الرئيسية / رأي / مهـام ومسؤوليات لا تقبل التردد والانتظاريـة

مهـام ومسؤوليات لا تقبل التردد والانتظاريـة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس //

كــان الحدث البــارز، خـلال الأسبــوع الماضــي- مـن كـل الزوايــا، وبكــل المقايـيس-، هـو عودة جلالة الملك إلى أرض الوطن، حيث تفضــل برئاســة مجلس وزاري، الذي تمت خــلالــه المصادقـة على مجمــوعة من النصوص القانــونية والاتفـاقيات الدولية.
وفي بــداية أشغال هــذا المجلس، استفسر جلالـة الملك السيد وزير الفـلاحة والصيد البحري والتنميــة القرويــة والمياه والغابـات عــن الوضعية الفــلاحية فــي المملكــة.
كما استقبل جــلالة الملك، بالقصر الملكي بالرباط، كــلا من رئيس الحكـومة، ووزير الداخليــة، ووزير الاقتصـاد والماليـة، بحضور مستشاري صاحب الجلالة فــؤاد عالي الهمــة وياسر الزناكــي، وكان موضوع الاستقبال يهم رفــع مقترحات الحكومــة بخصـوص إصـلاح المراكز الجهويــة للاستثمار إلى مقام جلالة الملك، وفي اليــوم الموالي كانت رحاب القصر الملكي تستقبل عددا هاما مـن السفراء الذين تسلموا مـن جلالته أوراق اعتمادهم لــدى مجموعة من الدول والمنظمات الدولية.
عنوانان أو موضوعان نموذجيان يحملان دلالات قــوية على مستـوى المبادرة والتتبع، وأيـضا فــي كــل ما يهــم شـروط مواصلة العمــل بالأوراش المفتوحــة وفي المشاريــع التي تهــم تنميــة البلاد والتصـدي لتحــديات المرحلــة وطنيــا وقــاريـا.
إن استفسار جلالة الملك عـن الحالــة الفلاحيـة في المملكــة معناه استحضــار حجـم المكانـة التي يحتلهــا هــذا القــطاع في النسيــج الاقتصــادي وتنــوع الإنتــاج الوطني، وما لـذلك مــن أثـر على وتيــرة أو نســب النمــو، وإن كــان الوزير المشرف على القــطاع قـــد “أكــد لجــلالة الملـك، نصره الله، الظـروف الجيـدة التـي يعـرفها الموسـم الفـلاحي الحـالي والانعكـاسات الإيجـابية للتســاقطات المطـرية والثلجيــة على مخــزون الســدود والفـرشة المائيــة”، فإن المعطيات والأرقــام الدقيقــة المنتظــر جمعهــا، والمؤشرات المتوفــرة، من المـرجح أن تـــؤكد تحــقق النتائــج الإيجابيــة المشار إليها، والتي يمــكن أن تتجــاوز 100 مليون قنطار مـن محصول الحبــوب.
فللمغرب كامل المؤهلات والأسباب التي تمكـنه من مواصلة تحسيـن مردوديــة قطاعـه الفلاحـي، فبغض النظر عـن العوامل المناخية، هناك المجهود الذي بــذل من أجل زيــادة المساحات المزروعة وتحسيــن الإنتاجيـــة، وغير ذلك مما يوفــر لاستـدامة الفلاحـة المغربية عبر استراتيجــيات متواصلـة مـن سياسة السدود إلى مخطط (المغرب الأخضر) وإلى المخططات الفلاحيــة الجهــوية.
