الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / تخلیق الحیاة العامة دعامة أساسیة للمسار الدیمقراطي

تخلیق الحیاة العامة دعامة أساسیة للمسار الدیمقراطي

“وإذا كنا دعـونا لبلورة وإرسـاء نمـوذج تنمـوي جديد، لمواجهة التحـديات الراهنـة والمستقبليـة، فإننا نـدعو إلى وضع مفهـوم الخـدمة العموميـة في صلب هـذا النموذج، من خلال إصـلاح شامل وعميـق للإدارة العمـومية”

من رسالة جلالة الملك الموجهة إلى المشاركين في المنتـدى الوطني للوظيفة العموميـة العليا بتاريخ 27 فبراير 2018

 

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

 

مفـروض على المغرب كـدولة تواجـه تحديات كبرى، على أكثر من صعيد… مفروض أن يهتم كذلك ببعض الظواهر والسلوكات السلبيــة (الموجودة في المجتمع المغربي كما في جل المجتمعات)، مهما كانت محدودة في حجمها وتأثيرها، ولاسيما منهـا تلك الظواهر والحالات التي تتناقـض كليـة مع مشروعه المجتمعي ومـع خيـاره الديمقراطـي.

القصد هنا هو ما دأبت وسائل الإعـلام، خلال الشهور الأخيرة، على نقـله والحديث عنه من حصول حالات تجـاوزات وتلاعبات المعبر عنها بـ (الفساد)، والفساد، كما يعلـم الجميـع، هو التخريب بعينــه، ليس فقط في حدود دائرته المجالية أو المؤسساتية، بل وأيضا على مستـوى المجتمع برمتـه، وذلك سواء بتداعياتـه على القيم المجتمعية النبيلة، أو بما يلحقه من مساس بمصداقية مؤسسات تدبير الشأن العام وغيرها من المؤسسات العمومية، وما ينتج عــنه من تشكيك في الأجواء العامـة وتلغيمـها، بالإضافة طبعا إلى الإضرار بصورة البلاد.

وكآخر النماذج أو الحالات التي يمكن إيرادها هنا، هـي ما تحدثت عنه الصحافة مـن إحالة 180 رجل سلطـة على المجالس التأديبية، وبأن عـددا من هؤلاء يشتبه تورطهم في تجاوزات وتلاعبات مخــلة بروح المسؤولية والنزاهـة.

وبطبيعة الحال، فقبـل هذه المجموعة التي تهم فقط الإدارة الترابية، كانت هناك حالات أخرى، ومنها تلك الاختلالات والتجــاوزات التي كشفت عنـها تقارير مؤسسات الحكامة، وخاصة منها المجلس الأعلــى للحسابات، وبعض المفتشيات، والتي تهــم وقائـع محددة في بعض المؤسسات العمـومية، والأجهزة المنتـخبة، والملاحظـة الأبرز هنا، هــي أن الكشف عن الممارسات الفاسـدة وفضحـها يحـظى، عمــوما، باستحسان المجتمـع وارتيــاحه، لما يــرى في ذلك مـن إرادة وعــزم على التصـدي لكل سلوكات ومظاهـر الفسـاد من استفحال الرشوة واستغـلال النفوذ و(الوساطة) إلخ…

ولكن هـناك كذلك ما يشهد به الواقـع من أن المعضلة لا تنحصر فقط على مستويات المؤسسات والإدارات العمـومية، بل تمتـد أيضا إلى جـزء من مكونات المجتمع، من أفراد وجماعات، حيث كثيرا ما تـم ضبط نماذج من الأفعال التي تـدخل في خانـة الفساد، منها التحايل والرشوة، والغـش في الإنتاج والتجارة، ومنها أيضا نماذج من القضايا التي استدعت تكويـن لجن برلمانية للاستطلاع، وقد أنهت إحداها مهمتها، بدايـة الأسبوع الماضـي، وذكرت مصادر مقربة بأن تقريرها يتضمن مجموعة من الاختـلالات والتلاعبـات، إلى غير ذلك من النماذج والحالات التي لا يتوقف عـرض ملفاتـها على المحاكـم.

ولاشك أن الوعـي بخطورة المفعول والتأثير السلبي لهذه المعضلـة، على كل مناحي حياتنا الاجتماعية والسياسيـة، هو ما دفـع بالحكومة الحاليـة إلى جعـل من أولوياتـها، العمل على “ضمان التنـزيل الأمثل للاستراتيجية الوطنيـة لمحــاربة الفسـاد وإرساء نظام فعال لتتبعها وتقييمهـا”.

مـن هنا، يتبـادر إلى الذهن سـؤال عريض حول إمكانيـة مجــابهة كل هـذه السلوكات والانحـرافات المرضية، وحول ما إن كانت إمكانية  وحظوظ النجـاح في ذلك، متوفرة للمغــرب؟.

وللجواب، وفي جملــة مركزة، يمكن الجزم بأن المغرب ليس أمامه أي مجال للتـردد في خـوض هذه المعركة وهذه المجابهـة بكـل ما تفرضه من جهد متواصل ونفس طويل، ذلك لأن مغرب الاختيـار الديمقراطي والحـداثة، هو أيضا مغرب المساواة، مغرب الحرية والمسؤولة والمنافسة الشريفة، مغرب النزاهة والاستقــامة والقيـم النبيلــة.

