الرئيسية / رأي / في الحاجة إلى صياغة نموذج تنموي جديد

في الحاجة إلى صياغة نموذج تنموي جديد

رغم التطور الذي حققته بلادنا، فإن ما يحز في نفسي، تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة وخاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل. إننا ندرك حجم الخصاص المتراكم، منذ عقود، بهذه المناطق، رغم كل المبادرات والمجهودات. لذا، عاهدنا الله، منذ تحملنا أمانة قيادتك، شعبي العزيز أن لا ندخر أي جهد من أجل تحسين أوضاع سكان هذه المناطق، والتخفيف من معاناتهم”.

من خطاب جلالة الملك في الذكرى 16 لعيد العرش المجيد

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

 

   في المغرب، كما في غيره من البلدان المشابهة، يصعب وضع ترتيب للقضايا ذات الأسبقية في البرامج أو المخططات التي توجه تدبير الشأن العام ومجالاته المتعددة، وذلك بالنظر إلى الترابط الجدلي القائم بين مجموعة من القطاعات والبرامج الحيوية بالنسبة للتقدم والتنمية الشاملة.

   وهذا هو الأمر بالنسبة للتنمية الاجتماعية وتحسين الأوضاع الاجتماعية والنهوض بها، حيث إن العنصر البشري، وكما هو مسلم به في أوساط واسعة، يشكل قطب الرحى في عملية البناء الاقتصادي والتنموي، وفي نفس الوقت، فإن هذه الطاقات البشرية، وفي كل الأحوال، لابد لها من الشروط ومن التأهيل الضروريين للاضطلاع بدورها في البناء المجتمعي والتنموي.

فمنذ 2014، أكد جلالة الملك (في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية) على أن “الرأسمال البشري هو رصيدنا الأساسي في تحقيق كل المنجزات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والحقوقية، وسلاحنا لرفع تحديات التنمية والانخراط في مجتمع المعرفة والاتصال”.

وقد برزت أهمية الورش الاجتماعي، بشكل أكبر وأكثر ملحاحية، مع التنبيه الملكي، إلى أن النموذج التنموي استنفذ فعاليته وديناميته، وإلى ضرورة صياغة نموذج تنموي جديد قادر على تلبية الحاجيات المتزايدة للمواطنين.

   وبالطبع، فإن إثارة موضوع الورش الاجتماعي لا يعني أبدا الوقوع في العدمية ونكران كل المنجزات والمكاسب التي تحققت، فمسار المغرب عرف تحولات وتراكمات مهمة في جل القطاعات الأساسية والحيوية، وفي السنوات الأخيرة، ومنذ بداية الألفية الثالثة، شهدت بلادنا تحولات وقفزات نوعية، سواء على واجهة البناء الديمقراطي أو النشاط الاقتصادي أو الأوراش الكبرى، مع كل ما لذلك من أثر إيجابي وملموس على مستوى تحسين ظروف ومستوى عيش الساكنة.

   على أن كل تلك الخطوات والمكتسبات، التي وضعت المغرب ضمن مقدمة البلدان الصاعدة، لا تعني طي الملف الاجتماعي، فهذا الأخير، وبحكم منطق الأشياء، يظل مفتوحا وفي حاجة دائمة للتحسين والمعالجة، ولا يمكن نسيان أن المشاكل والصعاب التي مرت بها البلاد، خلال العقود الماضية لم تساعد على تسريع وتيرة التنمية وتجاوز التفاوتات الاجتماعية والأوضاع الصعبة، وخاصة في ما يعرف ب (المغرب العميق) أو هوامش المدن، ولأوضاع هذه المناطق وغيرها تطرق الخطاب الملكي، في الذكرى 16 لعيد العرش المجيد، بقول جلالته : “ورغم التطور الذي حققته بلادنا، فإن ما يحز في نفسي، تلك الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة وخاصة بقمم الأطلس والريف، والمناطق الصحراوية والجافة والواحات، وببعض القرى في السهول والسواحل. إننا ندرك حجم الخصاص المتراكم، منذ عقود، بهذه المناطق، رغم كل المبادرات والمجهودات. لذا عاهدنا الله، منذ تحملنا أمانة قيادتك، شعبي العزيز أن لا ندخر أي جهد من أجل تحسين أوضاع سكان هذه المناطق، والتخفيف من معاناتهم”.

    من جهة ثانية، يمكن القول أيضا، أن البرنامج الحكومي الحالي يتميز، في محاوره الرئيسية، بنفس اجتماعي واضح، يتجلى على الخصوص في التزاماته وأهدافه المسطرة في القطاعات الاجتماعية والتنمية البشرية، كتقليص هوة الفوارق في الدخل ومحاربة الفقر والهشاشة، وتطوير حكامة الدعم الاجتماعي وتوسيعه، تسريع وتيرة تنمية العالم القروي، دعم حصول الطبقات المتوسطة والفقيرة على سكن لائق، وتحسين وتعميم الخدمات الصحية، ثم دعم التماسك الاجتماعي، الخ…

    ومن استعراض الواقع والظروف، الوطنية والدولية، خلال السنوات الأخيرة، يتبين بأن الإشكال الكبير اليوم ليس في وجود مشاكل وتحديات اجتماعية، ولكن التحدي الكبير يتمثل في القدرة على تعبئة المجهود الوطني، بشكل تشاركي وعبر منهجية الحوار الهادف، لتجاوز كل مظاهر الحيف  وأوضاع الهشاشة التي لا تليق بمغرب اليوم.. مغرب الديمقراطية والتقدم والكرامة والإنصاف.