طبعا، انتظارات المغاربة مـن القـطاع لا تنحصر في نتائجه المرضية من محصول الحبوب وأثره الإيجابي بالنسبة لحيـاة الفلاحين، ولكن أيـضا الفلاحـة المغربية تعني، ويجب أن تعنــي، ضمان الأمـن الغـذائي للمغاربـة.. أي المزيد من الرفع مـن إنتاجية البواكر والحوامــض، وتحسيـن وضعيـة الصادرات وقدرتها التنافسيــة.. وأيضا العنايــة بتربية المواشي والدواجـن وإنتاج اللحــوم.. والإسهام في الرفع من دخـل الفــلاح الفقـير وكل المرتبطين بالقطاع.. والنهــوض بالعالــم القــروي وتحسيــن ظـروف عيــش ساكنتـــه… كل هــذه المطامــح والانشغــالات هي الكامنة وراء الاستفسار الملكــي عن وضعيــة الفلاحة في المملكــة.
كما أن موضوع إصــلاح المراكـز الجهويــة للاستثمار لا يخرج عـن حـرص جلالة الملك على جعـل كـل الإدارات والمؤسسات العمــومية تــؤدي مهمتــها بفعالية كاملة، وإن كانت المجالس الجهويـة للاستثمار ــ كفكـرة ومشروع ــ تحتفظ بكـل أهميتها ووجاهتها، فإن الممارسة والتأطيـر قد لا ينجوان دائما مـن الأخــطاء وســوء التدبيـر، وهـذا ما لاحظـه جـلالة الملك ونبــه إليه فـي خطاب العرش (السنة الماضية)، حيث أوضح جلالته قــائلا: “إن من بين المشاكل التي تعيـق تقـدم المغرب هو ضعـف الإدارة العمــومية، سواء من حيث الحكـامة، أو مستوى النجاعــة أو جـودة الخـدمات، التي تقـدمها للمواطنيـن، وعلى سبيل المثال، فإن المراكـز الجهـوية للاستثمـار تعـد، باستثناء مـركز أو اثنيــن، مشكـلة وعــائقا أمام عـملية الاستثمـار، عوض أن تشـكل آليــة للتحفيـز، ولحـل مشاكل المستثمـرين، على المستـوى الجهـوي، دون الحـاجة للتنقــل إلى الإدارة المـركزية، وهو ما ينعكس سلبا على المناطق، التي تعانـي مـن ضعف الاستثمــار، وأحيانا من انعــدامه، ومن تــدني مردوديــة القطاع العــام، مما يؤثـر على ظروف عيـش المواطنيـن”.
هكـذا كان موضوع التنبيــه الملكــي محل الجديــة اللازمة، والمتابعــة العمليـة، التي أنتجــت مقترحات إصــلاح شامل للمجالس الجهويــة للاستثمـار، وذلـك، وكما دعا الخطاب الملكي لذلك، عبـر مقـاربة تشاركيــة مع مختلف القطــاعات المعنيــة، ومن خــلال مضاميــن ومحاور مشـروع الإصلاح نلامــس مقتضيات ومراجعات أساسيــة، ومنـها:
*المحور الأول، ويتعلق بإعادة هيكلـة المراكز الجهويـة للاستثمار، بالارتكــاز على تحـويل هـذه المراكز إلى مؤسسات عموميـة مع اعتماد حكــامة تشاركيـة ومنــفتحة على مختلف الفاعليــن، مع توسيع نطاق مهامها واختصاصاتها، والمواكبة الشاملة للمقاولات الصغرى والمتوسطة…
* المحور الثاني، ويتعلق بإحـداث اللجنة الجهـوية الموحـدة للاستثمار، حيث يقترح دمج كافـة اللجـن الجهوية السابقـة في لجنة جهويـة موحـدة بهـدف تحسيـن ومـلاءمـة مسـاطر اتخـاذ القرار…
* المحور الثالث، ويهـم تبسيط المساطر والإجراءات المتعلقة بملفات الاستثمار على المستـوييـن الجهـوي والمركزي، بالإضافة إلى اعتماد قوانيـن ومقاربات محفـزة حــديثة على المستوى المركزي ومكافحة التعسفات والبيروقراطية الإداريــة…
من خلال هـذه المقتضيات وغيرها، يتضح أن المشروع يــروم الانتقــال بالمراكز الجهــوية للاستثمار إلى وضعيــة جــديدة، وضعية تعطيــها الديناميــة اللازمــة وتمكــن من تجـــويد الأداء، والارتقــاء بدورها في ضمان بيئــة اقتصاديـة ملائمـة للاستثمار، وكل ذلـك في تناســق وتكــامل مع القــرارات والمؤسسات الأخــرى المعنيــة بالاستثمـار، كقرار إحـداث الوكالة المغربيــة للاستثمــار، والقوانين الخاصة بتعزيـز الاستثمار، والقرار الضريبي المحدد لنسبة صفر بالمائــة بالنسبــة للمقاولات الصناعيـة الموجودة فــي طور التكـــوين.
