الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / الاتجاه السليم نحو الحل الممكن

الاتجاه السليم نحو الحل الممكن

“لا لأي حل لقضية الصحراء خارج سيادة المغرب الكاملة على صحرائه، ومبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها”.

من خطاب جلالة الملك في ذكرى المسيرة الخضراء (6 نونبر 2017).

 

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

 

اهتمت وسائل الإعلام خلال الأسبوع الماضي، بتتبع أشغال ونتائج اللقاء، الذي جمع المبعوث الأممي إلى الصحراء المغربية بوفد مغربي يتكون من وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي والممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة ورئيسي جهة العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب.

وكان السيد بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي، قد سارع، في حينه، إلى إطلاع وسائل الإعلام، والرأي العام المغربي عموما، على سياق وطبيعة هذا اللقاء، الذي احتضنته العاصمة البرتغالية، والذي أوضح بأنه تم في أجواء إيجابية وفي إطار الاحترام المتبادل.

ومع ذلك، فإن المتابعة الإعلامية للقاء لشبونة تعني، في نفس الوقت، الخوض في التطورات والتحديات التي يعرفها (ملف) قضية الصحراء في علاقاته وتقاطعاته مع الأطراف الأخرى، ومنها أطراف الجوار الإفريقي، والشريك الأوروبي، وكذا المنتظم الدولي، وذلك لسببين على الأقل:

* الأول، ويهم سياق هذا اللقاء وطبيعته وما تم تسريبه من تأويلات بشأنه.

* أما الثاني، فيتعلق بتزامنه مع موقف محكمة العدل الأوروبية من اتفاق الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

في ما يهم العنصر الأول، فإن المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي السيد كوهلر، كان قد أعلن، خلال زيارته للمنطقة شهر يناير الماضي، أنه سيجري مباحثات مع الأطراف والدول المجاورة، كما أعلن حينها أن (المشاورات المرتقبة ستجري في برلين)، وأن الدعوة بعثت إلى كل من وزير خارجية المغرب، والأمين العام للبوليساريو، ووزيري خارجية الجزائر وموريتانيا.

ومنذ البداية، تحركت جماعة البوليساريو والجهات المناصرة للأطروحة الانفصالية للتطبيل والترويج لصيغة “المفاوضات المباشرة وخارج سقف الحكم الذاتي”، وهنا كان رد المغرب حازما في تفنيد تأويلات أبواق البوليساريو، وفي رفض صيغة ومكان الاجتماع (برلين) الذي اقترحه كوهلر.

أما جوهر مباحثات لقاء لشبونة، فهو أقرب إلى توضيح موقف المغرب، في أفق إعداد تقرير المبعوث الأممي، أكثر من أي شيء آخر، بل إن الوفد المغربي، وكان ضمنه من لهم مشروعية تمثيل الأقاليم الصحراوية، أعاد التذكير بالاعتبارات السياسية والجيو-استراتيجية التي كانت وراء نشأة هذا النزاع، ومن ثم التأكيد على رفض المغرب للمقاربات التي لا تنسجم مع حقيقة الوضع وطبيعة الملف، وسيكون في هذا التأكيد (فائدة) للأطرف الأخرى المعنية بتسوية النزاع المفتعل في المنطقة.

وبخصوص العنصر الثاني، فيتمثل في محاولة الجماعة الانفصالية وخصوم القضية الوطنية استغلال قرار محكمة العدل الأوروبية القائل ب “استثناء الأقاليم الصحراوية من اتفاقية الصيد البحري”، إذ رأت الجماعة في هذا القرار مكسبا وفرصة انتهازية للتصعيد من حملاتها ضد المغرب.

وبالرغم من أن القرار لا يعطي أي اعتبار للبوليساريو، فإن هذه الأخيرة تريد أن تجعل منه (حجة) للترافع عن مزاعمها وادعاءاتها لدى الأوساط الدولية، بما فيها الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، على أن هناك معطيات ووقائع أخرى لا تخفى على كل متتبع موضوعي، ومنها:

* أن اتفاق الصيد البحري لا يعني المغرب وحده، وليس هو المتضرر الأول من عدم توقيع اتفاقية الصيد، كما تشهد بذلك المؤسسات الأوروبية نفسها.

* أن أول رد فعل على قرار المحكمة الأوروبية كان ثنائيا، أي من بروكسيل والرباط، حيث أعرب الطرفان (المغرب والاتحاد الأوروبي) عن عزمهما مواصلة الحفاظ على شراكتهما الاستراتيجية وتقويتها، ومواصلة تعزيز الحوار السياسي بينهما.

* أن المغرب حريص، في كل الأحوال، على الدفاع عن حقوقه وسيادته ووحدته الترابية بغض النظر عن أي اعتبار جهوي أو اقتصادي.

* أن المغرب استرجع أقاليمه الصحراوية منذ أزيد من أربعة عقود، ومنذ ذلك الحين وهذه الأقاليم تحظى بعناية تنموية خاصة، مكنت من النهوض بأوضاعها وبحياة سكانها بغلاف استثماري رصد 77 مليار درهم السنة الماضية لهذه الأقاليم.

