات أو آليات اجتماعية منصفة.

وفي الحالة المغربية اليوم، فإن العنصر الإيجابي الأهم، بالإضافة إلى ما تحقق من مكتسبات، هو أن موضوع العدالة الاجتماعية ليس بجديد في تجربة وتوجهات بلادنا، بل وكما جاء في الرسالة الملكية، حين قال جلالة الملك مؤكدا: “وكما تعلمون فإن العدالة بين الفئات والجهات، تشكل دائما جوهر توجهاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي الغاية المتوخاة من مختلف المبادرات والأوراش التي أطلقناها، هدفنا الأسمى تحسين ظروف المعيش اليومي لمواطنينا، في ظل العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية وتكافؤ الفرص”.

وكان هذا التوجه، ومايزال، في صلب الاختيار الديمقراطي للمملكة المغربية، كما عبرت عنه دائما الخطب الملكية، وكما جسدته العديد من المبادرات والتدابير الاقتصادية والاجتماعية الرامية الى النهوض بأوضاع الشرائح الواسعة من المجتمع، وإلى خلق قنوات قوية ومستدامة للتضامن والتوازن بين مكونات المجتمع وجهات البلاد وأقاليمها.

وطرح مهمة الانتقال نحو نموذج جديد، لا يعني أن الاختلالات تهم  بالأساس جوهر التوجهات والاختيارات الكبرى، بقدر ما يعني أن سلامة وصحة الاختيارات السياسية الكبرى هي التي تمكن من مراقبة الأداء وتقييم الإنجاز والحصيلة، ومن ثمة تقويم الهفوات وتجاوز الاختلالات والبطء والتأخر، وهذا هو الحاصل الآن حيث تنزيل مضامين الدستور تجعل البلاد قادرة على التقييم الدقيق لعمل مؤسساتها الحكومية والمنتخبة والقطاعية، وعلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي ما يتعلق، تحديدا، بالعدالة الاجتماعية والنموذج التنموي، فإن الرسالة الملكية أخرجت الموضوع من دائرة  التنظيرات الأكاديمية والشعارات المجردة إلى أرض الواقع الملموس والحياة المجتمعية والاقتصادية المعاشة، وذلك ما يقف عليه كل متتبع، من خلال استحضار مجموعة من المعطيات الميدانية، ومنها:

1  إشكالية الفوارق الاجتماعية والمجالية، وعلاقتها بالإكراهات المطروحة على تدبير المنظومات الضريبية وأنظمة الحماية الاجتماعية.

2  مسألة تعميم الولوج للخدمات والمرافق الاجتماعية الأساسية، باعتبارها ركنا أساسيا من أركان العدالة الاجتماعية.

3  ضرورة إيجاد مؤسسات متشبعة بقيم التضامن والعدالة الاجتماعية، تساهم في حل المشاكل الحقيقية للمواطنين، والاستجابة لانشغالاتهم ومطالبهم الملحة.

هكذا، وباستحضار مثل هذه الرهانات الدقيقة والمعقدة، وكذا الوعي بتقاطعات المسألة مع مهام القطاعات الأخرى، ومنها الاقتصادي والسياسي وغيرهما، نلمس عن قرب ما تحمله الرسالة الملكية من منظومة فكرية وعملية منطلقة من أرضية واقعنا الوطني والاجتماعي، ومستشرفة، بكل تفاؤل وعزم وعزيمة، لأفق النجاح في تجاوز الصعاب والعراقيل، والانكباب الجدي على مواجهة رهانات التنمية والعدالة الاجتماعية في سياق مواكبة التطورات والمتغيرات التي يعرفها المجتمع المغربي.

وبشكل جلي تظهر كذلك الأهمية الكبرى للتصور، الذي تحمله الرسالة الملكية السامية بشأن السبل والمنهجية والآليات اللازمة لتقدم هذا المسار، من الناحية العملية، إذ أن الرسالة تذهب في اتجاه نبذ السلوكات الاتكالية والعدمية، ومن ثمة فهي تضع النقط على الحروف بهذا الخصوص، حيث:

تعتبر بأن بناء نموذج تنموي جديد، وعدالة اجتماعية منصفة، قضية تهم كل المغاربة وكافة القوى الحية للأمة، أفرادا ومؤسسات، أحزابا ونقابات، ومجتمعا مدنيا، وهيآت مهنية.

تؤكد على اتباع المنهجية التشاركية التي تفتح المجال لإشراك كل الكفاءات والطاقات الوطنية في مختلف المجالات والمساهمة بأفكارها واقتراحاتها الإيجابية.

فتح المجال لمشاركة جميع المتدخلين بكل حرية، في إطار مقتضيات الدستور، في نقاش وطني واسع ينفذ إلى عمق الأشياء ويبلور مقترحات عملية وصائبة.

بكل ذلك، تفتح الرسالة الملكية أفق العمل والنجاح في هذه المهمة التي تعد قضية رئيسية في رهانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي جدول أعمال تدبير الشأن العام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هذا هو برنامج سير القطارات بمناسبة عيد الأضحى

وضع المكتب الوطني للسكك الحديدية ...