الثلاثاء 02 مايو 2017 - الساعة الآن 10:52:56 صباحا
الرئيسية / رأي / خيار استراتيجي و رؤية ناجعة

خيار استراتيجي و رؤية ناجعة

“فقد صــار لزاما علينــا، أكثـر من أي وقـت مـضى، أن نعجــل بمــد جســور الترابط الــدائم بيـــن الأســـواق الإفريقيــة، وتعــد منطقــة التبــادل الحــر القـارية الإفريقيــة، آلية أساسية لتعــزيز هــذا النمـوذج التنمــوي الاقتصــادي الجــديد، القــائم عـلى الابتكــار وتنــويع الأنشطــة الاقتصادية، وعـلى التجـارة التضامنيــة، وهو ما يستدعــي توحيـد الصف الإفريقــي قصــد بنـاء اقتصـاد قـاري مزدهــر يقـوم عـلى التنميــة الشاملـة والمستـدامة، وعـلى تشجيـع المبـادرة الحـرة وإنتـاج الثروات”.

من الخطاب الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس إلى القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي بـ”كيغالي”

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس

مـن الطبيــعي أن تكــون للمغرب مشاكلــه ومشاغله الداخليــة، وخاصة فـي مجــالات البنــاء الديمقــراطي والتنمــوي، كما هــو الشأن بالنسبــة لأي بلــد آخر يسعـــى ويعمـل من أجــل أخـذ مكانتـــه فــي قــطار التــقدم وتحقــيق طمــوحات وتطلعــات شعــبـه.

ومــن مميـزات المغرب، بالإضافة إلى التحـــديات التي رفعــها ويرفعها على المستوى الـداخلي، أنــه بلــد ما يزال يـــواجــه ويتصدى لتحـــديات ومنـاورات خارجيــة… مناورات تحبكــها وتــروج لــها جــهات كان من المفــروض فيها أن تعــي حقائــق ومعطيات العصر، وأن تجنـــح إلى ما تفــرضه أواصر وقيــم الانتمــاء الديني والقــاري المشترك من تضامن وتكــامل وحســن الجوار.

والملفــت للانتــباه فــي ذلك ليس فقط هو أن تكــون للمغرب القـــدرة على رفــع كــل هـذه التحــديات، التي يفــرضها الموقف على الصعيــدين الداخلي والخارجــي معــا، بــل أيضا أن يتمكــن، وبكيفيـة مسترسلــة، مـن تحقيق تراكمات مـن النجاحات والانتصــارات على الواجهــة الداخليــة كمـا عـلى الجبهـــة الخارجيـــة، وبشأن هذه الأخيــرة، لا شك أن مــا نقلته وســائل الإعلام الوطنيــة والدوليــة، خلال الأسبوع الماضــي، فيــه ما يكفــي للدلالـــة على أن المغرب يــواصل الخطــوات والانتصــارات على هــذا الطـريق بالرغـم مــن كــل الدسائس ومناورات التزييف والافتــراء الآتيـــة مــن خصــوم قضيتـه الوطنيــة وحقــوقه المشـــروعة، ومـن ذلك:

* أنـه بعـد كـل الرهانات والادعــاءات الواهيــة لخصوم الوحدة الترابيــة، بشأن قــرار المحكمــة الأوروبيــة حول اتفاقية الصيـد البحري بين المغرب والاتحـاد الأوروبـي، الداعي إلى استثناء منتوجات الأقاليم الصحــراوية مـن الاتفاقية، فإن المفوضية الأوروبية لم تتأخر فــي القـول بأن اتفاقيـة الصيد يمكن أن تشمــل الأقاليم الجنوبيــة، وأن الاتحاد الأوروبي يرغب في تطويرها من خلال إبرام اتفاقيـة وبرتوكول مستــدامين في المجالين البيئي والاقتصــادي، وأن الاتفاق ينسجـم بشكل كامل مــع القانون الدولي والأوروبـــي.

* أنـه بعـد الاستفــزازات التي تقــوم بهــا الجماعة الانفصاليــة في منـطقة “الكركرات” بادر مجلس الأمن الدولـي إلى الإعلان عـن موقفــه الصريح والواضح الذي يفيــد بأن المجلس يعبر عن قلقــه مـن خرق قرار وقف إطلاق النار، ويضيف التصريــح الصادر عن رئاسة مجلس الأمــن بأن المجلــس يرفض المساس بالوضع القائــم في المنطقة، ويدعو إلى الالتزام بالقــرار رقـم 2351،على النحــو الوارد فــي تقــرير الأميــن العام الأممـــي.