* أن ساكنة الأقاليم الصحراوية، كغيرها من أقاليم وطنها المغربي، تنعم بمكتسبات الخيار الديمقراطي الذي جعله المغرب من ثوابته، بما يوفره من حريات فردية وجماعية، ومن مؤسسات تمثيلية محليا وجهويا ووطنيا.

هذه كلها حقائق ووقائع لا يمكن للمحكمة الأوروبية أن تلغيها أو أن تتجاهلها، لا باسم القانون الدولي ولا بأي منطق أو اعتبار آخر، بل ربما إنها الحقائق التي تزعج بعض أطراف الجوار وبعض الأوساط والتيارات الحزبية الأوروبية التي تتولى تسويق الأطروحة الانفصالية في الفضاءات الأوروبية.

من جهته، يبدو تنظيم البوليساريو وكأنه شاعر بالمتغيرات الجارية، التي قد تعجل بنهاية مشروعه العبثي، فتهديداته المتتالية بالعودة إلى حمل السلاح لم تكن أكثر من زوبعة في فنجان، والاستفزازات التي مارسها في منطقة (الكركرات) لم تفده في شيء، ورهانه على الحيلولة دون عودة المغرب إلى مؤسسات الاتحاد الإفريقي كان مصيره الفشل، لذلك فهو (البوليساريو) يبحث الآن عن وسائل أو إمكانيات أخرى لتبرير وجوده والاستمرار في معاكسته للتاريخ.

وفي إطار هذا التلهف الأعمى يتصور هذا الشبح الانفصالي أن بإمكانه (تطويق) المغرب من خلال الإضرار بمصالحه وعلاقاته وشراكاته مع المجموعة الدولية، خاصة منها الاتحاد الأوروبي، إذ بعد موضوع الصيد البحري تحدثت وسائل الإعلام عن قيام الجهات المناصرة للأطروحة الانفصالية، في البرلمان الأوروبي، بتوجيه سؤال كتابي حول المعطيات المتعلقة بالشحن الجوي ونقل المسافرين الذي تقوم به ثلاث شركات أوروبية من وإلى الأقاليم الصحراوية.

هذا، ومن جهة ثانية، وإذا ما كان هناك تساؤل بشأن موقع المغرب من التطورات الأخيرة، فالمعطيات الرسمية وغير الرسمية تشير إلى أنه في موقع الطرف القوي بمشروعية قضيته، والطرف القوي بجديته وبوضوحه، وبرغبته في تجاوز النزاع المفتعل ونزع كل أسباب التوتر في المنطقة.

ومن أجل ذلك، يعمل المغرب الآن على ضوء مضامين خطاب جلالة الملك، في ذكرى المسيرة الخضراء السنة الماضية، الذي أكد فيه جلالته على: “لا لأي حل لقضية الصحراء خارج سيادة المغرب الكاملة على صحرائه، ومبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها”.

وبالإضافة إلى وضوح الموقف وجدية مقترح التسوية، فالطرح المغربي مسنود بعدة عناصر سياسية أخرى، ومنها:

* كون مقترح الحكم الذاتي هو الصيغة أو الإطار الأنسب لتنزيل دعوة المنتظم الأممي للحل السياسي المتفاوض بشأنه، والمقبول من كل الأطراف.

* الواقع الموجود على الأرض في الأقاليم الجنوبية، ولدى ساكنتها التي تعيش حياتها العادية وضمن مكونات الأمة المغربية.

* العودة القوية للمغرب إلى بيته الإفريقي، حيث يضطلع اليوم بأدوار كبيرة ومتميزة في المجالات الاقتصادية والتنموية، وفي بناء إفريقيا الصاعدة، واستتباب الأمن والسلم داخلها.

* الحضور المغربي الوازن والمتزايد، في المحافل الدولية والجهوية، وبجديته كدولة تحترم التزاماتها والشرعية الدولية.

وعودا على بدء، تجدر الإشارة إلى أن الأمين العام الأممي السيد غوتيريس، المطلع جيدا على ملف قضية الصحراء، كان قد عبر عن ترحيبه بالزيارة الأولى التي قام بها مبعوثه الشخصي (أكتوبر 2017) إلى المنطقة، معلنا أنه يراهن على أن تقود تلك الزيارة إلى “إطلاق دينامية جديدة وروح جديدة تقود نحو عملية سياسية، بهدف التوصل إلى حل سياسي مقبول من كل الأطراف”.

والمغرب من جهته لا يعارض في إطلاق دينامية جديدة إذا كانت تعني تجاوز (الكليشيهات) المتجاوزة، ومنها شعار الاستفتاء، وذلك بالالتزام بمرجعيات التسوية التي أكد عليها التقرير الأخير للأمين العام الأممي وقرارات مجلس الأمن، والتي تثمن مقترح الحكم الذاتي كأرضية للتسوية المتوافق بشأنها، وهذا هو التوجه الجدي والسليم الذي يفضي إلى الحل الممكن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمهورية الدومينيكان تعتبر الحكم الذاتي مقترحا “قابلا للتطبيق”من أجل حل “واقعي” لقضية الصحراء

جددت جمهورية الدومينيكان تأكيد احترامها ...