   وهنا، وبالنسبة لمختلف شرائح الشغيلة، يحضر موضوع الحوار الاجتماعي، فقد كان يوم أول أمس الاثنين، هو موعد الاجتماع الثاني للجنة القطاع الخاص للحوار الاجتماعي، وسبق لأطراف هذه اللجنة أن اتفقوا على  موافاة وزارة الشغل والإدماج المهني بمقترحات حول جدول الأعمال ومنهجية العمل والأولويات، كما عبر وزير الشغل من جهته، عن وجود إرادة راسخة لدى الحكومة في إنجاح هذا الحوار وجعله منتجا.

   وقبل هذا، ومنذ بداية شهر أكتوبر الماضي، انطلق الحوار الاجتماعي، وعقدت مجموعة من اللقاءات مع الحكومة، لكن أجواء (الحذر والتوجس)  كما يبدو  لم تساعد في التقدم على المستوى الوطني أو المركزي، فيما أن مصلحة الشغيلة ومصلحة البلاد تقتضي من جميع الأطراف خوض غمار الحوار بكل ما يستلزمه من استحضار التحديات الموضوعة أمام البلاد، ومن الحرص على التوصل إلى توافقات إيجابية، وذلك هو المؤمل الآن سواء في القطاع الخاص أو القطاعات العمومية، لاسيما وأن الوصول إلى الاتفاق أو التوافق، بشأن مجموعة من القضايا ومن الملفات المطلبية، ليس بالمستحيل.

   وعلى مستوى آخر، وبخصوص الساحة الاجتماعية دائما، هناك بعض القضايا الحساسة التي تروج داخل المجتمع بشكل لا يمكن إلا أن تثير معه مخاوف وقلق المواطنين، ومن ذلك، مثلا، ما ينقل عن الاحتجاجات الاجتماعية في بعض الجهات، وما قيل ويقال حول انعكاسات إلغاء أو إصلاح صندوق المقاصة، على القدرة الشرائية لفئات واسعة من الطبقة الوسطى، وما نشر عن وصول معدل البطالة في بعض مناطق البلاد إلى 40 بالمائة، الخ …

   إن مثل هذه القضايا تستدعي توسيع قنوات التواصل مع مختلف مكونات المجتمع، وتزويد الرأي العام الوطني بحقيقة المعطيات والإشكالات التي تهم الشأن الاجتماعي، فالمغرب اليوم، ومن حسن الحظ، يتوفر على الآليات  والأجهزة والمؤسسات التي تمكنه من وضع مواطنيه في الصورة بخصوص كل ما يهم الشأن العام والأوضاع الاجتماعية.

   فتواصل المؤسسات مع المواطنين، وتحسين الأوضاع الاجتماعية للشرائح الواسعة من المجتمع هو من الدعامات الأساسية للبناء التنموي والاقتصادي، بل إن المواطن هو حجر الزاوية في معادلات الرهانات الكبرى للبلاد في مختلف الميادين، ولذلك، فإن هاجس تحسين أوضاعه الاجتماعية والثقافية، هو من المسؤوليات الواجب أن تلتقي وأن تتكامل حولها السياسات العمومية والبرامج التنموية، كما يستوجب تقييم الأداء وتحيين المجهود المبذول في هذا المجال، وخاصة من خلال:

  * إعطاء دفعة جديدة للبرامج والأوراش الإصلاحية المفتوحة، مع تقييم الحصيلة في أبعادها التنموية والاجتماعية.

  * إحاطة برامج محاربة الهشاشة والفوارق الاجتماعية والمجالية بكل ما هو ضروري من مراقبة وحكامة جيدة.

  * الإسراع ببلورة النموذج التنموي الجديد وفق المنهجية التشاركية.

  * تنزيل وتفعيل ما تبقى من مقتضيات الوثيقة الدستورية ذات الصلة بالشأن الاجتماعي والتنموي، بما في ذلك الجهوية المتقدمة.

   هذا، وبالإضافة إلى مثل هذه الإجراءات والقرارات التدبيرية، لا يغيب عن الذهن أن الاهتمام بالهاجس الاجتماعي هو من صميم العدالة الاجتماعية ومن المحاور المركزية لتوجهات البلاد واختياراتها الكبرى، القائمة على المبادئ الديمقراطية والمساواة في الحقوق الدستورية، ورفض كل مظاهر الحيف والتهميش الاجتماعي، وهذه المبادئ تعني، فيما تعني، استفادة جميع المواطنين من حصيلة التقدم والإنجازات التي تحققها البلاد.

   وبالتالي، فإن ثنائية الاهتمام بالشأن الاجتماعي وبالتقدم الاقتصادي في نفس الآن، تعني الترابط الجدلي بين الفعل أو النشاط الاقتصادي وبين تلبية الحاجيات المجتمعية للمواطن .

 ومعلوم أن جلالة الملك قد اهتم بهذا الموضوع من خلال قرارات وتوجيهات سامية، كما في الخطب الملكية ومنها خطاب العرش، لسنة 2014، حيث أكد جلالته حرصه على : “تلازم التنمية الاقتصادية مع النهوض بأوضاع المواطن المغربي، ذلك أننا لا نريد مغربا بسرعتين: مغرب أغنياء يستفيدون من ثمار النمو، ويزدادون غنى وفقراء خارج مسار التنمية، ويزدادون فقرا وحرمانا”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

طنجة.. انتحار “سيكليس” في ظروف غامضة

رسالة24 – رشيد عبود // ...