* أن المغــرب نجح فــي إحباط (الدعوات)، التي روجها خصوم القضية الوطنية، خلال القمة الإفريقية الأخيرة، والتي كانت ترمي إلى الحيلولة دون تنظيــم تظاهرة منتــدى (كرانس مونتانا) الدولية بمدينة الداخــلة جـوهرة الأقاليم الصحــراويــة، إذ أن دورة هذه السنة للمنتدى نظمت في موعدها، تحت شعار : “إفريقيا وتعـزيز التعاون جنوب ـ جنوب”، وبحضور أزيد من 1000 شخصية يمثلون أكثر من 100 دولـة، من بينها 49 دولة إفريقية.

* أن المغرب، فـي نفـس الأسبوع، عــزز حضوره وتواجــده الواعــد فــي فضـاءات المؤسسات الإفريقية مـن خـلال مشاركتـه المتميــزة في القمــة الإفريقيـة الاستثنائــية بالعاصمــة الروانــدية (كيغالـي)، حيث تــم الإعلان عــن إحــداث منطقـــة التبادل الحــر القاريــة الإفريقيـة، وحيـث وقــع المغرب على وثــائق تأسيس والانضمـــام لهــذا الإطــار الاقتصادي والتجـــاري الإفريقــي الجــديــد.

وقــد تجسـد التميــز المغربي بقمــة الاتحــاد الإفريقي الاستثنــائية، مــن خلال مضاميــن الخطاب الذي وجــهه جــلالة الملــك إلى هــذه القمة، وهو الخــطاب الذي تلاه رئيس الحكومة، حيث أعاد جلالته في هذا الخطاب التذكيــر بالرؤية الملكيــة لتنميـــة إفريقيــا وخيــار المغرب الإفريقي وإرادتــه القــوية فـــي دعـــم المسار التنمــوي للقارة والنهــوض بأوضاعها.

كما حرص جلالــة الملك محمد السادس على التذكيــر بالمغــزى العميــق لعودة المغرب إلى مؤسسات الاتحــاد الإفريقــي، وكذا بــزيارات جــلالته لبـــلدان العمــق الإفريقـي، بقــوله: “وقــد وقفــنا خــلال هـذه الزيارات على الحاجـة الملــحة إلى التكتــل في إطـار مجمــوعة إفريقيـة متمـاسكة وطمــوحة، وعلى هـذا الأساس، فبقــدر ما تمثـل عودة المغرب إلى أسـرته المؤسسيـة التجسيــد الفعـلي لهــذه الإرادة الثابتـة لتــوحيد الجهــود والطاقـات، فإنهـا تعكـس أيضـا تشبثنــا الراســخ بــروح الاتحـــاد وبثوابــت الوحــدة الترابيـة لكــل بلـداننا والتضــامن الإفريقـي بيــنها”.

وبتركيز ودقــة تحـدثت الرسالة الملكيــة عن أهميـة وضع الآليـات المساعــدة على التنميــة الشاملــة والمستـدامة للقــارة السمــراء، مــؤكدة على أنــه قــد “صــار لزاما علينــا، أكثـر من أي وقـت مـضى، أن نعجــل بمــد جســور الترابط الــدائم بيـــن الأســـواق الإفريقيــة، وتعــد منطقــة التبــادل الحــر القـارية الإفريقيــة، آلية أساسية لتعــزيز هــذا النمـوذج التنمــوي الاقتصــادي الجــديد، القــائم عـلى الابتكــار وتنــويع الأنشطــة الاقتصادية، وعـلى التجـارة التضامنيــة، وهو ما يستدعــي توحيـد الصف الإفريقــي قصــد بنـاء اقتصـاد قـاري مزدهــر يقـوم عـلى التنميــة الشاملـة والمستـدامة، وعـلى تشجيـع المبـادرة الحـرة وإنتـاج الثروات، ولعـل الحرص على الاستجــابة لهـذه التطلـعات هو ما يســر تتــويج الجــولات المتعــددة للمفاوضــات بميــلاد هـذا الإطار القانــوني الأنسب المتمثــل في منطقــة التبادل الحـر القــارية الإفريقـية”.

وبهــذا التوجــه الاستراتيجــي الذي رسمته وتـرسمه الخطـب الملكية، يتضح، لكل الأوساط القاريــة والدوليــة، ما يمكن للمغرب أن يقــدمه مــن عمــل جـدي لصالح القـــارة الإفريقيــة ولفائـــدة المجتمع الدولـي ككـل، ومن ثمــة، وبهــذا الحضور القوي المتميــز يستطيع المغرب أن ينقـــل المعركــة إلى ملعــب الخـصوم، وأن يدحض المناوشات والاستفــزازات والافتراءات التي تنتجــها الدوائـر المحرضة على الأطروحة الانفصاليـة.