ومهمـة بناء مجتمع تحكمـه هذه القيم، وتسود فيـه، تستوجب جعلها معركة فاصلـة وحاسمة ضد كل مظاهر الفساد والتسيب، والإخلال بالمسؤوليات وتبخيســها، ولعل الفعاليات والمؤسسات، أفرادا وجماعات، المعنيـة بخوض هذه المعركــة لهــا كـل القدوة المحفزة فـي التوجيهات والدعــوات التي ما فتئ جلالة الملـك يطلقهـا بهـذا الخصوص، والتي كان آخرهـا ما جاء في الرسالة الملكية إلى المشاركين في المنتـدى الوطني للوظيفة العموميـة العليا، الأسبوع الماضي، حيث أعادت الرسالـة التأكيد على موضوع إصلاح الإدارة بقول جلالته: “وإذا كنا دعـونا لبلورة وإرسـاء نمـوذج تنمـوي جديد، لمواجهة التحـديات الراهنـة والمستقبليـة، فإننا نـدعو إلى وضع مفهـوم الخـدمة العموميـة في صلب هـذا النموذج، من خلال إصـلاح شامل وعميـق للإدارة العمـومية”، مذكرا بحرص جلالته “على التكريس الدستوري للحكـامة الجيـدة، كمبـدأ لا محيـد عنـه في تنظيـم وتدبير المرافق العموميـة، بما ينطـوي عليـه مـن مبادئ الاستحقـاق والنزاهة والشفافية وتكـافؤ الفـرص بين جميع المغاربـة”.

أما بخصوص الشطر الثاني مـن السؤال، أي إمكانية النجاح في هـذه المعركة، فلا شـك أن الطريق سـالكة، وذلك بالنظر إلى معطيات أو اعتبارات جـوهرية، ومنها بالأساس:

* وجـود إرادة سياسيــة لدى مختلف أطراف الائتلاف الحكومـي مع برنامـج وأهداف مدققـة.

* التحولات التي عرفها ويعرفها المجتمع المغربـي، بما في ذلك تنامـي مستوى الوعـي وروح المواطنـة والمسـؤولية.

* وجود فعاليات مـدنية مؤهلــة للمساهمة كشـركاء في برامج التحسيس والتأطير والتوعيــة بضرورة انخراط المواطنين.

* اتسـاع حجم استعمــال الأساليب والوسائل التكنولوجيـة الحـديـثة، فـي أفق تعميــم الإدارة الإليكتــرونيــة.

وإلى جانب هـذه العناصر الذاتية والموضوعيــة، هناك الخطوات العملية التي تــم إنجازها في مجموعة من المجالات أو القطاعات، ومنها موضوع إصلاح الإدارة العمـومية الذي خصــه جلالـة الملك باهتمام كبيــر منذ خطاب الدورة البرلمانيـة لسنة 2016، وكـذا في خــطاب العرش للسنة الماضيـة، حيث شــدد جـلالته عـلى “إننا في مـرحلة جديدة، لا فرق فيـها بين المسـؤول والمواطن فـي حقــوق وواجبات المواطنـة، ولا مجــال فيـها للتهــرب مـن المسؤولية أو الإفلات مـن العقــاب”، وهذا بعد أن عبـر جلالته عــن إيمانه الراسخ بضرورة النجاعــة الإدارية بقوله: “إننا نـؤمن بأن النجاعة الإدارية تسـاهم في النهــوض بالتنميــة، وفـي جلب الاستثمــار الوطني والأجنبي، وتعـزيز الثقـة التي يحــظى بها المغرب”.

وعـلى ضـوء هـذا التنبيـه الملكـي تـم إعطاء نفس جــديد للمجهـود الضروري لكسـب رهان ورش إصلاح الإدارة العمومية بعقلنـة وترشيد مرافقهـا على قاعــدة خــدمـة المواطن والوطن والنزاهـة والشفافيــة.

العنصر الآخر الذي يقـوي الثقــة في المضي نحـو إنجاز هـذا الرهان، هـو أن مهمـة مواجهة مظاهر الفساد والاختلالات الماسة بالحيـاة العامـة والمضرة بمصالح وحقوق المواطنين، كانت ضمن مهام الأوراش الإصلاحية والتحـولات التي شهـدها المغرب، منذ السنوات الأولى للألفية الثالثـة، ولاسيما مــع إطلاق المفهـــوم الجـديد للسلـطة، ومع ظهــور الجيل الأول مـن مؤسسات الحكــامة.

كما أن دستور 2011 جـاء بإقرار مـؤسسات جـديدة، وبتوسيع مقتضياتها وأدوارها الدستوريـة، ومنها الهيئة الوطنية للنزاهة والوقايـة مـن الرشوة ومحاربتها، ومؤسسة الوسيط كهيئة وطنيـة تساهم في ترسيخ مبادئ التخليـق والشفافية وسيـادة القانون.

على أن الترسانة التشريعية والمؤسساتية، مهما كانت متعددة ومتنوعة، إنما تعبـد الطريق وتوفر الآليات اللازمــة لنجـاح معركــة تخليق الحيــاة العامة، وتكـــريس قــواعد النزاهــة والشفافيــة، ومبادئ الاستحقاق وتكافؤ الفرص، في جميع مؤسسات ومرافق الدولة، وفـي القطاع الخاص، وجعلها من القيم السائدة والمؤطرة للمعامـلات وللعلاقات المجتمعيـة.

ومع كـل ما تحملـه المجهودات والأهداف المسطرة في هـذا الاتجـاه، مـن حماية لحقوق المواطنين ومصالحهـم، فهي تشكل، في نفس الآن، حصانة ودعــامة قــوية للمسـار الديمقراطي ورهاناتـه السياسية والاجتماعيــة والتنمويــة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العلمي.. معرض (فيفا ـ تيك) سيتيح للمقاولات المغربية الناشئة في القطاع الرقمي تبني أفكار جديدة

قال مولاي حفيظ العلمي، وزير ...