هـكذا ومن هــذه الأنشطـة الملكيــة المكثفــة، نحصل على خــلاصات أساسيــة بليغــة، تهــم مسـار البلاد وتوجهها العام وعلى كــل الواجهات، ومن بين هـذه الخلاصات، يبرز الآتـي:
* أنه إذا كانت للمغرب مشاكلــه التدبيريـة وتحدياته الاقتصادية والتنموية، فإن للمغرب أيضا مؤسساته، وفي مقدمتها المؤسسة الملكية، الفاعلة والقادرة على التصدي لكل الصعاب ومعالجـة كل المشاكــل وبما يمكن البلاد من النجــاح في تحقيق الأهــداف المرسومــة.
* أن التحـديات الكبرى المتمثلة في قضية الوحدة الترابية، وترسيخ الخيار الديمقراطي، هي محل إجماع وطني متيـــن وموضوع تعبئـــة دائمة لكــل الطاقات والقوى الوطنيـة.
* أن المهام الإصلاحية التي طرحتها الخطـب الملكيـة، ومنها النموذج التنموي الجـديد، إصلاح الإدارة، ربـط المسؤولية بالمحاسبـة، تعـزيز آليات الاستثمار، وتنـزيل الجهوية المتقــدمة واللاتمـركز، هي من الرهانات الأساسيــة التي لا مجـــال معهـا للبطء أو التماطل، كما أنها مــن المسؤوليــات التي لا تقبـــل التردد أو الانتـظاريــة.
ومـع كل ما يوازي القناعــة بصــواب الاختيــار مــن ثقــة وتفــاؤل، لابــد أيضــا من اليقظــة الدائمـة، ومن توفــر المستــلزمات الضروريــة للقيام بهــذه المهــام، ومن هــذه المستلــزمات تــلك التي تحــث عليها التوجيهــات الملكيــة، مــن حكامة جيــدة، والتحلي بالنزاهة والاستقامة، والتوفر علـى أفضل الأطر والكفــاءات، والتشبع بالالتزام الوطـني، وتعبئـة النخـب القادرة على تحمـل المسؤولية وتنــزيل المخططات والبرامــج على أرض الــواقع الملمــوس.
وإلى جانب القضايا الوطنية والداخليـة، تأتي قضايا القارة الإفريقية ضمن أولويات اهتمامات جلالة الملك، لذلك فالمغرب يولي عناية خاصة للقمــة الأولى لرؤســاء الدول والحكومات للجنــة المناخ لحــوض الكونغــو، التي تفتتــح أشغالــها يومــه الأربعــاء بالعاصمة الكـونغولية برازافيل، هذا الاهتمام يعتبر رسالة واضحة، لكل من يعنيه الأمر، رسالة تفيد بأن المغرب مصر كل الإصرار على تبوإ مكانته المتميزة داخل عمقه الإفريقي، وأنه حريص كل الحرص على سياسته التضامنية مع شعوب القارة، وعلى الوفاء بالتزاماته القارية والدوليـة، وعلى الدفاع المستميت عن وحدته الترابية ومصالحـه الوطنيــة المشــروعة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ربورطاج.. مظاهر الاحتفال بعاشوراء عند المغاربة

رسالة 24 – ابتسام اعبيبي ...