وهـذا ما حصل إزاء موقف محكمـة العدل الأوروبية بشأن اتفاقيـة الصيد البحـري، إذ بالإضافة إلى رفضـه مـن لدن المفوضية الأوروبيــة، فقـد تعالـت أصوات أخــرى من داخل البرلمان الأوروبي تستهجــن (انحراف المحكمة الأوروبيـة)، بل وتثيــر الشكوك حول اختصاص وحيــاد هـذه المحكمـة في الملف المتعلق بالاتفاق الفلاحي (دجنبر 2016)، واتفاق الصيـد البحري (فبراير 2018)، وبمقابل محــاولات الجماعــة الانفصالية إقحام الاتحــاد الإفريقي في النزاع المفتعــل حول الصحـراء المغربـية، فإن العرض الذي قــدمـه المبعوث الشخصي للأمين العام الأممي إلى مجلس الأمن، يؤكـد على أن الأمم المتحــدة هي الجهــة المختصة بتتبع ومعالجــة مـلف هــذا النزاع، وفي نفس اتجــاه المفوضية الأوروبية، كان موقف الكونغــرس الأمريكــي واضحا في دعمـه (ضمنيا) للموقف المغربي، وفي دعــوته الإدارة الأمريكيــة إلى “دعــم استثمارات القطاع الخاص بالصحـراء المغربيـــة”.

وبعــد كل المناورات و(العراقيل)، التي اختلقـتـها الجهات المناوئــة للحضــور المغربي في بعض مؤسسـات الاتحـاد الإفـريقي، وخاصة منها (سيـدياو)، هاهو برلمان المجموعة الاقتصاديــة لغرب إفريقــيا يعلن في البلاغ المشترك الصادر عقب اجتماعه مع البرلمان المغربي عــن دعمــه لانضمــام المغرب إلى هــذه المجموعـة، معتبـرا أن الحضور المغربــي سيشكل قيمــة مضافة للمجمــوعة وسيتيــح الاستفــادة المتبادلــة وتقاســم الفوائــد بين بلدانها.

إنها عناصر ومعطيات دالــة عـلى نجــاعة الرؤيـــة المغربية المتطورة لقضايا القــارة الإفريقية، ولما يجري عـلى الأرض في المنطقــة، على أن ما لكل هــذه المعطيــات مـن تقييــم إيجابي، لا يعني أن الأمــور تسير بشــكل ميكانيكي فــي المجال السياســي، حيث تتعــدد المقـاربات وتختلف الخلفيات والمنطلقــات. وعليــه، فإن المغرب مطالب بأن يــواصل يقظتــه، والدفاع عــن موقفه الحازم والحاسم، بشأن وحدته الترابية، وهو الموقف الذي عبر عنه جلالة الملك في خـطاب ذكرى المسيرة الخضراء، وذلك مع مواصلة اعتمــاد وتفعيل استراتيجيته القائمــة على أن:

* اهتمام المغرب بقضاياه الداخلية ومشاغله التنمـوية لا يجعل منه دولـة منغلقــة، ولا يمنعــه مـن الاهتمام بالشأن الدولي والقاري والجهــوي.

* المغرب باختياره السياســي الواضح يضطلع بدور فاعل في قضايا التعاون الدولي والدفاع عـن حقوق الشعوب في الأمن والاستقرار والحياة الكريمـة.

* المغرب صادق في خياره الإفريقي ويعمل، وبالملموس، على بناء إفريقيا الجديدة المعتمــدة على طاقاتها والقادرة على إسعاد شعوبها.

* المغرب يقــدم، بكل ذلك، نموذجــا جـديدا للتعاون الدولــي، ولمعالجة التوترات والأزمات، ولإرساء قـواعد التعايش والتسامـح بين ساكنة المعمــور.

وبهــذا الاختـيار وهــذا السلــوك الحضاري المتميـــز يعطي المغـرب الدليل الملمــوس على استحــقاقــه لمــا يحـظى بــه مــن احترام وتقــدير المجتمــع الدولــي، وفـي كـــل المحــافل الأممية والقــارية والإقليمية.

وكما هو واضــح مـن الرؤيـــة الملكيــة لإشكالات وملفات القــضايا الدولية والقــارية، فإن هــذا التوجــه بعيــد كل البعــد عن المنطلـــقات والخلفيـات التكتيكية، لأنه اختيار مبـــدئي قـــار تــم اعتمــاده عــن وعــي وقناعـــة راسخـــة.. وهـي القناعــة التي تجعــل هــذا البلــد يقـــوي عملــه المتواصل مـن أجل توطيــد مكاسبه الديمقراطية والتنمـويــة، وأن ينخــرط، في نفــس الآن وبفعاليـــة، فــي التصــدي للمعضــلات التي تواجــه الإنسانية عبــر المعمـور، وأن يخصص كل مجــهوداته مـن أجل النهــوض بقـارته الإفريقية عبر الشراكات الإيجـــابية والتعاون “جنوب ــ جنوب”، مـع مـا يوازي ذلــك من مبادرات ومساهمة فــي مجــهود استتبــاب السلم وحمــاية أمــن الشعــوب ووحــدة وسيـــادة بلدانهـــا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة الفلاحة ..الحالة الصحية للأضاحي “جيدة للغاية”

أكدت وزارة الفلاحة والصيد البحري ...